الجذور الطبقية والسياسية لأزمة اندماج اللاجئين في الدول الاسكندنافية، الدنمارك نموذجاً
الجذور الطبقية والسياسية لأزمة اندماج اللاجئين في الدول الاسكندنافية، الدنمارك نموذجاً
رزكار عقراوي
سياسي واعلامي يساري
16 مارس 2026
الاندماج مسؤولية مشتركة: قراءة يسارية نقدية في ظل تصاعد الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين، وإشكالية فهم الدولة، وبعض الممارسات الخاطئة لدى أقلية من المهاجرين.
لا يمكن فهم أزمة اندماج اللاجئين في أوروبا بمعزل عن السياق الذي أنتجها. فموجات اللجوء الكبرى لم تنشأ في فراغ، وجاءت في معظمها نتيجة مباشرة لحروب ودمار ممنهج طال مجتمعات بأسرها. ولا يزال هذا الدمار مستمراً حتى اليوم: ففي غزة وحدها تجاوز عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023 اثنين وسبعين ألف فلسطيني غالبيتهم من الأطفال والنساء، فيما تهجّر نحو مليوني شخص. وفي السودان واليمن وسوريا لا تزال الحروب تنتج موجات نزوح متواصلة. وفي فبراير 2026 نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران، وبغض النظر عن طبيعة النظام الإيراني الديكتاتوري الرجعي، فإن هذا العدوان العسكري المباشر على دولة ذات سيادة يرسخ منطق الحرب والعسكرتارية بديلاً عن القانون الدولي، وينتج مزيداً من الضحايا المدنيين والنازحين. هذه الحروب والصراعات تُشعلها أو تدعمها في معظم الأحيان تحالفات رأس المال والقوى اليمينية في الغرب وحلفاؤها الإقليميون. ومن المفارقة المؤلمة أن هذه القوى ذاتها التي أسهمت في تدمير مجتمعات بأسرها هي اليوم في طليعة من يرفعون راية معاداة المهاجرين ويصوّرونهم عبئاً لا ضحايا حروب أشعلوها.
تتصدر قضية الاندماج المشهد السياسي في الدول الاسكندنافية وبعض دول شمال أوروبا منذ عقود، وتتجدد حدتها مع كل موسم انتخابي. وعلى الرغم من تباين السياقات الوطنية، تتقاطع هذه الدول في مواجهة إشكاليات متشابهة: صعود الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين، وانزياح أحزاب الوسط اليساري نحو مواقف أكثر تشدداً في ملف الهجرة، وغياب تفسير بنيوي جاد لأسباب تعثر الاندماج لدى أقلية من الوافدين. وتبرز الدنمارك في هذا السياق بوصفها النموذج الأكثر تشدداً حالياً، إذ أقرت خلال السنوات الأخيرة جملةً من أشد قوانين الهجرة والاندماج صرامةً في العالم الغربي. تتخذ هذه القراءة من الدنمارك نموذجاً تحليلياً لا لأنها استثناء، إذ تجسد هذه التناقضات بوضوح لافت، ولأنني أقيم فيها وأتابع مجرياتها عن قرب، مما يتيح لي رصد هذه الإشكاليات من الداخل. والحالة في جوهرها عامة وقابلة للتطبيق على سياقات مماثلة في دول أوروبية أخرى ذات أنظمة رفاه متقدمة.
ملاحظة للقارئ: المشهد الحزبي الدنماركي
ينقسم المشهد السياسي الدنماركي إلى كتلتين رئيسيتين. الكتلة الزرقاء اليمينية وتضم حزب فينسترا Venstre – Liberal Party (الليبرالي التاريخي)، وحزب الشعب الدنماركي Dansk Folkeparti – Danish People s Party (القومي الشعبوي) الذي أرسى منذ مطلع الألفية خطاباً مناهضاً للهجرة أصبح مرجعاً للتنافس السياسي في البلاد ودفع المشهد السياسي كله نحو اليمين في هذه المسألة، إضافة إلى الليبرالية الجديدة Liberal Alliance والمحافظين Det Konservative Folkeparti – Conservative People s Party.
الكتلة الحمراء اليسارية تضم حزب الاشتراكيين الديمقراطيين Socialdemokratiet – Social Democrats الذي يمثل نموذجاً صارخاً للانزياح اليساري نحو اليمين في ملف الهجرة، إذ قاد حكومات أقرت بعض أشد قوانين الهجرة صرامةً في تاريخ الدنمارك رغم انتمائه التاريخي لليسار الاجتماعي. وحزب الشعب الاشتراكي Socialistisk Folkeparti في موقع وسطي.
