في الذكرى 41 لاستشهاد الرفيق أمين تهاني
في أجواء طبعتها الذاكرة والوفاء واستحضار تاريخ نضالي مثقل بالتضحيات، نظم حزب النهج الديمقراطي العمالي بوجدة، إلى جانب عدد من الرفاق والمناضلين التقدميين، صباح السبت 7 نونبر 2026، وقفة أمام مقبرة سيدي المختار، وسط مدينة وجدة، تخليدًا للذكرى الحادية والأربعين لاستشهاد الرفيق المهندس أمين تهاني.
الوقفة لم تكن مجرد محطة رمزية لاستحضار اسم شهيد من شهداء الحركة الديمقراطية واليسارية المغربية، بل شكلت مناسبة لإعادة فتح صفحات من تاريخ سياسي وحقوقي لا تزال أسئلته حاضرة في الذاكرة الجماعية، وفي مقدمتها سؤال الحقيقة والمساءلة والعدالة، وما إذا كان من الممكن بناء مصالحة حقيقية مع الماضي دون كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وعقب الوقفة، قام المشاركون بزيارة قبر الشهيد أمين التهاني، كما تمت زيارة قبر والده المرحوم الحسين تهاني، في لحظة رمزية جمعت بين استحضار الشهيد واستحضار عائلته التي عاشت بدورها سنوات قاسية من المعاناة والانتظار والصمود.
في كلمة باسم حزب النهج الديمقراطي العمالي، استحضر الرفيق حفيظ إسلامي، عضو المكتب السياسي للحزب، المسار النضالي للشهيد أمين تهاني، وما مثله كجيل من الشباب الذين اختاروا، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، الانخراط في النضال السياسي والفكري دفاعًا عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وقدم المتحدث صورة عن الشهيد باعتباره شابًا في مقتبل العمر، لم يتجاوز التاسعة والعشرين سنة، خريج المدرسة المحمدية للمهندسين، ومن أبرز مؤسسي الاتحاد الوطني للمهندسين (UNIM)، كما تولى رئاسة جمعية طلبة المدرسة المحمدية للمهندسين، وانخرط في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (UNEM)، وكان من قيادات حركة «إلى الأمام».
غير أن هذه السيرة الأكاديمية والنضالية انتهت في ظروف مأساوية، حين تعرض أمين تهاني للاختطاف والاعتقال والتعذيب، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بما تعرض له من تعذيب في معتقل درب مولاي الشريف.
وبحسب ما استحضرته الكلمة خلال هذه الذكرى، فإن الشهيد اختُطف رفقة زوجته يوم 27 أكتوبر 1985، واستشهد في 6 نونبر 1985، بعد أيام قليلة من اختطافه.
وهكذا تحولت حياة شاب في عمر الزهور، كان يحمل مشروعًا فكريًا ونضاليًا، إلى واحدة من الصفحات المؤلمة في تاريخ سنوات الرصاص، حيث تعرض العديد من المناضلين للاعتقال والاختطاف والتعذيب بسبب أفكارهم ومواقفهم السياسية.
ولم تتوقف كلمة الرفيق حفيظ إسلامي عند سيرة أمين تهاني، بل وضعت شهادته ضمن سياق أوسع، هو سياق مرحلة السبعينيات والثمانينيات وما عرفته من صراع سياسي حاد واستهداف للمعارضين والمناضلين.
فقد استحضر المتحدث ما تعرض له مناضلو تلك المرحلة من اعتقالات وملاحقات ومحاكمات وتعذيب داخل المعتقلات والسجون السرية، مشددًا على أن الحديث عن الشهداء لا يمكن فصله عن الحديث عن آلاف المناضلين الذين عاشوا تجربة الاعتقال والسجن والتعذيب، وعن عائلاتهم التي تحملت بدورها كلفة إنسانية واجتماعية ونفسية ثقيلة.
ومن هنا، فإن تخليد ذكرى الشهيد أمين تهاني لا يستهدف استحضار الماضي من أجل الماضي، وإنما يؤكد أن الذاكرة السياسية والحقوقية تظل عنصرًا أساسيًا في فهم الحاضر وبناء المستقبل.
الشعار التاريخي الذي رفعته المناسبة: «من يكرم الشهيد يتبع خطاه»، يحمل في حد ذاته دلالة تتجاوز الطقس الرمزي لتخليد الذكرى.
