الأم الفلسطينية… ذاكرة الوطن وصوت الصمود الذي لا يخبو
الأم الفلسطينية… ذاكرة الوطن وصوت الصمود الذي لا يخبو
بقلم: وسام زغبر
كاتب صحفي وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين
في فلسطين، لا تُقاس الأمومة بمعاييرها التقليدية فقط، بل تتجاوز حدود العاطفة والرعاية لتغدو فعلاً يومياً من الصمود، وموقفاً سياسياً وأخلاقياً في آنٍ معاً. فالأم الفلسطينية ليست مجرد حاضنة لأبنائها، بل حارسة للذاكرة، وناقلة للهوية، وشاهدة على الألم، وصانعة للأمل في أكثر اللحظات قسوة.
حين تجتمع الأمومة مع حب الوطن، تتشكل حالة فريدة من التضحية؛ حيث يصبح البيت امتداداً للمعركة، وتتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى شكل من أشكال المقاومة. الأم الفلسطينية تربي أبناءها على حب الأرض، وتزرع فيهم معنى الكرامة، وهي تدرك في قرارة نفسها أن هذا الطريق قد يكون محفوفاً بالفقد. ومع ذلك، تمضي بثبات، لأنها ترى في صمودها حمايةً لمستقبلهم، وفي تضحيتها دفاعاً عن حقهم في الحياة.
في كل مرحلة من مراحل الصراع، كانت الأم الفلسطينية في قلب الحدث. فهي التي ودّعت أبناءها إلى المدارس في ظل القصف، وهي التي انتظرتهم على الحواجز، وهي التي حملت جراحهم، واحتضنت صور الشهداء، وحوّلت الحزن إلى قوةٍ دافعة للاستمرار. لم تكن يوماً على هامش المشهد، بل كانت دائماً في مركزه، تُعيد تعريف البطولة بعيداً عن الشعارات، عبر أفعال صامتة لكنها عميقة التأثير.
الأم الفلسطينية لا تملك رفاهية الانكسار، حتى في أكثر اللحظات إيلاماً. فهي تُخفي دموعها لتُبقي جذوة الأمل مشتعلة في عيون أطفالها، وتُعيد ترتيب الفوضى من حولها لتصنع من الركام حياةً ممكنة. وفي هذا السياق، تصبح الأمومة فعلاً من أفعال المقاومة الناعمة، التي لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال.
ورغم كل ما تواجهه من قهر وفقد، تبقى الأم الفلسطينية رمزاً للعطاء الذي لا ينضب. فهي لا تمنح أبناءها الحياة فحسب، بل تمنحهم المعنى، وتعلمهم أن الوطن ليس مجرد مكان، بل هو قصة انتماء تُكتب بالصبر والتضحيات.
إن الحديث عن الأمهات الفلسطينيات ليس مجرد استحضار لصورة إنسانية مؤثرة، بل هو اعتراف بدور جوهري في بقاء القضية حيّة. فبفضل هذا الإصرار اليومي، وهذا الحب الذي لا ينكسر، تستمر الحكاية الفلسطينية، جيلاً بعد جيل، وتبقى الأم في قلبها… الحارسة الأولى للهوية، والنبض الذي لا يخبو.

