فصل المناطق الفلسطينية مقدمة للضم
فصل المناطق الفلسطينية مقدمة للضم
أسامة خليفة
كاتب فلسطيني
أدت النكبة وحرب 1948 ليس فقط إلى تشريد شعب، بل وتمزيق جغرافية الوطن الفلسطيني، وفرض السيادة على ثلاث أجزاء من قبل ثلاث جهات، بحدود فاصلة مصطنعة للضفة الغربية، وقطاع غزة، والأراضي المحتلة العام 1948، دخل تمزيق الوطن هذا في المفاهيم السياسية بتسميات تعرضت للجدل، بحدود رسمها خط هدنة 1949 باللون الأخضر، وتعددت الألوان إلى الأزرق والبنفسجي، وفي سياق الحروب العدوانية الإسرائيلية في المنطقة، ظهرت خطوط أخرى كالأصفر والبرتقالي والأحمر، ليست الخطوط فقط ملوّنة، بل لوّن الاحتلال بطاقات الهوية الشخصية، البطاقة الخضراء أو الهوية الفلسطينية تمنح من السلطة الفلسطينية لفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، بناءً على اتفاقيات أوسلو، لا يسمح لحاملها بدخول أراضي الـ48 دون تصريح، وتمنح البطاقة الزرقاء “الهوية الإسرائيلية” لفلسطينيي القدس الشرقية وفلسطينيي الـ48 الذين يتمتعون ب”المواطنة الإسرائيلية”، وتسمح بحرية الحركة والعمل في الداخل المحتل، ويحملها قرابة 296 ألف مقدسي. حيث مصطلح «عرب إسرائيل»، أو «عرب 48»، أو «فلسطينيو الداخل»، أو «الوسط العربي»، أو «الأقلية العربية» أو «مواطنون إسرائيليون من الدرجة الثانية» بموجب قانون المواطنة لعام 1952، لكن تمسّكهم بهويتهم الفلسطينية يعرّفون أنفسهم كـ«فلسطينيين مواطنين في إسرائيل» أو «فلسطينيي الداخل».
تم ضم الضفة الغربية رسمياً للمملكة الأردنية الهاشمية في 24 أبريل/نيسان 1950، وأصبح سكان الضفة الغربية ولاجئوها مواطنين أردنيين، يحملون الجنسية الأردنية. في 31 تموز/ يوليو 1988 أُعلن فك الارتباط القانوني والإداري بين الأردن والضفة الغربية، مما ساهم في إبراز الشخصية الوطنية الفلسطينية، وأفادت الربط بين الأجزاء الفلسطينية الثلاث.
وبعد اتفاقيات الهدنة أطلقت تسمية «قطاع غزة» على الجزء من فلسطين الذي يقع تحت الإدارة المصرية، يتميز «لاجئو غزة»، ممن هُجّروا من قراهم ومدنهم في فلسطين التاريخية، عن سكان «غزة الأصليين»، لكن جميعهم تم دمجهم بالجمهورية العربية المتحدة في العام 1959 بعد حلّ حكومة عموم فلسطين، وجميعهم تحولوا إلى لاجئين بعد العدوان الإسرائيلي خلال العامين الماضيين.
يبدو ظاهرياً أن الاحتلال عام 1967 قد وحد هذه الأجزاء، حين تمت السيطرة العسكرية الإسرائيلية على كامل المساحة بين النهر والبحر عبر مرحلتين 1967و1948، وأصبحت فلسطين التاريخية تحت حكمها المباشر، مما ألغى حدود الهدنة الفاصلة بين الأجزاء الثلاثة، مع بقاء أشكال مختلفة من الحواجز والبوابات، والتقسيمات بكافة أشكالها الإدارية والديموغرافية والسياسية، ففي حين سعت سلطات الاحتلال لضم الضفة، عملت على فك ارتباط شكلي بقطاع غزة لم يحقق إفادة لوحدة ما تجزّأ.
يُنظر دولياً إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، كأراضٍ محتلة بما فيها القدس الشرقية، تسعى الأمم المتحدة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة عليهما، هذا قرار مهم -حتى لو كان دون فعل إجرائي- لكن لم يقدم أي شيء ليجعلهما وحدة سياسية واحدة، ومصدر قرار وطني واحد، في ظل ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تمزيق المجتمع الفلسطيني، لم تسمح للاختلاط والتواصل بين سكان غزة والضفة الغربية وتمنع التنقل بينهما، بل تحدّ من الحركة والتنقل على مساحة الضفة الغربية، وتفصل بلداتها ومدنها عن بعضها، وتحولها إلى معازل مقطّعة الأوصال.
يستهدف المشروع الإسرائيلي المضي في خطة الضم الزاحف للضفة من خلال فصل القدس عن الضفة الغربية واعتبارها جزءاً من الكيان الإسرائيلي، وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة ليسهل ضمها في مرحلة لاحقة، حتى الاقتصاد الفلسطيني يطاله الفصل ولا يسمح بحركة البضائع ما بين غزة والضفة الغربية في ظل استمرار سياسة الحصار وفصل القطاع واعتبار المعابر مناطق عسكرية مغلقة، في حالات نادرة تسمح بالحركة باتجاه واحد من الضفة إلى غزة لمن يتعهد بالاستقرار الدائم في غزة بعد الحصول على موافقة أمنية مسبقة، أو حالات الإبعاد للعديد من الأسرى المحررين، من خرج من الضفة لأي سبب سيلقى الكثير من الصعوبات لو أراد العودة. ولا يستطيع الطلاب الفلسطينيون في غزة الدراسة في جامعات الضفّة الغربيّة، حتى الحالات الطبية الطارئة التي لا يتوفر علاجها في غزة، ومعها الطّواقم الطّبيّة منعت من العبور، لا تخدم سياسة الفصل هذه أهدافاً أمنية فقط، بل أيضاً أهدافاً ديمغرافية وسياسية، تتعلق بتقليل عدد الفلسطينيين الذين يسكنون الضفة الغربية.