فيما تمثل القائمة الموحدة Enhedslisten – Red-Green Alliance الجناح اليساري الأكثر وضوحاً برلمانياً في رفض العنصرية تجاه المهاجرين والمطالبة بسياسات اندماج قائمة على مواثيق حقوق الإنسان الدولية. غير أن هذا الوضوح لا يخفي تناقضات جوهرية، إذ أبعدتها مواقفها في السياسة الخارجية والتسليح عن الموقف الاشتراكي التقليدي المناهض للحرب وللعسكرتارية، وأيدت إنفاقاً دفاعياً متصاعداً على حساب الرعاية الاجتماعية، بل اقترحت توسيع التجنيد الإلزامي ليشمل النساء بدلاً من المطالبة بإلغائه. وهذه التحولات دفعت قوى اليسار الجذري إلى تحفظات صريحة على اعتبارها خياراً يسارياً موثوقاً، وإن بقيت في ملف الحقوق الاجتماعية والاندماج أفضل ما يتيحه المشهد البرلماني الراهن.
وخارج هذه الكتل البرلمانية، تنشط في الدنمارك أحزاب وتنظيمات يسارية جذرية لا تحظى بتمثيل برلماني لكنها تمثل جزءاً حياً ومهماً من المشهد اليساري، كالأحزاب الشيوعية بمختلف توجهاتها والتنظيمات الاشتراكية الثورية والحركات الأناركية والنقابية المستقلة. وهذه القوى مجتمعةً، سواء من داخل البرلمان أو من خارجه، تشكل الرافد الأساسي للضغط من أجل صون المكتسبات الاجتماعية ومقاومة الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين.
هذا التوزع الحزبي ليس مجرد خريطة تنظيمية، وإنما هو المفتاح لفهم طبيعة النقاش الدائر حول الهجرة والاندماج في الحملة الانتخابية الراهنة التي تسبق الانتخابات البرلمانية المقررة في الرابع والعشرين من مارس 2026. في خضم هذه الحملة، وفي ظل احتدام التنافس بين الكتلتين، تعود قضية اللاجئين والاندماج إلى واجهة النقاش السياسي بثقل لافت، وكأنها تصور باعتبارها إحدى المشكلات الجوهرية التي تهدد تماسك ومستقبل المجتمع الدنماركي.
وتميل معظم الأحزاب، بما فيها بعض أحزاب الوسط اليساري، إلى تفسير نجاح الاندماج أو إخفاقه من خلال عوامل ثقافية أو دينية أو عرقية. لا شك أن لهذه العوامل أثراً في بعض جوانب الاندماج، غير أن هذا الأثر يبقى محدوداً ولا يكفي لتفسير الظاهرة في جوهرها. فعوضاً عن التعامل مع الاندماج بوصفه مساراً اجتماعياً وتاريخياً معقداً تتشابك فيه عوامل بنيوية ونفسية واقتصادية، يجري اختزاله في شعارات ثقافية ودينية مبسطة توظف لإثارة الخوف وحشد الناخبين، مع ما يترتب على ذلك من أثر سلبي مباشر في مسيرة الاندماج ذاتها.
ولا بد هنا من التمييز بين نوعين من “القيم الدنماركية”: القيم الأصيلة المستندة إلى مبادئ المواطنة والمساواة والكرامة الإنسانية التي كرسها الدستور ومواثيق حقوق الإنسان الدولية، و”القيم الدنماركية” التي يروج لها اليمين تحت مسمى “الهوية الوطنية” والمستندة في جوهرها إلى التعصب والعنصرية والتمييز والاستعلاء القومي. فهذا الخطاب يفضي عملياً إلى معاملة سكان البلد من أصول مهاجرة، جيلاً أول وجيلاً ثانياً ولد في الدنمارك ونشأ فيها، كما لو كانوا متهمين يستوجب عليهم إثبات براءتهم بصفة مستمرة بسبب أصلهم الديني أو القومي، على الرغم من أن الغالبية العظمى منهم تعمل وتسهم وتندمج بشكل فعلي في المجتمع الدنماركي. وبعض هذه الخطابات تتجاوز القيم الحقوقية التي كفلها الدستور الدنماركي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
لكن سؤالاً أكثر عمقاً نادراً ما يطرح في النقاش العام، لا من الكتلة الزرقاء ولا من معظم أحزاب الكتلة الحمراء: ماذا تعني الدولة في أذهان من عاشوا جزء كبير من حياتهم في ظل دولة تقمع وتنهب؟ وكيف يمكن لهذه التجربة الراسخة أن تؤثر في علاقتهم بأي دولة أخرى؟ والأمر لا يقتصر على الجيل الأول وحده، إذ إن هذه الصورة عن الدولة قد تنتقل بصورة غير مباشرة إلى الجيل الثاني المولود في الدنمارك، عبر اللغة اليومية في البيت وطريقة الحديث عن المؤسسات والسلطة والقانون. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تنظر إلى الدولة بريبة وخوف قد يرث هذه النظرة قبل أن يكون تجربته الخاصة معها، مما يجعل معالجة هذا البعد النفسي والتاريخي ضرورة تمس الأجيال لا الأفراد.
