لبنان بين خيار الاستسلام ونهج المقاومة

لبنان بين خيار الاستسلام ونهج المقاومة




لبنان بين خيار الاستسلام ونهج المقاومة

بقلم عمار عمروسية

يبدو أن لبنان اليوم يقف على حافة مخاطر انكسار تاريخي جديد يعيد للأذهان جميع المخاطر التي رافقت اتفاق 17 ماي في ثمانينات القرن الماضي (1983).

فساعة لبنان الرسمي وتحديدا سلطة “جوزيف عون /سلّام “عدّلت عقاربها على الدوران نحو إعادة إحياء مناخات الإذعان الذليل لمخططات قوى العدوان الخارجية وأهداف الرجعيات سواء بالداخل اللبناني أو تلك المتنفذة ضمن ما يعرف بالنظام الرسمي العربي الذي لا أثر لفعله منذ عقود إلا في تأدية أدواره الوظيفية القائمة على الغدر والخيانة.

ومن المفارقات العجيبة أنّ هذه الاستدارة نحو إعادة إنتاج مهزلة اتفاق أكثر انهزامية وأشد وطأة على السيادة الوطنية من اتفاق 17 ماي يأتي في ظروف مغايرة لما كان سائدا آنذاك على الأقلّ من وجهة نظر أولا الآداء البطولي للمقاومة اللبنانية وتحديدا الجناح العسكري لحزب الله وثانيا الصمود الكبير لحاضنته الشعبية وثالثا حيوية محور المقاومة بالمنطقة والإسناد الفعّال للنظام الإيراني وقواته المسلّحة التي أحبطت أهداف العدوان الصهيوـ-أمريكي وفرضت عليه إيقاعا ميدانيا مازالت نتائجه غير محسومة.

فاندفاعة لبنان الرسمي نحو مفاوضات مباشرة مع الكيان النازي في هذه الأوضاع الدولية والإقليمية المعقدّة والدقيقة ليست سوى استجابة رخيصة أولا لضغوطات إمبريالية/صهيونية، وثانيا محاولة لتحقيق مصالح الطبقات والفئات العميلة بالداخل التي أفلحت في توظيف المتغيّرات الحادة الحاصلة بالمنطقة (تدمير سوريا وأنهاك المقاومة الفلسطينية…) والقفز الأرعن على مصاعب “حزب الله” من أجل تسهيل القبض على مقاليد السلطتين الرئاسية والحكومية المدعومتين منذ البداية من قبل الامبرياية الأمريكية والغربية زيادة عن نظام آل سعود الفاسد والعميل.

الديبلوماسية الانهزامية

لقد وجد كل من الرئيس “عون” و”سلاّم” في أتون العدوان الصهيوني على لبنان وشعبه الجرأة على تشغيل أسطوانة السلام والتفاوض مع عدّو يعتاش من فائض القوة العسكرية الغاشمة ويقتاد بمبدأ وحيد يرتكز على قضم الأراضي والتفصٍّي من كل الالتزامات بما فيها مقتضيات هدنة أكتوبر 2024 التي قبلت بها المقاومة.

لقد اجتهدت مختلف القوى اليمينية الرجعية في لبنان وخارجها بمعاضدة الجهات الأمريكية والغربية لإعادة الروح في سياسات الانكسار وثقافة الانهزام أمام صلف الكيان وجبروته، فكان أن أعلن الرئيس دعوته حكومة التقتيل والغزو إلى الشروع فورا في التفاوض وأردف “نواف سلاّم” تلك الدعوات بسيل من التوسلات المرفقة بهجومات على “حزب الله” وسلاحه الخ…

ومن المفارقات العجيبة أن حكومة “نتنياهو” قابلت تلك الدعاوي بالازدراء والتجاهل وواصلت حربها الوحشية ضد كل “لبنان” وجميع اللبنانيين ولم تبدي موافقتها إلاّ بعد ضغوط أمريكية مرتبطة بحسابات الأخيرة ومسار مفاوضاتها مع “إيران”في العاصمة الباكستانية “كراتشي”!!!

والأنكى من ذلك أن لبنان الرسمي رمى بنفسه كما لم يسبق في مسار التفاوض المباشر بما يعنيه من تجاوز لجميع الموروث السياسي المتعارف عليه تحت شعارات الواقعية السياسية والديبلوماسية المفيدة!!!

إن مسار المفاوضات الذي انطلق منذ أسابيع من خلال لقاءات تمهيدية تمّت بين سفراء أمريكا،لبنان والكيان ليست سوى مقدمات استسلام جديد بعيد كل البعد عن أي خيار سيادي حتى في حدوده الدنيا.

