تونس بين يناير/جانفي 1978 وجانفي 2026: عبر واستنتاجات
جانفي 1978 – جانفي 2026: عبر واستنتاجات
بقلم حبيب الزموري
48 سنة مرّت على الإضراب العام الذي نفّذه الاتحاد العام التونسي للشغل يوم الخميس 26 جانفي 1978، ومنذ أن تمّ إقرار مبدأ الإضراب العام في المجلس الوطني للمنظمة الشغيلة في سبتمبر 2024 استحضرت الذاكرة النقابية والشعبية أحداث ذلك الخميس الأسود في سجل نظام الحكم في تونس، وذلك الخميس الأحمر في سجل الشعب التونسي والحركة النقابية. لكنّ هذا الاستحضار “لأمجاد” 26 جانفي تطغى عليه النزعة العاطفية والنوستالجيا النقابية نظرا للبون الشاسع بين ظرفية جانفي 1978 وظرفية جانفي 2026، فلا الظرفية هي الظرفية ولا المنظمة هي المنظمة.
الاتّحاد ونظام الحكم الدستوري: من الوئام إلى الصدام
اعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل أنّ الدور الذي لعبه في مؤتمر الحزب الحر الدستوري في نوفمبر 1955 بصفاقس وترجيحه لموازين القوى في الصراع اليوسفي – البورقيبي لفائدة هذا الأخير بالإضافة إلى انخراطه في أوّل حكومة بعد مارس 1956، يؤهله لأن يكون جزءً من الدولة ومن منظومة الحكم ككيان مستقل بذاته رغم تواجد عدد من قادته في أعلى الهيئات القيادية للحزب الدستوري. في حين اعتبر الحزب الدستوري ولا سيّما بعد تسلّمه لمقاليد الحكم أنّ المنظمة أداة من أدواته وهو تكتيك لطالما مارسه الدساترة في تعاملهم مع الحركة النقابية التونسية منذ نشأتها. ورغم خفوت حدّة هذا الصراع أمام أولوية النضال ضدّ الاستعمار الفرنسي بين 1946 و1956 فإنه عاد ليخيم على العلاقة بين النظام البورقيبي والمنظمة النقابية حيث تدخّل بورقيبة شخصيا لإبعاد أحمد بن صالح عن الأمانة العامة للمنظمة سنة 1956 وتدخّل مرة ثانية لعزل الحبيب عاشور سنة 1965 وتعيين أمين عام موالٍ له، هو البشير بلاغة. ولكن رغم ذلك لم تنقطع الروابط التاريخية والسياسية بين قيادة المنظمة والحزب الحاكم حيث حافظت القيادات النقابية على مواقعها هياكل الحزب الحاكم بما فيها لجنته المركزية وفي أجهزة الدولة ولا سيّما مجلس النواب. بل إنهم كانوا طرفا أساسيا في الصراعات الدائرة بين مختلف الكتل والأجنحة داخل الحزب الحاكم إذ كان الحبيب عاشور طرفا رئيسيا في الصراع الذي دار بين تيار مناصر للهادي نويرة الذي يتمتع أيضا بدعم الرئيس وتيار مناهض له في مؤتمري الحزب الدستوري بالمنستير سنتي 1971 و1974 بتخندقه في معسكر بورقيبة – نويرة في ظل وضع سياسي منغلق كرّس فيه بورقيبة ديكتاتوريته الفردية بمنع الأحزاب ورئاسته مدى الحياة بل إنّ الحبيب عاشور تمادى في “خدمة” السلطة بدعم قمعها للمظاهرات الطلابية في فيفري 1972 قائلا في التجمّع “الحاشد” الذي نظّمه الحزب الحاكم وكلّ المنظمات “القوميّة” التي تدور في فلكه يوم 11 فيفري 1972 بقصر الرّياضة بالمنزه: “إننا نقول للرئيس بورقيبة وللشعـب التونسي من جديد، بأنّ البلدان الأجنبية الشيوعـية أو التي تنسب إلى الشيوعـية لها حرس أحمر يسمّى في الصين الحرس الأحمر الماوي وفي روسيا الحرس الأحمر اللينيني وفي كوبا الحرس الأحمر الكوبي، ونحن في تونس الحرس الرّسمي لبورقيبة وللنّظام التونسي، ونقول له إنّ العـمال اليوم معـك أكثر من أيّ وقت مضى حتى تضع حدّا لجرائم أعـداء الشعـب، وتخدم وطننا حتى يكون وطنا عـصريا ينعـم بالحرية والاستقرار”. كما رفضت القيادة النقابية الاعتراف بعديد الإضرابات التي نفذتها عديد القطاعات العماليّة وفي صلب الوظيفة العموميّة من ذلك اعتبار قيادة الاتحاد إضراب أساتذة التعليم الثانوي في جانفي 1975 غير شرعيّ.