الدولة كما عرفوها: جهاز قمع لا مؤسسة خدمة
كثير من اللاجئين واللاجئات القادمين من الشرق الأوسط وبعض مناطق آسيا وأفريقيا عاشوا معظم حياتهم في ظل دول استبدادية فاسدة. بالنسبة لهم، لم تكن الدولة مؤسسة عامة تخدم المجتمع وتحمي حقوق أفراده. كانت في تجاربهم اليومية جهاز سلطة قمعياً يعمل في الغالب لصالح نخبة ضيقة على حساب المجتمع الأوسع، مرتبطاً بالفساد المنهجي والرشوة والأجهزة الأمنية المهيمنة على الحياة العامة والبيروقراطية غير الخاضعة للمساءلة الشعبية. وكانت في أغلب الأحيان سلطة غير منتخبة أو تلجأ إلى انتخابات صورية مزيفة لا تعدو كونها واجهة لإضفاء الشرعية على حكم قائم أصلاً، وتتعامل مع الناس باعتبارهم رعايا خاضعين لا مواطنين يتمتعون بحقوق.
وهذه التجربة المتجذرة مع الانتخابات المزيفة أو مع غيابها الكلي تفسر جزءاً مهماً مما تعكسه الاحصائيات في الديمقراطيات الاسكندنافية من انخفاض نسبة المشاركة الانتخابية لدى الدنماركيين من أصول أجنبية مقارنةً بالمواطنين الأصليين. فالمشاركة في الانتخابات ليست سلوكاً فطرياً، هي ممارسة مكتسبة تبنى على ثقة راسخة في أن صوت الفرد يحدث فارقاً حقيقياً. ومن لم يعرف في حياته سوى صناديق اقتراع لا تغير شيئاً، أو تستخدم لتزوير إرادة الناس، يحتاج وقتاً وتجربة ملموسة ليقتنع بأن الأمر مختلف هنا.
والأهم من ذلك أن هذه الدول في كثير من الحالات لم تنشأ في فراغ. تشكلت وتحكمت في السلطة عبر تحالف وثيق بين الحكام السياسيين والنخب الرأسمالية المحلية والعالمية المستفيدة. وهي دول تلقت في أحيان كثيرة دعماً سياسياً وعسكرياً ومالياً من قوى دولية غربية تحت ذريعة الاستقرار الإقليمي ومكافحة التطرف، ومنها الدنمارك، في الوقت الذي كانت فيه تسحق المجتمع المدني وتمنع أي شكل من أشكال التنظيم الديمقراطي أو النقابي المستقل. وهذا السياق الدولي جزء لا يتجزأ من فهم الأزمة، إذ إن المجتمعات الغربية التي تتساءل اليوم عن أسباب صعوبة الاندماج تحمل في الوقت ذاته قدراً كبيراً من المسؤولية التاريخية عن التفاوت الاقتصادي وإدامة الأنظمة التي أفرزت هؤلاء اللاجئين وصنعت في نفوسهم هذه العلاقة العميقة من الريبة والخوف من الدولة.