فهذه الخطوة عمقت الانقسام السياسي والشعبي ومن المحتمل أن يتطور لاحقا إلى محظور الحرب الأهلية خصوصا إن وقع المرور بهذه اللقاءات إلى مستويات أرفع قد تصل اللقاء المباشر بين “جوزيف عون” ومجرم حرب الإبادة “نتنياهو” مثلما يريد “ترامب” المسكون أولا بتحريك قطار التطبيع بعد العطب الذي أصابه بعد عملية طوفان الأقصى البطولية وثانيا بفصل ساحات المقاومة والاستفراد بالملف الإيراني.

إن عناصر كثيرة تدفع إلى الاعتقاد الجازم بأن المسار التفاوضي لن تكون نتائجه على لبنان سوى مراكمة الخسائر الجسيمة التي ستشمل ضياع مزيد الأراضي واستدامة معضلة مئات الآلاف المهجرّين زيادة عن ضياع أبسط مقوّمات السيادة الوطنية مثلما كان الشأن في جميع تجارب التفاوض مع الكيان الذي كان وفيّا على الدوام لعقيدة استعمارية راسخة تقوم على شراء الوقت وتدوير الزوايا في صفقات تضمن لها الأمن والأرض معا في تناقض صريح مع مقولة التمويه والخداع (السلام مقابل الأرض).

إن الدولة اللبنانية مثقلة بانهيار مالي عميق ومؤسسات مفككة زيادة عن غياب مرجعية سيادية لا يمكن لها من الزاوية العملية فرض خطوط حمراء صلبة في مسار تفاوضي أطرافه غير متكافئة بل من الأكيد توقع دخولها التدريجي تحت مستلزمات منطق القبول بما هو ممكن البعيد كل البعد عن انتزاع الحقوق المشروعة.

نهج المقاومة هو الحل

يزخر تاريخ الصراع العربي الصهيوني منذ اتفاقية “كامب دافيد” حتى أيامنا هذه بوقائع الدلالات الحقيقية لجميع اتفاقات “السلام” مع الكيان الصهيوني الاستيطاني الذي يمكن حوصلتها في مراكمة الخسائر الجسيمة على حساب الأراضي وسيادة البلدان، فكل مسارات التفاوض ومخرجاتها لم تخرج بهذا الشكل أو ذاك عن تحقيق المصالح الصهيونية ضمن صفقات مؤقتة أثبتت وقائع جميع التحوّلات الحاصلة بعد طوفان الأقصى هشاشتها أمام الصلف الصهيوني على الأقل في “سوريا” و”الضفة الغربية” و”لبنان” حيث قفز جيش الاحتلال فوق جميع تلك الاتفاقات ومرّ بقوّة الحديد والنّار إلى رسم خرائط جغرافية جديدة بما تعنيه من جرائم التدمير الممنهج لجميع مقوّمات الحياة مع إعادة هندسة ديموغرافية قائمة على التقتيل والتهجير القسري.

زيادة عن ذلك فتجربة الشعب اللبناني وحده ماضيا وحاضرا تؤكد بأن وسيلة الحوار الأنسب مع الكيان العنصري هي لغة السلاح والمقاومة العنيدة بجميع أشكالها وهي في ظلٍ السياقات السائدة حاليا محليا وعربيا وإقليميا ودوليا هي السبيل الأفضل رغم حجم تضحياتها ومصاعبها الكفيلة بكسر شوكة الهيجان الوحشي للكيان الذي يستمد عناصر قوته من المشاركة النشيطة لأمريكا والتواطؤ العربي.

وحدة ساحات المقاومة هي الملاذ

إن قفز سلطة “عون/سلاّم” نحو التفاوض المباشر ليس سوى تجسيدا لرغبة أمريكية -صهيونية في تفتيت محور المقاومة من أجل إنهاك جميع مكوّناتها وضبط دولها ضمن دائرة ما يسمّى ديبلوماسية الاستنزاف الهادئ القائم على تقسيط التنازلات عبر مراحل تقنية وترتيبات أمنية تضمن مزيد الأراضي للكيان مع ضمان الإجهاز التدريجي على سلاح المقاومة وفكر الممانعة وثقافتها.

فوحدة الساحات، التي أثبتت وقائع الميدان فعاليتها في بعثرة حسابات قوى العدوان ودخول وتائر حربه في دوائر الجمود طورا والهيجان التدميري دون أهداف عسكرية وسياسية مضبوطة طورا آخر، تجعل من تلك الوحدة السلاح الأمضى بيد أصحابها سواء تعلّق الأمر بإدارة شؤون الميدان العسكرية أو في جوانبه الديبلوماسية الأمر الذي يعطي مشروعية لحضور الملف اللبناني في المسار التفاوضي بين “إيران” و”أمريكا” سواء بالعاصمة الباكستانية “كراتشي” أو غيرها.

فهذا الحضور المدعوم باستدامة الاشتباك مع قوات الاحتلال على الأراضي اللبنانية من شأنه أن يجهض أهداف أصحاب التفاوض المباشر والمنفرد ويعزز من صلابة الموقف الإيراني في مسار ديبلوماسي متعثر وملغوم.