في ظل هذا الوضع السياسي المنغلق ومحافظة القيادة النقابية على علاقتها التقليدية بالحزب الحاكم وبالسلطة التي تعود إلى ما قبل 1956 كانت الأوضاع النقابية القاعدية تتطور على نحو مختلف بالتحاق أجيال جديدة من النقابيين القادمين من تجارب سياسية يسارية وقومية مختلفة والذين راكموا تجربة نقابية صلب الاتحاد العام لطلبة تونس أصبحوا يشكّلون تيارا نقابيا معارضا داخل المنظمة ضد الممارسات البيروقراطية وضدّ التذيّل للسلطة البورقيبية. وتزامن صعود هذا التيار النقابي الديمقراطي المناضل مع احتداد الصراع داخل أروقة الحكم حول الخلافة بعد تواتر الأزمات الصحية لبورقيبة والذي وجد الحبيب عاشور نفسه – بإرادته أو من دونها – في قلب هذا الصّراع إذ أصبح في نظر الهادي نويرة وأنصاره منافسا محتملا في حرب الخلافة وليس أيّ منافس بوصفه زعيما نقابيا ووطنيا على رأس جهاز تنظيمي لا يقلّ انتشارا وانغراسا عن أجهزة الحزب والدولة، هذا بالإضافة إلى الأصوات النقابية المعارضة للممارسات البيروقراطية داخل المنظمة ولعلاقتها بالسلطة المتصاعدة داخل هياكل الاتحاد حيث قام 600 نقابي بإمضاء عريضة مناهضة للعقد الاجتماعي الذي صادق عليه المؤتمر 14 للاتحاد تمّ نشرها يوم 13 مارس 1977 بجريدة لوموند وساد اعتقاد في أوساط الحكم أنّ الاتحاد أصبح يمثل قوة سياسية عصيّة عن الترويض من قبل المركزية النقابية. أمّا بالنسبة إلى التيار المتصلب داخل الحزب الدستوري فقد كان الصدام مع الاتحاد العام التونسي للشغل مسألة وقت فحسب منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات وتحديدا منذ صدور رسالة أحمد التليلي المطالبة بالديمقراطية وبتحرير البلاد من سطوة حكم الفرد الواحد والحزب الواحد الصادرة بتاريخ 25 جانفي 1966 باللغة الفرنسية والتي تمحورت حول فكرتين رئيسيتين:
– ”لا يمكن لأيّ نظام أن يفرض نفسه على شعب ما بالقوة ويرفض بالتالي تشريكه في تصريف شؤونه، وإن فعل فهو محكوم عليه بالفشل وأكبر دليل على ذلك فشل النظام الاستعماري الفرنسي في فرض سيطرته على الشعب التونسي وهو شعب صغير لا يملك من الإمكانيات الشيء الكثير”.
– ”لا يمكن تحقيق أيّ تقدم في أيّ مجال من المجالات الاقتصادية والاجتماعية في ظل نظام سياسي لا يسمح بمشاركة الشعب المعني الأول بتلك السياسات”.