في مثل هذه الأنظمة القمعية والفاسدة، يصبح من الطبيعي تماماً أن يحاول الناس الالتفاف على الدولة عوضاً عن التعاون معها. يتجنبون الإجراءات الرسمية، يتحايلون على القوانين ويتجنبون دفع الضرائب، ويبحثون عن طرق غير رسمية لإنجاز المعاملات، ويعتمدون على شبكات العلاقات الشخصية والعائلية والمناطقية عوضاً عن المؤسسات العامة التي لا يثق بها أحد. هذه ليست خصيصة ثقافية موروثة بالمعنى الجوهراني البسيط. هي في معظمها نتيجة منطقية لتجربة تاريخية طويلة ومتوارثة مع دولة دأبت على قمع ونهب المجتمع عوضاً عن خدمته.
ويزيد هذا التعقيد بعداً آخر كثيراً ما يغفله النقاش العام: فكثير من اللاجئين لا يحملون فقط تجربة سياسية مع الدولة الاستبدادية، بل يحملون أيضاً صدمات حرب ونزوح واضطهاد تلقي بظلالها العميقة على قدرتهم في الثقة بأي مؤسسة بغض النظر عن طبيعتها. هذا البعد النفسي لا يعالج بالشرح المؤسسي وحده، بل يحتاج دعماً متخصصاً ينبغي أن يكون جزءاً لا يتجزأ من أي سياسة اندماج جادة.
دولة الرفاه: نموذج ولد من النضال الطبقي
عندما يصل هؤلاء اللاجئون واللاجئات إلى الدنمارك، يجدون أنفسهم أمام نموذج مختلف تماماً عن كل ما عرفوه. فرغم أن الدولة الحديثة تبقى في النهاية جزءاً من بنية اجتماعية طبقية داخل النظام الرأسمالي، فإنها في الدنمارك والدول الاسكندنافية عموماً تقوم على مؤسسات ديمقراطية وانتخابات حرة ومستقلة وشفافية مؤسسية عالية نسبياً وقواعد قانونية تطبق بصورة متساوية إلى حد كبير على الجميع بغض النظر عن انتمائهم أو ثروتهم، وهو نموذج لا يقارن بأي شكل من الأشكال بما عاشوه في دولهم السابقة.
غير أن الاعتراف بهذه المكتسبات لا يعني التغاضي عن الطابع الطبقي للدولة الدنماركية. فهي في نهاية المطاف دولة رأسمالية تعمل داخل منظومة اقتصادية تركز الثروة وتعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي. فالتعليم العام المجاني والرعاية الصحية الشاملة ونظام الضمان الاجتماعي وقوانين حماية العمال لم تولد مع الدولة الدنماركية، بل انتزعت انتزاعاً عبر عقود طويلة من الصراع الاجتماعي والتنظيمي بين العمال ورأس المال، ولم تكن يوماً تنازلاً طوعياً من الطبقة المسيطرة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النموذج الاسكندنافي – دولة الرفاه- شهد تراجعاً ملموساً منذ التسعينيات، حين بدأت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية بالانزياح نحو الوسط الليبرالي، متخليةً تدريجياً عن الأولويات التي صنعت هذا النموذج لصالح إدارة الرأسمالية لا تحديها.
وهذه المكتسبات ليست محصنة إلى الأبد. فهي عرضة دائماً للتآكل كلما ضعفت الحركة اليسارية والنقابية وتراجع حضورها في الفضاء العام. وتاريخ الرأسمالية يثبت أن رأس المال لا يتخلى طوعاً عما انتزع منه، وأن كل تراجع في قوة التنظيم الجماعي تفتح معه نافذة لإعادة تقليص هذه الحقوق تحت ذرائع متجددة. لذا فإن الحفاظ على هذه المكتسبات وتطويرها مرهون في كل جيل بيقظة الحركات اليسارية والتقدمية واستمرار تنظيمها ومشاركتها السياسية الفاعلة.
هذه الحقيقة التاريخية هي مفتاح جوهري لفهم طبيعة الدولة الدنماركية. فعندما يقال لمهاجر أو لاجئ إن الدولة هنا “مختلفة”، يظل هذا الكلام مجرداً ما لم يقرن بالسياق التاريخي الذي أنتج هذا الاختلاف: حركات عمالية منظمة، إضرابات واحتجاجات، تفاوض جماعي، وصراع سياسي امتد لأجيال قبل أن يفضي إلى هذا المستوى من الحقوق الاجتماعية.
