*المخزن غير قابل للاصلاح.*: الرفيق معاد الجحري

*المخزن غير قابل للاصلاح.*: الرفيق معاد الجحري

Moad-Johri *المخزن غير قابل للاصلاح.*: الرفيق معاد الجحري*المخزن غير قابل للاصلاح.*

هذه هي الحقيقة التي تنجلي ساطعة بقوة التجربة التاريخية.

فالمخزن نظام مستبد يجمع بين مؤسسات “منتخبة” لكن دون سلطات فعلية وبين مؤسسات غير منتخبة وغير خاضعة للمحاسبة ذات صلاحيات واسعة بل مطلقة.
وهو غير قابل للإصلاح لأنه أداة حيوية بيد الكتلة الطبقية السائدة لضمان استمرار سيطرتها وفرض هيمنتها ونهبها وافتراسها لخيرات البلاد واستغلالها المكثف للمنتجين.
لقد رفض الأعيان وفقهاء البلاط الإصلاحات في عهد الحسن الأول رغم أنها كانت بسيطة وسطحية. في حين، كان ثلثا القبائل المغربية متمردة وخارجة عن سيطرة السلطة المركزية في أواخر عهده.
ورفض الملك عبد الحفيظ العلوي مشروع الدستور الذي قدمته جماعة لسان المغرب سنة 1908 ووقع على اتفاقية الذل والعار والخيانة، اتفاقية الحماية في 30 مارس 1912 التي شرعنت استعمار فرنسا لبلادنا ولهذا سماه المغاربة بسلطان النصارى.
الاستعمار هو الذي تمكن من سحق القبائل المتمردة وإخضاعها وتحطيم بناها التضامنية العريقة.
وحده عبد الكريم الخطابي، هذا القائد العبقري، تمكن من إعادة توحيد قبائل الريف وهزم المستعمر الإسباني وتأسيس جمهورية الريف.
أما الحركة الوطنية فبدل تعميق المسلسل التحرري الكفاحي للشعب المغربي واستثمار موازين القوى التي كانت في صالحها، فقد سلكت مسلك المساومة والتفاوض وبذلك فوتت للأسف فرصة تاريخية للتغيير، بقبولها باتفاقيتي اكس ليبان ولسيل سان كلو المذلة.
مرة أخرى كان عبد الكريم الخطابي حازما وأثبتت الأيام والسنون صحة موقفه. وقد أصدر بيانا نقتبس منه ما يلي:
“وقد اقتدت جماعة الرباط بجماعة تونس المستسلمة فأبرزت اتفاقية إكس ليبان إلى حيز العمل والتنفيذ، وأخذت تناور وتدلس وتغري الشعب المغربي بالكلام المعسول. وهي سائرة في نفس طريق اتفاقية تونس وستطالب المناضلين بإلقاء السلاح، بعدما طلبت منهم الهدوء بحجة أن المفاوضة لا تكون إلا في الهدوء، والهدوء لا يكون إلا بإلقاء السلاح حين يتفرغ الأعداء للقضاء على الجزائر. فحذار من السقوط في الفخ المنصوب، وإننا على يقين من أن الشعب المغربي سوف يستمر في الكفاح والنضال إلى أن يخرج من بلاد المغرب بل من شمال إفريقيا كلها آخر جندي فرنسي يحمل السلاح من جماعة المستعمرين.”
أما المخزن فقد استغل الفترة لتوطيد دعائمه وإعادة هيكلة الكتلة الطبقية السائدة وإعادة بناء الدولة والجيش والأمن وتفكيك جيش التحرير والمقاومة المسلحة وتحييد الاتحاد المغربي للشغل وعرقلة حكومة عبد الله إبراهيم التي تمت إقالتها بطريقة تثير الشفقة.
حينها أدرك المهدي بنبركة الأخطاء القاتلة. وكتب في “الاختيار الثوري” يقول:
“ويظهر لي أننا في الماضي قد انزلقنا نحو ثلاثة أخطاء رئيسية سوف تكون قاتلة لا محالة، إن لم نتداركها في الظروف الراهنة.
الخطأ الأول: يرجع إلى سوء تقديرنا لأنصاف الحلول التي كنا مضطرين للأخذ بها.
الخطأ الثاني: يتعلق بالإطار المغلق الذي مرت فيه بعض معاركنا، بمعزل من مشاركة الجماهير الشعبية.
الخطأ الثالث: نشأ عن عدم الوضوح في مواقفنا الإيديولوجية وعن عدم تحديدنا لهوية حركتنا.”
ودخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية غمار انتخابات 1963 تحت شعار ” لا إصلاح لهذا النظام إلا بزواله”. ولكن هل بالإمكان القضاء على النظام بواسطة الانتخابات؟
هل هناك في العالم ثورة حقيقية قامت بواسطة الانتخابات فقط؟