أما الحدث الثاني الذي زرع بذور التوتر والاحتقان بين الاتحاد والحزب الحاكم فهو إحياء محمد الصياح منذ سنة 1970 لتجربة الشعب المهنية في استهداف واضح للمنظمة النقابية. لتأتي زيارة الحبيب عاشور إلى ليبيا على رأس وفد نقابي للوساطة وضمان سلامة العمال التونسيين هناك إثر توتر العلاقات بين البلدين بين 14 و17 ماي 1977 لتعمّق مخاوف نويرة وتكهناته بالطموحات السياسية للحبيب عاشور.
أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فقد أدّت السياسة الليبيرالية التي انتهجها الهادي نويرة بعد فترة انتعاش ظرفي بفضل مواسم فلاحية جيّدة في بداية السبعينات وارتفاع أسعار النفط بعد حرب أكتوبر 1973، إلى تنامي التفاوت الطبقي والجهوي وارتفاع مشطّ في أسعار المواد الأساسية في سنة 1977 وتفاقم البطالة والنزوح وتوسّع مظاهر الفقر في الأرياف وفي الأحياء القصديرية حول المدن الكبرى، في نفس هذه الفترة ارتفع عدد المنخرطين في الاتحاد العام التونسي للشغل من 40 ألف منخرط سنة 1970 إلى 550 ألف منخرط سنة 1977 ممّا عمّق مخاوف السلطة من تنامي قوة المنظمة لا سيما في ظل تصاعد الحركة الاحتجاجية والإضرابية في مختلف القطاعات وظهور بوادر التضامن الطبقي بين العمّال وعدة فئات من البورجوازية الصغرى.
وقد كانت أغلب هذه الإضرابات خارج سيطرة القيادة النقابية ومن أبرزها تأثيرا ودلالة طبقية إضراب عمال النقل يوم 2 ماي 1973 الذي أرفق بإعلان الإضراب العام في الجامعات من قبل الطلبة تضامنا مع العمال.
وصعّدت الهيئة الإدارية الوطنية للمنظمة المنعقدة يوم 15 سبتمبر 1977 لهجتها نحو السلطة بالتركيز في مداولاتها على النقاط التالية:
– الحملة التي تستهدف الاتحاد
– ارتفاع الأسعار والاحتكار والمضاربات والثراء الفاحش
– مستقبل علاقة الاتحاد بالحزب الدستوري
لتتسارع الأحداث بداية من شهر سبتمبر بتوسيع الحركة النقابية لاحتجاجاتها في شكل إضرابات ومظاهرات ولوائح وبيانات:
– إضراب عمال شركة سوجيتاكس للنسيج بقصر هلال وتدخّل الجيش يوم 10 أكتوبر 1977 لقمع الحركة العمالية في قصر هلال في سابقة خطيرة في تاريخ البلاد وسرعان ما امتدت المواجهات إلى المدن والقرى المجاورة في حدث يحمل دلالات سياسية عميقة جدا بالنظر إلى المكانة الرمزية لهذه المدينة التي احتضنت المؤتمر التأسيسي للحزب الحر الدستوري ولمنطقة الساحل عامة التي لطالما شكّلت العصبية الجهوية لبورقيبة وفريق حكمه.
– تحرك ميليشيات الحزب الدستوري (ميليشيا الصياح) لمهاجمة دور الاتّحاد والمناضلين النقابيين والعمّال وتهديد أحد ناشطيها (عبد الله الورداني) باغتيال عاشور في 26 أكتوبر 1977.
– مواجهات عنيفة بمنزل بورقيبة في موفي شهر أكتوبر بين أعوان البوليس والجيش من جهة والعمال وسكان المدينة من الجهة الأخرى.
– تزايد عدد الإضرابات القطاعية (المناجم وسكك الحديد والتعليم نوفمبر 1977) والإضرابات الجهوية احتجاجا على نيّة اغتيال الأمين العام.