وتقوم هذه الدولة أيضاً على منظومة قانونية تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، بما في ذلك المساواة القانونية بين النساء والرجال، وتحييد الدين عن الدولة، وحماية حقوق الأطفال، وحق جميع المواطنين والمقيمين في التعليم والرعاية الصحية والكرامة الإنسانية بصرف النظر عن وضعهم الاجتماعي أو الاقتصادي. بالنسبة لكثير من اللاجئين القادمين من مجتمعات لا تتمتع فيها هذه الحقوق بالحماية القانونية الكافية، فإن استيعاب هذه القواعد وفهم منطقها ليس مجرد تكيف ثقافي، بل هو جزء أساسي من فهم طبيعة الدولة الديمقراطية العلمانية ذاتها وطريقة اشتغالها.
ومن أبرز نتائج هذه المنظومة أن المرأة المهاجرة القادمة من بيئات تعاني فيها النساء من تمييز قانوني وقيود اجتماعية صارمة، تجد نفسها أمام منظومة حقوقية تكفل لها حماية أوسع في مجالات العمل والتعليم والطلاق والحضانة وحرية التنقل. وهي في أحيان كثيرة تكتشف لأول مرة حقوقاً قانونية كانت محرومة منها.
الغالبية العظمى من اللاجئين واللاجئات تتكيف تدريجياً مع هذا النموذج وتتفاعل معه بشكل إيجابي وفعال. يتعلمون الثقة بالمؤسسات العامة، يدخلون سوق العمل، يدفعون الضرائب، يشاركون في الحياة المجتمعية، ويربون أطفالهم داخل هذا النظام. بل إن كثيراً منهم باتوا فاعلين في كافة مفاصل المجتمع الدنماركي، ومنها قطاعات اقتصادية حيوية كالرعاية الصحية والخدمات والنقل والبناء والصناعات الغذائية، وهي قطاعات باتت تعتمد اعتماداً جوهرياً على هذه الأيدي العاملة التي لولاها لتعطلت خدمات أساسية يستفيد منها المجتمع بأسره.
وفي قطاعات بعينها باتت العمالة ذات الأصول الأجنبية تمثل الغالبية الساحقة من القوى العاملة، لأن هذه القطاعات تتطلب استعداداً للعمل في ظروف شاقة وبساعات مطولة. هذا الإسهام الاقتصادي الحقيقي نادراً ما يجد طريقه إلى النقاش السياسي العام المهووس بالسلبيات، وهو إسهام يستحق الاعتراف والتقدير لا التجاهل.
ولا بد من الإشارة إلى أن الاندماج في سوق العمل لا يصطدم فقط بعوائق من طرف المهاجرين أنفسهم. فالبحوث تثبت وجود تمييز هيكلي حقيقي، إذ يرفض أصحاب الأسماء الأجنبية في سوق العمل بنسب أعلى من أقرانهم ذوي الأسماء الدنماركية بغض النظر عن مؤهلاتهم. هذا التمييز ليس مشكلة فردية بل تحيز بنيوي داخل سوق العمل الرأسمالي، ومعالجته تستوجب تشريعات صارمة وضغطاً نقابياً منظماً.
غير أن ثمة أقلية صغيرة تبقى لوقت أطول أسيرة التجربة القديمة مع الدولة والموروث الذكوري السلطوي، فتتعامل مع النظام الدنماركي بمنطق ما اعتادته في بلدها السابق، من لجوء إلى العمل غير الرسمي أو محاولة تجاوز القوانين أو الاعتماد على شبكات غير رسمية عوضاً عن المؤسسات العامة، أو محاولة فرض قيود على النساء في الأسرة وفي تربية الأطفال تتعارض مع المنظومة الحقوقية التي يكفلها القانون الدنماركي للجميع. وفي بعض الحالات لا يتعلق الأمر فقط بالعلاقة مع الدولة، بل بضغط الجماعة والطائفة والدين التي تشكل سلطة موازية تنافس سلطة المؤسسات العامة وتفرض على الأفراد، ولا سيما النساء والاطفال، امتثالاً لمعايير تتعارض مع المنظومة الحقوقية الدنماركية. وهذه السلطة الجماعية الموازية تحتاج إلى معالجة مستقلة لا يكفي فيها الشرح المؤسسي وحده.
