الرأسمالية الوطنية: من تكتيك ثوري إلى ذريعة لتجميد الصراع، قراءة في مأزق المرحلة الوطنية الديمقراطية

الرأسمالية الوطنية: من تكتيك ثوري إلى ذريعة لتجميد الصراع، قراءة في مأزق المرحلة الوطنية الديمقراطية




الرأسمالية الوطنية: من تكتيك ثوري إلى ذريعة لتجميد الصراع
قراءة في مأزق المرحلة الوطنية الديمقراطية في السودان

أمير الزين نورالدائم

لم يكن مفهوم “الرأسمالية الوطنية” يومًا مجرد مصطلح إقتصادي عابر في أدبيات الحركة الشيوعية، بل كان — منذ لحظة طرحه — سؤالًا سياسيًا حادًا يتصل مباشرة بطبيعة الصراع، وبمن يقوده، وبأي أفق ينتهي. فمنذ سجال لينين وروي في المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية عام 1920، لم يكن الخلاف يدور حول توصيف إجتماعي بقدر ما كان صراعًا حول الإستراتيجية: هل يمكن إستخدام البرجوازية الوطنية كحليف مرحلي في مواجهة الإمبريالية، أم أن هذه البرجوازية نفسها، بحكم موقعها، مرشحة للإنقلاب على أي مسار ثوري حالما يهدد مصالحها؟.

لينين، في ذلك السجال، لم ينطلق من ثقة عمياء في البرجوازية، بل من حسابات سياسية دقيقة، فدعا إلى دعم الحركات الوطنية في المستعمرات، ولكن بشرط واضح لا لبس فيه: الحفاظ الكامل على إستقلال التنظيم الشيوعي، وعدم الذوبان داخل تلك الحركات. أما روي، فقد ذهب أبعد من ذلك، محذرًا من أن هذه البرجوازية، حتى وهي ترفع شعارات التحرر، تحمل في داخلها حدودها الخاصة، وستميل — عند لحظة الحسم — إلى التسوية مع الإستعمار بدلًا من فتح الطريق أمام الجماهير.

قد يبدو هذا السجال اليوم بعيدًا، لكن ما جرى لاحقًا في تجارب عديدة، ومنها السودان، يشير إلى أن المشكلة لم تكن في النصوص الأصلية، بل في ما آلت إليه في التطبيق. فالتكتيك الذي طُرح بوصفه أداة مرحلية، جرى تحويله تدريجيًا إلى ما يشبه القاعدة العامة، بل إلى أفق سياسي دائم، بحيث أصبح الحديث عن “المرحلة الوطنية الديمقراطية” لا يشير إلى مهمة محددة بزمن، بل إلى حالة ممتدة يجري داخلها تأجيل الصراعات الأساسية إلى أجل غير مسمى.

في هذا الإطار، قدّم عبد الخالق محجوب صياغة واضحة للمسألة، منطلقًا من واقع إقتصاد تابع وضعيف التطور، ورأى أن إنجاز مهام مثل الإستقلال الإقتصادي والتصنيع والإصلاح الزراعي يتطلب بناء جبهة وطنية واسعة تضم العمال والمزارعين والطبقات الوسطى، إلى جانب قطاعات من الرأسمالية التي يمكن وصفها — بحدود — بأنها وطنية. غير أن هذا الطرح، في صيغته الأصلية، لم يكن دعوة لذوبان طبقي أو لتجميد الصراع، بل كان مشروطًا بالحفاظ على إستقلال الحركة الجماهيرية، وبالإعتراف الصريح بأن التناقض بين العمل ورأس المال يظل قائمًا حتى داخل هذه الجبهة.

لكن التجربة العملية لم تسر دائمًا في هذا الإتجاه. وهنا يأتي إسهام محمد إبراهيم نقد، الذي تعامل مع الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. فقد أقر بوجود قطاعات يمكن تصنيفها كرأسمالية وطنية، لكنه في الوقت نفسه شدد على هشاشتها وتذبذبها، وعلى ميلها السريع إلى التحالف مع السلطة أو الإندماج في بنية الطفيلية. ومن هذا المنطلق، لم يرفض فكرة التحالف، لكنه أعاد طرحها على أسس أكثر صرامة، مؤكدًا أن أي تحالف لا يقوم على ميزان قوى يميل لصالح الجماهير، يمكن أن يتحول بسهولة إلى أداة لكبحها بدلًا من تمكينها.