– إعلان الحبيب عاشور استقالته من الديوان السياسي واللجنة المركزية للحزب وذلك أثناء انعقاد المجلس الوطني للاتحاد أيام 08-09-10 جانفي 1978 وانسحاب أغلب القيادة من الحزب (خير الدين الصالحي وحسين حمودية) وانطلاق عدوى الانسلاخ من الحزب الحاكم إلى بقية الإطارات النقابية.
– دعوة الهيئة الإدارية الوطنية إلى الاجتماع يوم 22 جانفي 1978 والتي قرّرت شنّ إضراب إنذاري ليوم 26 جانفي.
– تواتر الإضرابات مثل الإضراب العام في قطاع الفلاحة والإضراب العام الجهوي بصفاقس يوم 25 جانفي 1978 احتجاجا على اعتقال الكاتب العام للاتحاد الجهوي عبد الرزاق غربال.
– شنّ حملة اعتقالات ومداهمات على امتداد أيام قبل الإضراب العام وخلاله وبعده وبطبيعة الحال أودع الجميع السجن قبل أن يمرّوا من مخافر وسراديب وزارة الداخلية ومحلات “أمن الدولة” حيث مورست عليهم شتى أشكال التعذيب. وانتصبت المحاكم لمقاضاة أكثر من ألفي مواطن وشملت هذه المحاكمات إلى جانب النقابيين أفراد عائلاتهم وعددا كبيرا ممّن أوقفوا أثناء وبعد المظاهرات من شبان وطلبة وتلامذة وعمال وعاطلين.
في الأثناء كان الحزب الحاكم وأجهزة الدولة مسرحا لصراع بين تيار يدعو إلى التهدئة وتيار يقرع طبول المواجهة وتمكّن هذا الأخير من حسم موازين القوى داخل الحزب والأجهزة لفائدته بتخلص الوزير الأول الهادي نويرة من وزير الداخلية الطاهر بلخوجة ووزير الدفاع عبد الله فرحات وتعيين الضاوي حنابلية على رأس الداخلية كما جيء بأحد جنرالات الجيش، زين العابدين بن علي، مديرا للأمن مكان عبد المجيد سلامة.
شملت الاعتقالات يوم 26 جانفي 1978 والأيام الموالية له القيادة النقابية (باستثناء خليفة عبيد الذي كان في مصحة للتداوي والتيجاني عبيد الذي انقلب على القيادة وقاد عملية التنصيب بعد أن أنكر، وتنكّر، واستنكر قرار الإضراب العام) كما شملت الاعتقالات عددا مهمّا من أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية وكتّابا عامين للاتحادات الجهوية والمحلية ومسؤولين من نقابات جهوية وأساسية ومناضلين نقابيّين وعمّال ناشطين وعددا كبيرا ممّن ألقي عليهم القبض في الشارع أثناء المظاهرات والمواجهات التي شهدتها بعض دور الاتحاد.
ووصل عدد الذين تعرّضوا للمحاكمة أمام محاكم الحق العام إلى 700 من النقابيين، أما الذين حوكموا أمام محكمة أمن الدولة فقُدّر عددهم بـ130 في محاكمات صورية ومسرحية سيئة الإخراج من النظام البورقيبي. كما عرفت تلك الفترة سنّ قانون الخدمة المدنية الذي مكّن السلطة من إنشاء المحتشدات الطلابية وإجبار الطلبة على العمل في المشاريع الصحراوية بصفة إجبارية، واعترفت الحكومة آنذاك (حكومة الهادي نويرة) بسقوط 52 قتيلا و365 جريحا فيما تحدثت تقارير أخرى مستقلة عن مقتل ما يزيد عن 400 شخص وجرح أكثر من ألف.
