القضية الكردية والمسألة القومية، الدولة القومية أم دولة المواطنة؟ بين القومية والمواطنة: رؤية يسارية لبدائل التحرر
القضية الكردية والمسألة القومية، الدولة القومية أم دولة المواطنة؟
بين القومية والمواطنة: رؤية يسارية لبدائل التحرر
رزكار عقراوي (يساري كردي من كردستان العراق)
المقدمة
يشهد الشرق الأوسط صراعات قومية دموية خلفت ملايين الضحايا والمشردين. تمثل القضية الكردية أحد أهم هذه الصراعات، حيث يتوزع الأكراد على أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. السؤال الجوهري: ما الحل الممكن الآن للقضية الكردية؟ هل في بناء دول قومية منفصلة، أم في النضال من أجل دولة المواطنة والحقوق المتساوية؟
كان هناك ولا يزال اضطهاد قومي صارخ ضد الأكراد. في العراق، بلغت الوحشية ذروتها في حملات الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية وسياسات “التعريب”. في سوريا، الحزام العربي وإحصاء 1962 الذي جرد مئات الآلاف من جنسيتهم، واليوم في كانون الثاني 2026، يتجدد هذا المسار عبر الهجوم العسكري على مناطق سيطرة قسد. في تركيا، تصنيف الأكراد كـ”أتراك الجبال” وتدمير آلاف القرى. في إيران، القمع المركب تحت النظام الثيوقراطي والإعدامات والتهميش الاقتصادي.
لكن هذه السياسات لم تستهدف الأكراد وحدهم، فالدكتاتورية التي تسحق الهوية الكردية هي ذاتها التي تقمع كافة المواطنين. النضال ضد الاضطهاد القومي جزء من النضال العام ضد الاستبداد الطبقي والسياسي. مواجهة الاضطهاد الحقيقي لا تتحقق عبر استبدال قومية مهيمنة بأخرى، وإنما عبر تفكيك أسس الدولة القومية الإقصائية نفسها، وبناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.
من ”القومية المظلومة” إلى سلطة حاكمة
في إقليم كردستان العراق، تحولت ”القومية المظلومة” إلى سلطة حاكمة تواجه اتهامات بممارسات قمعية وفساد منظم. الحزبان الرئيسيان كرسا بنية حكم عائلية عشائرية. اندلعت حرب أهلية دموية بينهما (1994-1998) راح ضحيتها آلاف الأكراد، سببها الصراع على النفوذ والموارد وليس التحرر القومي. الفساد مستشر، والرواتب منقطعة لأشهر، والتظاهرات الشعبية ضد البطالة والفساد تُقمع، فيما يستمر الحزبان في احتكار ثروات الإقليم.
في سوريا، تحولت قسد إلى سلطة تتركز بيدها القرارات السياسية والعسكرية، مع هامش محدود للتعددية. رغم إصلاحات تقدمية في الجوانب الاجتماعية ومشاركة المرأة، لكنها بقيت محكومة بسقف طبقي وسياسي، ولم تمس جوهر بنية السلطة القائمة على الاحتكار السياسي. سُجلت انتهاكات لحقوق الإنسان، منها تجنيد الأطفال والاعتقال وقمع وتعذيب المعارضين.
الخطاب القومي خرج من كونه أداة تحرر، وتحول إلى غطاء أيديولوجي لتبرير الاستبداد وقمع المعارضين، وإعادة إنتاج علاقات السيطرة نفسها. المظلومية القومية التاريخية لا تمنح صك غفران لأي سلطة لتمارس القمع. تحول ”القومية المظلومة” إلى ”أداة قمع واستبداد” يمثل الهزيمة الأخلاقية الكبرى للمشروع التحرري، ويثبت أن الخلل في بنية الدولة القومية الإقصائية ذاتها.