سياسات الاندماج وإشكالية فهم الدولة
غالباً ما يفسر تعثر اندماج هذه الأقلية في النقاش السياسي السائد بوصفه مشكلة ثقافية أو دينية جذرية تستوجب المزيد من القيود والاختبارات والشروط. التفسير الأكثر دقة وواقعية هو أن المسألة في كثير من الحالات انتقال عسير من تصور راسخ للدولة بوصفها جهاز قمع وفساد، إلى تصور مختلف جذرياً يرى فيها مؤسسة تضامن اجتماعي تستحق الثقة والمشاركة. القادمون من تجارب استبدادية يحتاجون وقتاً واستثماراً حقيقياً لفهم أن العلاقة بين المجتمع والدولة في الدنمارك تقوم على قواعد مختلفة تماماً عما عاشوه.
سياسات الاندماج الدنماركية الراهنة لا تعالج هذا البعد الجوهري بشكل كافٍ. فعوضاً عن التركيز على شرح طبيعة مؤسسات الدولة وآليات عملها والتاريخ النضالي الذي أنتجها، تراكمت خلال السنوات الماضية، تحت ضغط متصاعد من اليمين واليمين المتطرف، سياسات اندماج اتجهت نحو تشديد القوانين وتوسيع الاختبارات القيمية وفرض قيود متزايدة على الإقامة وبعض الحقوق الاجتماعية. سياسات تنطلق من افتراض مسبق بأن اللاجئ بشكل عام مشكلة ينبغي احتواؤها والتحكم بها، لا إنسان يحمل تجربة تاريخية معقدة تحتاج إلى الفهم والتعامل معها بجدية.
هذا النهج لا يفشل فقط في تحقيق الاندماج. قد يعزز لدى بعض اللاجئين واللاجئات الصورة القديمة عن الدولة كجهة عدائية تتربص بهم، وهو بالضبط عكس ما تسعى إليه سياسات الاندماج المعلنة.
في المقابل، يحتاج الاندماج الحقيقي إلى شرح واضح لكيفية عمل مؤسسات الدولة المستندة إلى المواطنة، والعلاقة العضوية بين الضرائب والخدمات العامة، ودور النقابات وقوانين العمل في حماية العاملين والعاملات. تعلم اللغة ضروري بلا شك، لكنه لا يكفي وحده لفهم المجتمع. فهم الدولة ومؤسساتها، وفهم العلاقة بين الحقوق الاجتماعية والواجبات المشتركة، لا يقل أهمية عن القدرة على التحدث بالدنماركية.
المشاركة في التضامن الاجتماعي
من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة صياغة في سياق الاندماج مفهوم العمل غير الرسمي، وما يعرف في الدنمارك بـ”العمل الأسود”. في بعض البلدان، يعتبر العمل دون تسجيل أو دون دفع ضرائب أمراً طبيعياً ضرورياً للبقاء، وأحياناً ينظر إليه كشكل من أشكال مقاومة دولة فاسدة لا تستحق أن تمول. هذا المنطق مفهوم تاريخياً في سياق أنظمة استبدادية تستولي على الضرائب لصالح الحكام لا لخدمة المجتمع.
غير أن ثمة مفارقة كبرى لا يمكن إغفالها: أصحاب رأس المال الدنماركي أنفسهم يلجأون إلى التهرب الضريبي والعمل غير الرسمي بأساليب أكثر تطوراً وأوسع حجماً بما لا يقاس، عبر الملاذات الضريبية والشركات الوهمية وثغرات القانون التي تفصل لخدمتهم. فتركيز النقد العام والسياسي على ممارسات أقلية من المهاجرين مع التغاضي عن تهرب الطبقة الرأسمالية ليس موقفاً محايداً ولا مبدئياً، وانما هو توظيف سياسي واضح لتحويل الأنظار عن التناقضات البنيوية للنظام، وتحميل الحلقة الأضعف مسؤولية أزمات لم تصنعها.
ومع ذلك، في دولة كالدنمارك تعتمد على نظام ضريبي تصاعدي جماعي انتزع نضالاً وحمي تنظيماً لتمويل الخدمات العامة، فإن العمل غير الرسمي لا يعني مجرد مخالفة قانونية، بل يعني إضعاف نظام التضامن الاجتماعي الذي بني على مدى أجيال. كل ضريبة تدفع هنا تذهب إلى المدارس والمستشفيات والبنية التحتية ونظام الضمان الاجتماعي الذي يستفيد منه الجميع، بما فيهم اللاجئون أنفسهم.
عندما يفهم الإنسان هذا الارتباط العضوي بين ما يدفعه وما يحصل عليه المجتمع، يصبح دفع الضريبة فعلاً مختلفاً تماماً. لا يعود إذعاناً لسلطة خارجية، يصبح مشاركة طوعية في منظومة تضامن اجتماعي يستفيد منها الجميع.