لقد كان إضراب 26 جانفي 1978 رغم محاولة حصره في إطار ضيّق داخل كواليس النظام يتمثل في صراع على الزعامة وعلى خلافة بورقيبة إلاّ أنّ مجريات الإضراب في الشارع التونسي حوّلته إلى معركة طبقية بامتياز تحرّرت من سطوة المركزية النقابية التي لم تعد قادرة على تأطير الإضراب وحصره في الحدود المرسومة له بتضامن مختلف الطبقات المتضررة من نظام الحكم الدستوري لتخوض تجربتها النضالية التي ستتحوّل إلى مرجع أساسي في المسيرة النضالية للقوى السياسية والنقابية والمدنية في البلاد في نضالها ضد المنظومة الرأسمالية التابعة والمدافعين عن مصالحها في مختلف مواقع السلطة. لقد كان الإضراب مثلما وصفته جريدة حركة برسبكتيف “ثورة ضد الجوع” و”انتفاضة عمالية وشعبية” ومثلما كان الاتحاد العام التونسي للشغل في جانفي 1978 ضحية خدماته لنظام الحكم قبل أن يفكّ الارتباط مع جهازها المركزي المتمثل في الحزب الدستوري ويخوض معركة الاستقلالية فإنه كان في جانفي 2026 ضحية تذبذبه ومهادنته للسلطة الحاكمة وغياب اليقظة السياسية والنقابية وترهّل جهازه البيروقراطي الذي جعله عاجزا عن رد الفعل والدفاع عن وجوده مثلما حدث سنة 1978.
الاتّحاد ونظام الحكم الشعبوي: المواجهة المؤجلة
يتجسد تذبذب القيادة النقابية وارتباكها في التعامل مع نظام حكم قيس سعيد في مواقفها المتسرعة والمهادنة التي بلغت ذروتها بإقرار مبدأ الإضراب العام وتأجيل تحديد تاريخه طيلة 15 شهرا. وعندما تمّ تجديد التاريخ لم يتمّ إصدار برقية الإضراب، وبغضّ النظر عن الأسباب التي أدّت إلى إلغاء الإضراب العام أو تأجيله فإنّ المنظمة لم تشهد طيلة تاريخها الممتد على مدى ثمانية عقود مهزلة وعبثا مثل الذي تشهده في ظل هذه القيادة التي رذّلت النضال النقابي وتلاعبت بسمعة المنظمة وإرثها وفشلت حتى في الوفاء لأسلوبها الكلاسيكي في التعامل مع السلطة المتمثل في ثنائية “التسخين والتبريد” وتحوّل أداؤها إلى تبريد متواصل رغم الملاحقات وإجراءات التشفي والتعسف التي طالت عشرات النقابيين على خلفية نشاطهم النقابي وغلق باب المفاوضات الاجتماعية وانفراد السلطة بتنقيح مجلة الشغل وبالزيادة في الأجور ممّا يعني عمليا تجريد الاتحاد العام التونسي للشغل من مهامه و دوره الاجتماعي والوطني وتحويله إلى هيكل خاوٍ ومتداعٍ.
ومثلما كان استهداف السلطة الشعبوية للمنظمة متدرّجا كانت تهرئة المنظمة من الداخل وفصلها عن قواعدها وحاضنتها الشعبية على مراحل. ولكن بيد قيادتها التي سرّعت منذ سنة 2021 في عملية تحصين مواقعها ومصالحها على حساب مهامّها النقابية وثوابت المنظمة منذ سنة 1978: الاستقلالية – النضالية – الديمقراطية، وحتى “الاستفاقة” المتأخّرة لجزء من هذه القيادة كانت تحت ضغط الأمر الواقع ووصول المنظمة إلى حافّة الانهيار واستحالة حتى إدارة شؤونها اليومية في ظلّ الانقسام الذي ضرب مكتبها التنفيذي الوطني وزعزع أركانها بتفشّيه في مختلف هياكلها عموديا وأفقيا لتفقد جزءً كبيرا من مصداقيّتها وسمعتها ليس في صفوف الأوساط الشعبية فقط بل في صفوف النقابيين أنفسهم. كيف لا وقد تحوّلت آلية من أرقى آليات النضال العمّالي ألا وهي الإضراب العام إلى وسيلة للمناورة والابتزاز بين شقوق القيادة البيروقراطية.
