جانفي شهر النضال والانتفاضات الشعبية

جانفي شهر النضال والانتفاضات الشعبية




جانفي شهر النضال والانتفاضات الشعبية

بقلم منور السعيدي

مع حلول شهر جانفي من كلّ عام جديد، تتكاثر الأسئلة حول ما يمكن أن يحدث في الساحة الاجتماعيّة في مثل هذا الشهر الذي اكتسب عبر التاريخ الحديث لبلادنا رمزية خاصة لاعتباره شهر الاحتجاجات والانتفاضات الذي تتأهّب له القوى الاجتماعية المختلفة كموعد خاصّ لحراكها وتحسب له السلطة القائمة ألف حساب خوفا من نتائج ذلك الحراك على استقرار مصالحها.

جانفي لم يعد مجرّد موعد زمني في الرزنامة، بل تحوّل إلى تعبير سياسي واجتماعي مكثّف عن الأزمات التي تعيشها البلاد، وعن الفشل المتواصل للسياسات الاقتصادية والاجتماعيّة المتعاقبة منذ عهد الاستعمار المباشر إلى اليوم وعن انعكاساتها السلبية على حياة الأغلبية الكادحة من المجتمع. يمرّ الصيف ويأتي الخريف الذي يعود فيه الجميع إلى العمل والدراسة، وما أن يأتي الشتاء ببرده القارس حتّى تشتدّ مختلف التناقضات وينفجر غضب الشارع متخذا أشكالا عدّة، حسب الحالة العامّة للوعي الشعبي وموازين القوى في المجتمع. وهو ما تشهد عليه عديد المحطات من تاريخ بلادنا منذ القرن الماضي. ففي أواخر شهر ديسمبر من سنة 1924 وقبل أيام معدودات من بداية عام 1925عرفت تونس، في غمرة النضالات العماليّة، تأسيس “جامعة عموم العملة التونسيين” على يد محمد علي الحامي ورفاقه. وفي 20 جانفي من عام 1946 تأسس الاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة فرحات حشاد. وفي 18 جانفي 1952 اندلع الكفاح المسلّح ضدّ المستعمر الفرنسي. وتتالت الأحداث “الشتوية” في تونس إلى أن جاءت أواخر جانفي 1972 لتشهد بداية الانتفاضة الطلابية الشبابية الجديدة التي ستبلغ ذروتها يوم 5 فيفري من ذلك العام. وفي يوم 28 جانفي 1975 ستعرف تونس أوّل إضراب عام قطاعي (أساتذة الثانوي) في الوظيفة العموميّة منذ انتصاب نظام بورقيبة في الحكم. وبعد ذلك بثلاث سنوات يوم 26 جانفي 1978 ستكون بلادنا على موعد مع الإضراب العام النقابي الذي أغرقه نظام بورقيبة في الدم. وفي مطلع جانفي 1984 ستشهد بلادنا انتفاضة الخبز التي أُغرقت هي أيضا في الدم. وفي 5 جانفي 2008 ستنطلق التحركات الاحتجاجية في الحوض المنجمي لتدوم أشهرا وفي يوم 14 جانفي 2011 سيكون موعد الشعب التونسي مع سقوط الدكتاتوريّة. ومن وقتها سيظلّ شهر جانفي من كلّ عام مناسبة لتحركات سياسية واجتماعية ناهيك أن شهر جانفي سيتحوّل إلى كابوس لكل الحكومات المتعاقبة التي أصبحت تتوجّس منه وتخشاه.

وقد عاد الحديث هذه السنة، في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وفيما بين الناس، عن شهر جانفي وما يمكن أن يحصل فيه، لما تعيشه البلاد من مشاكل معقّدة ناجمة عن أزمة هيكلية، عامّة وشاملة، فنظام قيس سعيّد الذي يواصل تكريس نفس الخيارات الاقتصادية التابعة، التي لا تخدم سوى مصالح أقليات رجعية محلية وأجنبيّة، لا يجد من حلّ سوى المضيّ قدما في تدمير المنظومات الإنتاجية وفي مزيد إغراق البلاد في الاقتراض الداخلي والخارجي وإثقال كاهل العمال والأجراء والفئات الصغرى من البورجوازية بمزيد الضرائب وهو ما نتج عنه غلاء متصاعد للأسعار وتدهور لافت للمقدرة الشرائية وتدهور مريع للخدمات العمومية مع خصخصة تدريجية للقطاعات الحيوية، وتفكيك منظومة الدعم والحماية الاجتماعية، تحت عناوين مضللة من قبيل “الإصلاحات الضرورية” و”الالتزامات الدولية. ومن البديهي أن تكون نتيجة السياسات مزيد تعميق الفوارق الاجتماعية، وتوسيع رقعة البطالة والفقر، ودفع آلاف العائلات إلى حافة العجز الكامل عن تأمين أبسط متطلبات العيش الكريم.