فتكريم الشهيد، وفق هذا المنظور، لا يعني فقط زيارة قبره ووضع الورود واستحضار اسمه كل سنة، وإنما يعني أيضًا الدفاع عن القيم والمبادئ التي ناضل من أجلها، وفي مقدمتها الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وحق الإنسان في التعبير عن رأيه وممارسة العمل السياسي دون خوف أو قمع.
ومن هذه الزاوية، تصبح الذاكرة فعلًا سياسيًا وحقوقيًا، لأنها تربط الماضي بالحاضر، وتطرح السؤال حول مدى استخلاص الدروس من مرحلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وحول ضرورة عدم تكرارها.
وأعادت المناسبة التأكيد على مطلب محاكمة الجلادين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، باعتباره جزءًا من معركة مستمرة من أجل الحقيقة والعدالة.
وفي هذا الإطار، استحضر الرفيق حفيظ إسلامي الوقفة التي دعت إليها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – فرع تيفلت، والمقرر تنظيمها يوم الأحد 8 نونبر 2026 بساحة 20 فبراير بمدينة تيفلت، باعتبارها محطة نضالية تندرج، وفق ما ورد في الكلمة، ضمن المطالبة بالحقيقة والعدالة والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
ويكشف الربط بين ذكرى أمين تهاني وهذه المحطات الحقوقية أن قضية ضحايا الانتهاكات لا تُختزل في استحضار أسماء الشهداء، بل ترتبط أيضًا بمطلب أوسع يتمثل في الكشف عن الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وفي امتداد واضح بين الماضي والحاضر، لم تغب عن كلمة النهج الديمقراطي العمالي قضية المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، حيث تمت الدعوة إلى إطلاق سراح المعتقلين، مع استحضار معتقلي حراك الريف وغيرهم من المعتقلين المرتبطين بالتعبير عن مواقفهم السياسية أو آرائهم، بمن فيهم المدونون.
وبذلك تحولت الذكرى من مناسبة لاستحضار شهيد من شهداء مرحلة سابقة إلى منصة للتعبير عن موقف سياسي وحقوقي من قضايا الحاضر.
بعد مرور واحد وأربعين عامًا على استشهاده، لم يعد أمين تهاني مجرد اسم في سجل شهداء الحركة الديمقراطية المغربية. لقد أصبح، في ذاكرة رفاقه وكل من يستحضر تجربته، عنوانًا لجيل آمن بأن الهندسة والمعرفة والجامعة والعمل السياسي والنضال الديمقراطي يمكن أن تكون جميعها أدوات لبناء مجتمع أكثر عدالة وحرية.
لكن استحضار هذه السيرة يفرض في الوقت نفسه سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف يمكن لمجتمع أن يطوي صفحة ماضيه دون أن يفتحها من جديد أمام الحقيقة؟
لقد كان الشاب المهندس أمين تهاني في التاسعة والعشرين من عمره حين انتهت حياته في ظروف مأساوية. وبين لحظة الاختطاف ولحظة الوفاة، لم تكن هناك سوى أيام قليلة، لكنها كانت كافية لتحويل حياة شاب إلى شهادة تاريخية على مرحلة كاملة.
وفي المقابل، فإن زيارة قبره اليوم، واستحضار نضاله، لا ينبغي أن تكون فعلًا من الماضي فقط، بل تذكيرًا دائمًا بأن الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة ليست شعارات موسمية، وإنما قيم تحتاج إلى الدفاع المستمر عنها.
إن تخليد الذكرى الحادية والأربعين لاستشهاد أمين تهاني هو، في نهاية المطاف، تخليد لذاكرة جيل بأكمله، واستحضار لتضحيات مناضلين ومناضلات واجهوا الاعتقال والتعذيب والسجون والملاحقات دفاعًا عن قناعاتهم.
وهو أيضًا تأكيد على أن بناء دولة الحق والقانون لا يكتمل فقط بإحياء الذاكرة، وإنما بالقطع مع كل أشكال الانتهاك، وبضمان الحريات، وترسيخ العدالة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، حتى لا تتحول ذاكرة الشهداء إلى مجرد طقس سنوي، بل إلى درس دائم في معنى الحرية والكرامة.
المجد والخلود لشهداء الشعب المغربي.
«من يكرم الشهيد يتبع خطاه.»
محمد علاي
7 نونبر 2026