إنّ الحسم في الذهاب إلى المؤتمر العام في شهر مارس القادم وإن كان خطوة في اتجاه معالجة الأزمة فإنّ ذلك مشروط بالمضامين التي سيناقشها المؤتمرون والتي سيصادقون عليها. هل ستكون في اتجاه إعادة إنتاج لنفس النزعة البيروقراطية التي تنتظر جرعة أوكسيجين / مفاوضات لتنتعش من جديد، أم في اتجاه تجذير النزعة الديمقراطية، النضالية المدافعة عن استقلالية الاتحاد نحو السلطة وإعداده للعب دوره المنحاز للطبقات الشعبية وللقضايا الوطنية. إنّ ما شاهدناه خلال أشغال الهيئة الإدارية الأخيرة من تغيير بعض أعضائها لمواقفهم ومواقعهم بين شقّي البيروقراطية من النقيض إلى النقيض أو شبه النقيض حالما استشعروا تغييرا في موازين القوى يعكس قدرة هذا التيار البيروقراطي رغم كونه من أوهن ما أنجبه الجهاز البيروقراطي للمنظمة على التموقع وإعادة التموقع لا سيما في ظل ضعف التيار النقابي الديمقراطي المناضل ومحدودية تمثيليّته داخل سلطات القرار وعلى رأسها المؤتمر العام وفي ظلّ تراجع الوعي السياسي والنقابي داخل هياكل المنظمة التي ستصعّد نواب المؤتمر ممّا يحدّ من التفاؤل حول مخرجاته ومستقبل المنظمة لنبقى في إطار “التشاؤل” بإحداث رجّة داخل الاتحاد تكون حافزا لإطلاق مسار الإصلاح وإعادة هيكلة المنظمة على قاعدة الديمقراطية والنضالية والاستقلالية وعلى ضوء المتغيرات العميقة التي طرأت على علاقات الإنتاج.
أمّا ترحيل تحديد تاريخ الإضراب العام إلى المؤتمر القادم وقبله تجميد قرار الإضراب الذي اتّخذه المجلس الوطني طيلة ما يقارب 15 شهرا رغم تنامي الاعتداءات على الحقوق العمالية والنقابية فقد كشف بما لا يدع مجالا للشك عجز هذه القيادة النقابية عن إدارة الاستحقاقات النقابية بما فيها تلك المتخذة من قبل سلطات القرار وتعاملها مع تلك الاستحقاقات كورقات ضغط سواء في علاقة بموازين القوى داخل المنظمة أو مع السلطة. لقد تحوّل الإضراب العام والقرارات النضالية التي تتّخذها بعض القطاعات (على غرار مقاطعة إنجاز الامتحانات في التعليم الثانوي) إلى كرة نار تتقاذفها أيادي القيادة النقابية خوفا من الاحتراق بنار السلطة أو بنار الرأي العام في الوقت الذي يتمادون فيه في العبث بمصير المنظمة وإشعال الحرائق في مختلف هياكلها.
انطلاقا من هذه اللحظة سيحبس جميع النقابيّين أنفاسهم وسينكبّون على الاستعداد للمؤتمر القادم كلّ من موقعه وكلّ حسب رؤيته لمستقبل المنظمة والعمل النقابي ودورهما في بلادنا. فإمّا ترميم وإعادة إنتاج للجهاز القديم وتأجيل ظرفي لتحلّل وتفكّك المنظمة وإمّا إصلاحات جذرية تحيي الأمل في بعث المنظمة من جديد من رماد البيروقراطية والانتهازية.