إنّ هذا الهجوم على معيشة الشعب الكادح يرتبط بهجوم آخر على الحريات والحقوق بما فيها الحق النقابي. فقد اشتدّ مع قيس سعيّد القمع السياسي لفرض اختيارات التبعية والاستغلال الفاحش والتفقير وتكميم الأفواه وحرمان الشعب من أيّ سلاح يدافع به عن نفسه. لقد استبعد قيس سعيّد الاتحاد العام التونسي للشغل ومختلف هياكله القطاعية والجهوية من التفاوض حول كل ما يتعلق بشؤون العمال والأجراء وفي مقدمتها الزيادات في الأجور وواصل في نفس الوقت التحرش بالمنظمة وتبرير بعض الاعتداءات المنظمة التي تعرّضت لها (هجوم أوت 2025) وفسح المجال في مختلف وسائل الإعلام التابعة لشيطنة العمل النقابي وحتى للمطالبة بحل الاتحاد. وفي نفس السياق القمعي تتواصل الاعتقالات والمحاكمات الجائرة التي تطول السياسيين والإعلاميين والمحامين والنشطاء في مختلف المجالات كما تطول العديد من المواطنين العاديين ضحايا المرسوم 54 الفاشي. وقد أدّى كل ذلك إلى اتساع رقعة الغضب في المجتمع.

وهكذا فقد تحول شهر جانفي لهذه السنة إلى لحظة تتكثف فيها مشاكل البلاد والمجتمع. وقد تمّ بعد الإعلان عن عدّة تحركات اجتماعية وسياسية. ومن هذه التحركات الإضراب العام الذي أعلنه الاتحاد العام التونسي للشغل والمقرر ليوم 21 جانفي 2026. ولسنا ندري مصير هذا الإضراب بعد تفاقم الأزمة داخل الاتحاد. كما أنّه تمكن الإشارة إلى التحرك العام المقرر بقابس ليوم 14 جانفي، ذكرى الثورة وسقوط الدكتاتورية، للاحتجاج على الوضع البيئي الخطير الذي تزال سلطة الاستبداد تواجهه بالمماطلة. وبالإضافة إلى ذلك ما انفكّت تتكاثر خلال الأشهر الأخيرة التحركات السياسيّة للتنديد بالقمع والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ووقف المحاكمات الجائرة وقد تمّ الإعلان عن عدة تحرّكات خلال هذا الشهر ومن المؤكّد أنّها ستتلوها تحرّكات أخرى خلال الأشهر الموالية. ومن المهمّ بالنسبة إلى حزبنا أن يستعدّ لكل الاحتمالات فلا أحد يمكنه مسبقا أن يتكهّن بتطور الأوضاع في بلادنا في ظرف يتميّز بالتوتّر لا محليا فحسب بل وفي المنطقة والعالم أيضا وفي وضع تتشابك فيه كل هذه المستويات ويؤثّر بعضها في بعض كما لم يحصل في السابق.

إنّ حزبنا مطالب بأن يتسلّح برؤية واضحة وبروح عملية فائقة وطاقة معنوية وكفاحيّة عالية لمواجهة الأوضاع في بلادنا في مستهل هذا العام وفي الأشهر اللاحقة منه. إنّ الخروج من المأزق الذي تمرّ به بلادنا ومجتمعنا لا يمكن أن يتمّ داخل نفس المنظومة التي أنتجته. بل على أنقاضها وبناء على خيارات اقتصادية وطنية مستقلة، تتحقق في ظلها مطالب الشعب وطموحاته. وهو ما يجعلنا دائما في تحركاتنا الآنية السياسية منها والاجتماعية مشدودين إلى هذا الهدف العام. فلا عودة إلى منظومة ما قبل 25 جويلية ولا منظومة ما قبل 14 جانفي 2011 لأنّ ذلك سيجرّ إلى إعادة إنتاج نفس المشاكل التي تتخبّط فيها بلادنا وشعبنا اليوم. وفي المحصلة فإن أكثر من مؤشّر ينذر في هذا الشهر وفيما سيعقبه من أشهر بموجة جديدة من الاحتقان، فلنستعدّ لذلك ونحن مدركين أنّ الفرق الحقيقي لن تصنعه حرارة الشارع وحدها، بل قدرة القوى الشعبية والعمالية على تنظيم نفسها وبلورة بديل سياسي واجتماعي واضح، يعبّر عن مصالح الأغلبية، ويقطع مع السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع الخطير. وما من شكّ في أنّ حزبنا يملك في برنامجه المفاصل الأساسيّة لهذا البديل. فلنعمل على نشرها في صفوف العمال والكادحين والفقراء والمهمشين ولنكن في نفس الوقت معهم في الميدان.

عن جريدة صوت الشعب