غير أن النقد الأعمق لم يأتِ من داخل الإطار المرحلي نفسه، بل من تفكيك الأساس الذي يقوم عليه. وهنا تبرز مساهمة د. فاطمة بابكر، التي نقلت النقاش من سؤال “ما دور الرأسمالية الوطنية؟” إلى سؤال أكثر جذرية: هل توجد أصلًا، في الحالة السودانية، رأسمالية وطنية بالمعنى الذي تفترضه الأدبيات الكلاسيكية؟ إذ توضح دراستها أن البرجوازية السودانية لم تتشكل كطبقة منتجة مستقلة، بل نشأت في سياق إستعماري بوصفها وسيطًا بين رأس المال الخارجي وجهاز الدولة، وهو ما يجعل إرتباطها بالتبعية إرتباطًا بنيويًا، لا ظرفيًا. وعلى هذا الأساس، فإن الحديث عن دور وطني تقدمي لهذه الطبقة يغدو إشكاليًا، ليس بسبب ضعفها فقط، بل بسبب طبيعتها نفسها.

في المقابل، يستعيد طرح د. صدقي كبلو الإطار المرحلي الكلاسيكي، مؤكدًا أن الإقتصاد السوداني لا يزال يواجه مهامًا تاريخية لم تُنجز، وأن بناء سوق وطني وتطوير قوى الإنتاج يتطلبان تحالفًا مرحليًا مع قطاعات من الرأسمالية يمكن أن تسهم في هذا المسار. غير أن هذا الطرح، رغم تماسكه النظري، يصطدم مرة أخرى بالسؤال ذاته: إلى أي مدى يمكن الحديث عن هذه الرأسمالية في واقع يهيمن عليه الإقتصاد الريعي، وتتشابك فيه المصالح بين رأس المال المحلي والدولة ورأس المال الخارجي؟.
هنا تتضح نقطة الخلاف الجوهرية: هل التناقض الرئيسي في السودان يقع بين الداخل والخارج، أم داخل البنية الإجتماعية نفسها؟ فالقول بأولوية الصراع مع الإمبريالية لا يصبح كافيًا إذا كانت القوى المحلية نفسها جزءًا من هذه البنية التابعة، بل ومساهمة في إعادة إنتاجها. وفي هذه الحالة، فإن الفصل بين “الوطني” و“التابع” يغدو، في كثير من الأحيان، فصلًا نظريًا أكثر منه واقعًا ملموسًا.

من هذه الزاوية، يمكن فهم كيف تحول خطاب “الرأسمالية الوطنية” من أداة تحليل إلى أداة سياسية تُستخدم لتبرير جملة من الممارسات، من بينها تأجيل الصراع الطبقي، وكبح مطالب الجماهير، وتمرير تسويات فوقية بإسم “الواقعية” أو “الوحدة الوطنية”. وهكذا، لم يعد المفهوم مجرد توصيف، بل أصبح جزءًا من آلية أوسع لإدارة التناقضات، لا لحلها.

الخلاصة التي تفرض نفسها هنا ليست دعوة لرفض أي تحالف بشكل مطلق، ولا إنكارًا لتعقيدات المرحلة، بل هي دعوة لإعادة وضع المسألة في إطارها الصحيح: التحالفات، مهما كانت ضرورية، تظل أدوات مشروطة، لا يمكن أن تتحول إلى بديل عن الصراع الإجتماعي، ولا إلى مبرر لتعليقه. كما أن الحديث عن رأسمالية وطنية لا يمكن أن يستمر بوصفه إفتراضًا نظريًا، بل ينبغي أن يخضع لإختبار الواقع: هل توجد فعليًا قوى منتجة مستقلة، أم أننا أمام إعادة تسمية لذات البنية التابعة؟.

في نهاية المطاف، لا يبدو أن المأزق يكمن في المفهوم بحد ذاته، بقدر ما يكمن في الطريقة التي جرى بها إستخدامه سياسيًا. فحين يتحول التكتيك إلى إستراتيجية دائمة، والمرحلة إلى أفق مفتوح بلا نهاية، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كنا لا نزال أمام أداة للتحرر، أم أمام صيغة جديدة لإدارة الأزمة نفسها.

ومن هنا، فإن أي محاولة جادة للخروج من هذا المأزق لا بد أن تنطلق من إعادة الإعتبار لدور الجماهير وتنظيماتها المستقلة، بوصفها العامل الحاسم في تحديد مسار الصراع، لا مجرد طرف يُطلب منه الإنتظار حتى “تكتمل الشروط”. فالتجربة تشير، بوضوح لا لبس فيه، إلى أن كل تحالف لا يقوم على قوة جماهيرية مستقلة، ينتهي — عاجلًا أم آجلًا — إلى إعادة إنتاج نفس البنية التي يدّعي العمل على تجاوزها.

الميدان 4458،، الخميس 30 ابريل 2026م.