السودان: الهبوط الناعم أم التغيير الجذري؟
كلمة الميدان:
الهبوط الناعم أم التغيير الجذري؟

يمثل التباين بين الهبوط الناعم والتغيير الجذري خلافاً جوهرياً حول طبيعة الأزمة السودانية ومهام الثورة وشكل الدولة المنشودة والقوى الإجتماعية المؤهلة لقيادة التغيير. وقد ظل هذا الصراع حاضراً قبل ثورة ديسمبر 2018، وتعمق خلال مسيرتها، وفي المفاوضات والتحالفات التي تشكلت لإدارة الفترة الإنتقالية.
يقوم الهبوط الناعم على تسوية سياسية تدريجية بين القوى المدنية والعسكرية، تتيح إنتقالاً تفاوضياً يحافظ على جانب أساسي من بنية السلطة القديمة ومراكز نفوذها. وقد كشفت الممارسة تحوّل هذا النهج إلى آلية لإقتسام السلطة والمناصب، ومقايضة شعارات الثورة بالمكاسب السياسية، وإعادة إنتاج الشراكة مع قوى الإستبداد. وعلى الصعيد الإقتصادي، يعبر عن مصالح الرأسمالية الطفيلية، ويكرس التبعية للخارج واستمرار إختلالات توزيع الثروة والسلطة. وهكذا يصبح الإنتقال إعادة ترتيب للنخب ومراكز النفوذ، بدلاً من تغيير علاقات القوة التي أنتجت الأزمة.
في المقابل، يطرح التغيير الجذري مشروعاً وطنياً وديمقراطياً يستهدف معالجة الجذور التاريخية والسياسية والإقتصادية للأزمة، وتفكيك بنية التمكين والإستبداد والفساد، وإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية. وهو مشروع يرتبط إرتباطاً وثيقاً بصيانة إستقلال السودان وسيادته ووحدة أراضيه وشعبه، وحماية قراره الوطني من التدخلات الخارجية ومشروعات الوصاية وتقاسم النفوذ. وتنهض بهذا المشروع القوى الجماهيرية المنظمة، وفي مقدمتها لجان المقاومة والتنظيمات النقابية والمهنية والعمال والمزارعون والنساء والشباب.
وقد أثبتت تجربة الفترة الإنتقالية عواقب الرهان على التسوية مع اللجنة الأمنية للنظام البائد؛ إذ قادت الشراكة إلى إجهاض مسار الثورة، وفتحت الطريق أمام الإنقلاب، بينما كانت دماء الشهداء لم تجف بعد. وكانت تلك التجربة تجسيداً عملياً لتناقض المصالح بين مشروع التغيير ومساومات إقتسام السلطة.
وفي ظل الحرب المدمرة، تتجاوز المخاطر مصير السلطة إلى وجود السودان ذاته: سيادته ووحدته الوطنية وتماسك نسيجه الإجتماعي ومقدراته الإقتصادية. وتكتسب التسويات التي تُطبخ في الخارج، بعيداً عن الإرادة الشعبية، خطورتها من إرتباطها بمصالح إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة تشكيل السلطة ومراكز النفوذ، وتكريس الإفلات من العقاب، وفرض ترتيبات تنتقص من إستقلال القرار الوطني. ويقتضي التصدي لهذه المخاطر وقف الحرب، وحماية وحدة البلاد أرضاً وشعباً، ومحاسبة مرتكبي الجرائم والإنتهاكات، وإقامة سلطة مدنية ديمقراطية مستقلة الإرادة.
إن السلام المستدام والديمقراطية والسيادة الوطنية أهداف مترابطة، يقتضي بلوغها تغييراً جذرياً تقوده الجماهير وتؤسس له أوسع جبهة قاعدية لقوى الثورة. كما تقع على القوى التي شاركت في السلطة الإنتقالية وتحالفت مع اللجنة الأمنية مسؤولية سياسية وأخلاقية تستوجب مراجعة علنية لتلك التجربة ومصارحة الشعب بعواقبها.
إن معركة الشعب السوداني هي معركة وقف الحرب واسترداد الثورة وصون استقلال الوطن وسيادته ووحدته، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تحقق العدالة الإجتماعية وتخضع فيها مؤسسات الدولة لسلطة الشعب. وتظل المحاسبة طريقاً لإقامة العدالة، وصوناً لحقوق الضحايا، وضماناً لمستقبل السودان.
الميدان 4534،، الأحد 01 نوفمبر 2026م.