ما يحدث في أمريكا اللاتينية مثلا هو عموما وصول اليسار التقدمي عبر الانتخابات لقيادة الحكومات وليس تغييرا جذريا للأنظمة السياسية والاقتصادية- الاجتماعية القائمة. وخلال وجوده في السلطة يقوم بإصلاحات متفاوتة وطفيفة على العموم من قبيل توزيع الريع والاعتناء نسبيا بالمرفق العمومي وفي حالات نادرة تأميمات محدودة بدل أن يقوم بخطوات جريئة في اتجاه تغيير النظام ككل. والنتيجة، سرعان ما تنقلب عليه أجزاء من قاعدته الانتخابية من القوى الوسطى بل وحتى بعض الفئات الكادحة ويخسر الانتخابات بعد حين ليصعد اليمين وهكذا. أما حركة سيريزا في اليونان فقد استسلمت كليا للترويكا (صندوق النقد الدولي، البنك المركزي الأوروبي، الاتحاد الأوروبي) بتنفيذ إملاءاتها فخسرت هذه الحركة نفسها.
الحقيقة أن الموقف من الانتخابات مسألة تكتيكية والأهم هو جعل هذا الموقف في خدمة الأساليب الثورية التي جربتها الشعوب كالانتفاضة الشعبية والعصيان المدني والإضراب الجماهيري.
في الحقيقة كان النقد الذاتي للشهيد المهدي بنبركة مجرد صيحة في واد، أو مجرد قوس أغلق بسرعة. فما لبث الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن انخرط في المسلسل الديمقراطي في السبعينات، بعدما تم تصفية الاتجاه الثوري، وطرح تحقيق الديمقراطية بواسطة الديمقراطية أي عبر الانتخابات التي تحولت من مجرد واجهة من واجهات الصراع الى الواجهة الأساسية إن لم تكن الوحيدة. وعانى الاتجاه الجذري داخله معاناة مريرة مع التوجه المتنفذ بقيادة عبد الرحيم بوعبيد.
وفي بداية التسعينات كان النظام في مأزق حقيقي، وقد انفضح أمر المعتقلات السرية الرهيبة وعلى رأسها تازمامارت وخففت الإمبريالية من دعمها للأنظمة الديكتاتورية ومنها النظام المغربي بقيادة الحسن الثاني بسبب انهيار الاتحاد السوفياتي ولكن القوى الديمقراطية مرة أخرى أهدرت فرصة تاريخية. فبدل استثمار النهوض الجماهيري العارم وتعبئة الشعب المتعطش للتغيير وقيادته نحو الخلاص من المخزن وتشييد الديمقراطية راحت من جديد تساوم وتمارس سياسة الدهاليز في غياب الجماهير وترسل المذكرات والإشارات السياسية، تلك السياسة التي حذر منها بنبركة.
وفي نهاية التسعينات سقطت أطروحة الإصلاح من الداخل سقوطا مدويا وفقد هذا الحزب (الا.ش.ق.ش) ذراعه الشبيبي والنقابي ومن حوله من المثقفين وانقسم وانشطر وما تبقى تحت هذا المسمى تمخزن بشكل لا رجعة فيه. وسلك حزب التقدم والاشتراكية الطريق نفسه ولقي نفس المصير.
وأدار ما يسمى بالعهد الجديد ظهره لمطالب حركة 20 فبراير التي نادت بإسقاط الفساد والاستبداد ولجأ إلى القمع والمناورة وعلى رأسها إعداد دستور 2011 وهو كسابقيه دستور ممنوح حيث انفرد الملك واستأثر بالسلطة التأسيسية واحتكرها بالكامل.
وتم في هذا الدستور تطويق أغلب الحقوق المنصوص عليها بالثوابت منها “قوانين المملكة” و”هويتها الوطنية الراسخة” و”الدين الإسلامي” و”النظام الملكي” وحتى “المبادئ الدستورية”.
كما تم من خلاله تكريس الاستبداد ونظام الحكم الفردي المطلق والطابع الأوتوقراطي للملك وضرب مبادئ السيادة الشعبية وفصل السلط.
هذا هو الدستور الذي على أساسه تجري الانتخابات البرلمانية الحالية.
ولا ننسى أن العهد الجديد كالعهد القديم لجأ بدوره إلى فبركة الأحزاب. فقد كان وراء تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة في 7 غشت 2008 من طرف فؤاد عالي الهمة، الصديق الحميم للملك، كتجميع لخمسة أحزاب إدارية هي الحزب الوطني الديمقراطي وحزب العهد والبيئة والتنمية ورابطة الحريات ومبادرة المواطنة للتنمية ويساريين مرتدين. لم يفز هذا الحزب الذي خرج من رحم الإدارة بانتخابات نونبر 2011 بسبب حركة 20 فبراير التي شهرت به وبرموزه ووجهت له صفعة قوية لكنه اليوم يقدم بشكل فج كخيار أول لترؤس الحكومة المقبلة لتستمر اللعبة ومعها مأساة شعبنا.

معاد الجحري
21 شتنبر 2026