تهميش النضال الطبقي وخطر الحروب الأهلية
الصراعات القومية تحمل خطر دفع المجتمعات نحو التعصب وحروب أهلية، تكون فيها الجماهير الكادحة وقوداً لصراعات لا تخدم مصالحها. الخطاب القومي الإقصائي يحول الصراع من صراع طبقي بين الجماهير الكادحة والطبقات الحاكمة، إلى صراع قومي وهوياتي زائف. الصراعات القومية أداة فعالة لإضعاف النضال الطبقي وتفكيك الوعي الاجتماعي للجماهير، وإلهائها عن قضاياها اليومية المرتبطة بالحقوق والعمل والرواتب والخدمات والعدالة الاجتماعية.
تحت غطاء الدفاع عن القومية، يتم تهميش الصراع الطبقي، وتبرير الاستغلال، وتحصين السلطات من المساءلة. تتحول الأزمات الاقتصادية والفساد والاستبداد من نتاج سياسات طبقة ملموسة إلى نتائج ثانوية لصراع قومي مفتعل. هكذا تؤدي الصراعات القومية إلى تصاعد خطاب الحرب والكراهية، وتفريغ النضال الاجتماعي من مضمونه، وقطع الطريق أمام بناء حركة طبقية يسارية موحدة عابرة للقوميات. مهمة اليسار هي الاستناد إلى الهوية الإنسانية والأممية، والتضامن مع معاناة جميع المدنيين ضحايا الدكتاتورية والحروب، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة. التضامن الانتقائي، الذي يحصر التعاطف في عرق أو طائفة معينة، تفكير لا إنساني زائف، يساهم في تكريس التعصب، وتعميق الانقسام، وإضعاف أي مشروع تحرري قائم على العدالة والمساواة.
هل الدولة القومية ممكنة الآن؟
الظروف الموضوعية غير مناسبة لمشروع الدولة القومية الكردية. المناطق الكردية محاطة بقوى إقليمية معادية (تركيا، إيران، والدول العربية)، ولا تملك الحركات القومية دعماً دولياً حقيقياً. الدعم الأمريكي ظرفي ومرتبط بمصالح آنية. حتى لو تحققت دولة كردية، ما الذي يضمن بقاءها في ظل إحاطتها بدول استبدادية، أو يضمن عدم تحولها إلى نموذج دكتاتوري جديد؟ التجربة في إقليم كردستان العراق وسوريا شاخصة: حكم عشائري-حزبي، ممارسات استبدادية، فساد واسع، وانتهاكات لحقوق الإنسان.
من الضروري التحدث بوضوح عن حقيقة ديموغرافية: كثير من المناطق ليست ذات أغلبية قومية واحدة. كيف يمكن بناء مشروع قومي على أراض جزء من سكانها من قوميات أخرى؟ هذه المشكلة تخلق توترات حادة، وتفتح الباب لاتهامات بممارسة “التعريب” و”التكريد” و”التتريك”. من الصعب بناء دولة قومية في مناطق متعددة القوميات دون خلق ظلم قومي جديد.
المراهنة على الدول الكبرى وبالأخص أمريكا
بعض الحركات القومية الكردية بنت ومازالت كثيرا من مشاريعها على الدعم الامريكي. امريكا، كأكبر قوة رأسمالية في العالم، تدعم معظم الانظمة الرجعية، ولم تكن يوما في صف الشعوب المضطهدة. وجودها في المنطقة يهدف اساسا الى ضمان مصالحها الاستراتيجية وتعزيز هيمنتها. تحالف امريكا مع القوى الكردية في سوريا والعراق جاء لسد فراغ ناتج عن غياب قوات برية امريكية كبيرة.
في الآونة الاخيرة، شهد هذا التحالف في سوريا تحولا واضحا باتجاه احمد الشرع والحكومة المركزية، علما ان الشرع لم ينتخب ديمقراطيا، وكان حتى وقت قريب على قائمة الارهاب العالمي، وهو ما يكشف بوضوح ان امريكا لا تهتم الا بمصالحها الاستراتيجية، ولا علاقة لها بالديمقراطية او القيم الانسانية التي تدعيها. هذا التحالف وقتي وهش، تحكمه المصالح الامريكية، ويضفي شرعية على التدخل الامريكي.