رغم الانقسام السياسي الفلسطيني، وفيض الحديث عن سلطة رام الله وإمارة غزة، ورغم انقطاع الامتداد الجغرافي بوجود احتلال يحاصر القطاع ويعزل الضفة، فهناك ما يجمع ويلغي المسافات حيث يواجه القطاع والضفة تحديات وأزمات مشتركة، تعبر عن وحدة المصير وترابط المستقبل للخلاص من البقاء تحت وطأة احتلال استيطاني، وسياساته القمعية، وحملات الاعتقال في المنطقتين، والسياسات الإسرائيلية التي تستهدف المدن والقرى في كلا المنطقتين.
وفي مواجهة الاحتلال والنضال لأجل الاستقلال لا يمكن فصل ما يجري في قطاع غزة عما جرى ويجري في الضفة الغربية، لأنهما يشكلان وحدة سياسية وقانونية واحدة، يشكلان مجتمعاً واحداً في منطقتين منفصلتين جغرافياً، يجمعهما المصير المشترك، والهوية القومية، واللغة، والثقافة، والعلاقات الاقتصادية والعائلية، يقطع وجود الاحتلال ومستوطنات غلاف غزة الامتداد الطبيعي التاريخي، والشاذ وجود احتلال واستيطان يحاصر القطاع ويعزله عن الضفة، ستبقى الوحدة الكفاحية والوحدة الميدانية ومواجهة حروب الاحتلال عاملاً قوياً في تمتين وحدة الضفة والقطاع كوحدة معمدة بالدم والتضحيات. يبرز ذلك من خلال الأسباب التي أدت إلى الحروب التي خاضتها غزة دفاعاً عن أوضاع متوترة وسياسات إسرائيلية قمعية واستيطانية وتهويدية استهدفت تغيير ديمغرافيا وجغرافيا الضفة الغربية.
في 8 تموز/ يوليو 2014 خاض قطاع غزة حرباً أطلقت عليها الفصائل «العصف المأكول» وأسمتها إسرائيل «الجرف الصامد»، كان من أسباب هذه المعركة قيام مستوطنين إرهابيين باختطاف الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير من حي شعفاط بالقدس وتعذيبه وقتله حرقاً ضمن حملات منظمة يقوم بها المستوطنون ضد المدنيين الفلسطينيين. استمرت 50 يوماً وأسفرت عن استشهاد 1742 فلسطينياً، بينهم 530 طفلا و302 امرأة من سكان قطاع غزة.
في أيار/مايو2021 خاض قطاع غزة معركة «سيف القدس» التي سمتها إسرائيل «حارس الأسوار»، كانت بسبب استيلاء مستوطنين على بيوت مقدسيين في حي الشيخ جراح، واقتحام القوات الإسرائيلية صباح يوم الاثنين 10 أيار/مايو 2021، للمسجد الأقصى، أسفر الاقتحام عن إصابة أكثر من 331 مدني فلسطيني في المسجد الأقصى ومحيط البلدة القديمة، بينهم 7 حالات خطرة للغاية.
التدويل لجزء دون الآخر، وتوحيد شطري القدس هما إجراءان يمزقان الجسد الفلسطيني، فور احتلال القدس الشرقية في نكسة حزيران 1967، أصدر الكنيست في 27 حزيران/ يونيو 1967 قوانين لفرض الإدارة والقضاء الإسرائيلي على القدس الشرقية وتوّج بـ«قانون القدس» في 30 يوليو/تموز 1980، الذي أعلنها «عاصمة موحدة» لإسرائيل، وهو ما يرفضه القانون الدولي، ويعدّه الفلسطينيون تهويداً للمدينة وضمّاً غير شرعي.
تعتبر محاولات تدويل غزة وفصلها عن الضفة الغربية تكريساً للانقسام الجغرافي، وتجاوزاً للشرعية الفلسطينية، هي استراتيجية أمريكية لما بعد الحرب تهدف لإنهاء حكم حماس، وإدارة القطاع عبر قوة دولية أو وصاية لإعادة صياغة الوضع السياسي، هذا التوجه الأميركي لا تفضله إسرائيل، ويُقابل برفض فلسطيني قاطع، يحذر من أن التدويل خطر على وحدة غزة والضفة، وعلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني ووحدة القرار بين الضفة والقطاع. يرفض الفلسطينيون فصل الضفة الغربية عن غزة، أو فصل القدس عن الضفة، أو إعادة احتلال القطاع، المفترض بحسب القرارات الدولية والاتفاقيات السياسية أن تشكّل كلاهما الدولة الفلسطينيّة بما فيهما القدس الشرقية. أكد رئيس حركة حماس في قطاع غزة، خليل الحية، الإثنين 27 أكتوبر 2025، رفض فصل غزة عن الضفة الغربية، وأكد أن غزة والضفة الغربية هي وحدة وطنية واحدة، ولا نقبل فصل غزة عن الضفة الغربية، وترى حركة حماس أن الوحدة الوطنية تتم بانتخابات فلسطينية أو بتشكيل حكومة فلسطينية متفق عليها.