الأمر نفسه ينطبق على محاولة التحايل على القوانين. ففي الأنظمة الاستبدادية، قد يرى الناس في التحايل على الدولة شكلاً من أشكال الدفاع عن النفس، وحتى المعارضة المشروعة لنظام فاسد. أما في مجتمع يقوم على مؤسسات عامة مشتركة، فإن هذه الممارسات تضعف الثقة المتبادلة بين المجتمع والدولة وتقلص الموارد التي تعتمد عليها المدارس والمستشفيات والخدمات العامة التي يستفيد منها الجميع.
وينسحب هذا المنطق ذاته على ظاهرة التهرب من العمل وادعاء المرض للحصول على إعانات اجتماعية لا يستحقها أصحابها. ففي بلدان كانت الدولة تنهب المواطنين، قد ينظر إلى استغلال مزايا النظام الاجتماعي على أنه نوع من استعادة الحق أو الانتقام من سلطة غير عادلة. غير أن هذا المنطق ينقلب رأساً على عقب في مجتمع قائم على التضامن الاجتماعي رغم طابعه الطبقي، إذ إن هذه الإعانات لا تأتي من خزينة حاكم مستبد، هي ممولة من ضرائب شغيلات وشغيلة اليد والفكر الذين بنوا هذا النظام عبر عقود من النضال الجماعي. والتحايل عليها لا يضر بالدولة كمؤسسة مجردة، يضر بالتضامن الاجتماعي الذي يستفيد منه الجميع بمن فيهم اللاجئون أنفسهم.
والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات الخاطئة، رغم أنها تصدر عن أقلية صغيرة، تمنح اليمين واليمين المتطرف ذريعة ذهبية لتعزيز خطابهم العنصري وتصوير المهاجرين جميعاً باعتبارهم عبئاً على المجتمع، وهو خطاب يوظفونه في نهاية المطاف لتبرير تقليص المكتسبات الاجتماعية التي تطال الجميع، من سكان البلد الأصليين والمهاجرين على حد سواء. فمن مصلحة اللاجئين واللاجئات أنفسهم، قبل أي اعتبار آخر، أن يكونوا أشد حرصاً على صون هذه المكتسبات وعدم تقديم أي ذريعة لمن يسعى إلى تفكيكها.
الاندماج الحقيقي: تجربة اجتماعية ومسؤولية مشتركة
لهذه الأسباب مجتمعة، يمكن لسياسات الاندماج أن تشمل أمثلة عملية ومباشرة تقرب هذه المفاهيم من الواقع اليومي: كشرح كيفية تمويل المدارس والمستشفيات من الضرائب، وكيف يحصل العامل أو العاملة على حقوقهم عبر عقود العمل الرسمية والنقابات، وكيف تحمي القوانين العاملين والعاملات عندما يكون العمل مسجلاً. كما يمكن تعزيز هذا الفهم عبر تشجيع مشاركة اللاجئين واللاجئات في الحياة السياسية والمدنية والنقابية، وفي الجمعيات المحلية والأنشطة المجتمعية.
عندما يرى الناس كيف تعمل المؤسسات الديمقراطية في الحياة اليومية، وكيف استطاعت التنظيمات اليسارية والحركات العمالية والنقابية والاجتماعية أن تنتزع حقوقاً اجتماعية واسعة عبر التنظيم الجماعي، يصبح الاندماج عملية اجتماعية حقيقية لا مجرد التزام إداري أو امتحان قيمي تفرضه الدولة من الخارج.
الاندماج مسؤولية مشتركة لا شك في ذلك، غير أن توزيع هذه المسؤولية لا يمكن أن يكون متساوياً. فالدولة بمؤسساتها ووسائل الإعلام تتحملان القسط الأكبر من هذه المسؤولية، لأنهما تمتلكان الأدوات والموارد والسلطة اللازمة لصياغة السياسات وتشكيل الوعي العام.
على الدولة أن تستثمر في شرح طبيعة مؤسساتها وتاريخها النضالي عوضاً عن الاكتفاء بفرض اختبارات قيمية وتشديد القوانين. وعلى وسائل الإعلام مسؤولية خاصة، إذ يقع عليها واجب التركيز على الجوانب الإيجابية الكثيرة لمسيرة الاندماج وإبرازها، عوضاً عن تضخيم بعض الممارسات الخاطئة التي تبقى استثناءً لا قاعدة، وتعمق الانقسام الاجتماعي.