السياسة الأمريكية تنطلق من مصالحها الاستراتيجية، وليس من التزام أخلاقي تجاه الشعوب. لدينا أمثلة كثيرة على تخليها عن حلفائها: الأكراد في العراق عام 1975، والأفغان بعد انسحاب السوفييت. المراهنة على القوى الرأسمالية الكبرى مراهنة على ”سراب سياسي”. هذه القوى لا ترى في الحركات القومية ”حلفاء”، وإنما ”بيادق” في رقعة شطرنج جيوسياسية، تباع وتشترى في صفقات الغرف المظلمة.
دولة المواطنة والحقوق بهوية إنسانية
يجب التمييز بين المطالبة بالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية للأكراد وبقية الأقليات، وبين المطالبة بدولة قومية منفصلة. هذه الحقوق مطالب مشروعة يجب أن يدعمها كل يساري، من الاعتراف الدستوري بالتعددية إلى اللامركزية الإدارية. النضال من أجلها في ظل التوازنات الجيوسياسية القائمة من الأنسب أن يكون في إطار دولة مواطنة متساوية عابرة للقوميات والأديان. البديل الممكن اليوم ليس في بناء دول قومية جديدة تعيد إنتاج الانقسامات، وإنما في دولة المواطنة التي تحيد القومية والدين عن السلطة، وتقيد تشكيل الأحزاب على أسس قومية أو دينية، ليكون محور النضال هو سيادة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية.
هذا الانتقال مسار تدريجي يتطلب آليات دستورية واضحة تضمن عدم عودة المركزية. من هنا يبرز نموذج الفيدرالية الجغرافية (الإدارية) كبديل للفيدرالية القومية؛ بحيث تمنح الأقاليم سلطات واسعة في إدارة شؤونها، مما يفرغ الصراع من شحنته العرقية ويحوله إلى تنافس على الرفاه. ويجب أن يقترن ذلك بـ”الدسترة الشاملة للهويات” لضمان الحقوق الثقافية لكل المكونات، وبناء مؤسسات رقابية وقضاء مستقل.
التجارب الدولية تثبت إمكانية بناء هذا النموذج؛ فسويسرا نجحت عبر اللامركزية في استيعاب أربع لغات رسمية، وجنوب أفريقيا اختارت المواطنة، وفي الهند وبوليفيا وإسبانيا، نجد محاولات لإدارة التنوع عبر الحكم الذاتي والاعتراف بالتعددية دون تفكيك الدولة. هذه الأمثلة ليست مثالية، لكنها تؤكد أن البديل عن الدولة القومية الإقصائية ليس حلماً طوباوياً، وهو مشروع قابل للتحقيق.
قد يُطرح أن دولة المواطنة حلم طوباوي في ظل الواقع الحالي. لكن هذا الاعتراض يتجاهل حقيقة أساسية: مشروع الدولة القومية المنفصلة هو الأكثر طوباوية في الظروف الراهنة. الحديث عن دولة كردية مستقلة ومستقرة ومحاطة بدول معادية، دون دعم دولي حقيقي، وفي مناطق متعددة القوميات، حلم بعيد المنال. أما دولة المواطنة فمشروع تدريجي واقعي يبدأ بخطوات ملموسة: دسترة الحقوق القومية، بناء مؤسسات ديمقراطية، تطبيق اللامركزية، وتعزيز سيادة القانون.
لا يعني هذا التقليل من أهمية الهوية القومية أو معاداة الحقوق القومية المشروعة. ليست هنا المطالبة بإلغاء الهوية القومية، وإنما الدعوة إلى عدم تحويلها إلى أساس لبناء السلطة وإلى أداة للتمييز والإقصاء. الهوية القومية حق ثقافي ولغوي يجب حمايته، لكن الدولة يجب أن تُبنى على أساس المواطنة المتساوية لا على أساس الانتماء العرقي. المسألة في رفض استخدام الهوية القومية كغطاء لتبرير الاستبداد أو لتحويل الصراع الاجتماعي إلى صراع قومي يخدم مصالح النخب الحاكمة.
حق تقرير المصير والعقلانية الواقعية
مع تأييدي الكامل للحق الشرعي للشعب الكردي وكل الشعوب لتقرير المصير بما فيه الانفصال، إلا أنني لا أرى أن الظروف العالمية والإقليمية مناسبة الآن للانفصال وإعلان دول قومية جديدة. علينا أن ننبذ الوحدة القسرية وأن ندعم التعايش والوحدة الطوعية على أساس المواطنة المتساوية، وفي نفس الوقت نؤيد حق تقرير المصير، إذا كان سيعطي حقوقاً ومساواة أكثر وحياة وأماناً أفضل وصراعات أقل.
هذا الموقف ليس معاداة للتحرر القومي الكردي أو تقليلاً من عدالة قضيته التاريخية، وإنما دفاع عن جوهر التحرر نفسه من التشويه الذي تلحقه به المشاريع البرجوازية القومية حين تحول النضال التحرري إلى سلطة واستبداد وفساد. في الظروف الراهنة، الجماهير الكادحة تُجر إلى حروب وصراعات قومية، وستتعرض لأزمات اقتصادية وسياسية أعمق من أجل كيانات قومية قد تواجه خطر التحول إلى نموذج استبدادي آخر.
كماركسيين ويساريين، علينا أن نتعامل بعقلانية علمية وندرس الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وموازين القوى الطبقية وقدراتنا وقدرات “أعدائنا”، والإمكانيات الواقعية لتحقيق الحلول. يجب تجنب جر الجماهير إلى حروب قومية خاسرة ومدمرة، حيث إنها لن تخلق غير المآسي الكبيرة للمدنيين وخسائر بشرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً لكل الأطراف. الاستناد إلى العقلانية والواقعية ضروري، وليس إلى “البطولات القومية” و”العزة القومية” و”مواجهة العدو القومي بكل السبل”. هذا الخطاب لا يحقق النصر، وإنما يجر الجماهير إلى مزيد من الحروب والدمار.
مهمات اليسار وبناء البديل داخل دولة المواطنة
مهمتنا كيسار اليوم هي فصل خطنا عن كل أطراف الصراع القومي، والنضال من أجل دولة تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان، لا على أساس قومي أو طائفي. الطريق طويل وصعب، لكنه الطريق الوحيد القادر على الوصول إلى حل حقيقي ومستدام للمسألة القومية، بعيداً عن الحروب والصراعات التي لا تنتج سوى المآسي للجماهير.
يمكن لليسار أن ينظم نفسه عملياً عبر بناء تنظيمات سياسية ونقابية وجماهيرية عابرة للقوميات والطوائف، تنطلق من المصالح المادية المشتركة لشغيلات وشغيلة اليد والفكر، وتربط النضال من أجل الحقوق القومية بالمعركة الاجتماعية ضد الاستغلال والفساد والاستبداد وتحقيق البديل الاشتراكي. هذا المسار يتطلب استقلالاً سياسياً وتنظيمياً كاملاً لليسار عن كل أشكال القوى البرجوازية ذات الخطاب القومي، والعمل اليومي على توحيد الجماهير الكادحة حول برنامج ملموس للمساواة والعدالة الاجتماعية واللامركزية الديمقراطية والحريات.
الشعوب في منطقتنا ليست في حالة صراع فطري، ولم تولد محكومة بالكراهية والانقسام، وإنما هي ضحية لعمليات تجييش وتعبئة قومية منظمة، حيث تُدفع الجماهير الكادحة من مختلف القوميات إلى صراعات قومية دموية، لتتحول التضحيات الشعبية إلى وقود لتثبيت كراسي طغم برجوازية تتخذ من الخطاب القومي ستاراً لحماية مصالحها الطبقية. معركتنا الرئيسية ليست لتغيير الرموز القومية، ولا لون العلم، ولا لغة الحاكم، وإنما لتفكيك قيود الاستبداد والاستغلال والتعصب من جذورها، وبناء فضاء ديمقراطي اشتراكي إنساني يتسع للجميع. الطريق إلى حقوق الكردي وحريته يمر حتماً عبر حقوق وحريات جاره العربي والتركي والسرياني والإيراني، في ظل دولة لا تسأل المواطن عن أصله، وتضمن له خبزه وحريته، وتحترم كرامته الإنسانية.