في المقابل، فإن القلة القليلة من اللاجئين واللاجئات الذين لا يزالون ينظرون إلى الدولة بمقياس تجاربهم السابقة في حاجة إلى إعادة نظر حقيقية في هذه الصورة. الدولة في الدنمارك، رغم نواقصها وتناقضاتها الطبقية التي لا يمكن إنكارها، ليست جهاز فساد وقمع يومي كما عرفه كثيرون في بلدانهم السابقة. هي إلى حد كبير مؤسسة عامة تضمن الحقوق الأساسية وتوفر خدمات اجتماعية واسعة وتحمي القانون أمام الجميع.
هذا الفارق الجوهري هو تحديداً ما تحتاج تلك القلة إلى استيعابه. احترام القوانين وتسجيل العمل ودفع الضرائب والتعامل مع المؤسسات العامة بشفافية ليست مجرد التزامات قانونية تفرضها سلطة خارجية، وإنما تمثل شكلاً من أشكال المشاركة الفعلية في نظام تضامن اجتماعي تشكل عبر عقود طويلة من نضال شغيلات وشغيلة اليد والفكر والحركات اليسارية والنقابية والاجتماعية.
المشاركة السياسية
ومن هذا المنطلق تحديداً، تصبح المشاركة في الانتخابات واجباً ضروريا الان. فالصوت الانتخابي أداة تأثير فعلي في القرارات التي تمس حياة الجميع يومياً، من الخدمات الصحية والتعليمية إلى قوانين العمل وسياسات الإسكان. والدنماركيون من أصول أجنبية الذين يحجمون عن التصويت يتركون الساحة خالية لأصوات تشكل السياسات على حسابهم وتغذي الخطاب العنصري الذي يصورهم عبئاً لا شركاء.
في انتخابات الرابع والعشرين من مارس 2026، غاب عن بطاقة الاقتراع أي خيار يساري جذري مستقل، مما يضع الناخب اليساري أمام خيار تكتيكي لا مفر منه: التصويت للقوى اليسارية البرلمانية الأكثر دفاعاً عن حقوق شغيلات وشغيلة اليد والفكر ومواجهةً للخطاب العنصري، مع المساءلة المستمرة على تناقضاتها، لا سيما تأييدها إنفاقاً دفاعياً متصاعداً يستنزف موارد المدارس والمستشفيات ومنظومة الرعاية الاجتماعية. إنه رهان تكتيكي لا إقرار بلا تحفظ.
غير أن البرلمان ساحة واحدة من ساحات النضال المهمة. فالتنظيم النقابي والعمل المجتمعي والضغط الشعبي من خارج البرلمان هي التي صنعت المكتسبات الاجتماعية تاريخياً وهي التي تحميها اليوم. ومن عاش طويلاً في ظل دولة تسرق أصواته وتسحق تنظيمه، يملك اليوم فرصة مزدوجة: أن يدلي بصوته في صندوق الاقتراع، وأن ينخرط في التنظيم الجماعي النقابي والمجتمعي، لأن التغيير الجذري لم يأتِ قط من صناديق الاقتراع وحدها، رغم أهميتها.
وختاماً، ثمة سؤال لا يمكن تجاوزه: كيف ندعو المهاجر إلى الاندماج في مجتمع نصفه في الوقت ذاته بأنه مجتمع طبقي رأسمالي؟ الجواب أن هذا المجتمع، رغم طابعه الطبقي، ليس مجتمعاً واحداً متجانساً. هو ساحة صراع انتزع فيها شغيلات وشغيلة اليد والفكر واليسار على مدى أجيال حقوقاً اجتماعية حقيقية. والاندماج المقصود هنا ليس استسلاماً للنظام القائم ولا قبولاً بشروطه كما هي. هو انخراط فاعل في هذا الصراع ذاته. فالمهاجر الذي يدفع ضرائبه وينتسب إلى نقابته ويشارك في الحياة السياسية يكتسب أدوات النضال الاشتراكي ويصبح شريكاً في مسيرة تغيير هذا المجتمع، لا مجرد مستفيد من مكتسباته. الاندماج والنضال الاشتراكي وجهان لعملة واحدة في تجربة كل من ناضل من أجل مجتمع أكثر عدلاً عبر التاريخ.

