انتخابات 2026: دواعي المقاطعة والبديل الديمقراطي

انتخابات 2026: دواعي المقاطعة والبديل الديمقراطي




✍️ الرفيق محمد علاي

كان من المفترض أن أكون حاضراً إلى جانب الرفاق في الندوة الرقمية حول «انتخابات 2026: دواعي المقاطعة والبديل الديمقراطي» يوم الخميس 17 شتنبر 2026 على الساعة التاسعة زوالا، غير أن عائقاً تقنياً مرتبطاً بالبث المباشر واتصال الويفي حال دون مشاركتي كما كنت أريد. وكانت هذه تجربتي الأولى مع هذا الشكل من التواصل الرقمي، فتعلمت منها أن النضال من أجل قضايا الناس يحتاج أيضاً إلى امتلاك أدوات العصر. ومع ذلك، فإن تعذر الحضور الافتراضي لا يعني غيابنا عن قضايا العمال وهموم الشعب الكادح. فموقفي وحضوري يظلان مرتبطين دائماً بالدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه الاجتماعية.

1ـ بداية أعبر عن إدانتي الشديدة للقمع والاعتقالات والحصار الذي يتعرض له مناضلو ومناضلات حزب النهج الديمقراطي العمالي عبر التراب الوطني ،كل من الدارالبيضاء (حي البرنوصي)، بني ملال؛سلا، طنجة، القنيطرة، الحسيمة، الخميسات…)

اسمحوا لي في البداية أن أتوجه بجزيل الشكر والتقدير الى الرفاق في النهج الديمقراطي العمالي على تنظيم هذه الندوة الرقمية ،وعلى دعوتي وإدراج اسمي ضمن المشاركين فيها ،وأنه لشرف لي أن أشارك الى جانب رفاق ورفيقات النهج الديمقراطي العمالي، هذا الحزب المعارض والمستقل، الذي يحمل اليوم إرث وتقاليد المنظمة الى الامام، التي تأسست في 30 غشت 1970، وماراكمته من نضالات وتضحيات في سبيل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وبعذه المناسبة لا يسعني الا أن استحضار بكل وفاء واحترام رموزا من المناضلين ومناضلات فقدناهم ، ممن تركوا بصماتهم في مسار النضال الديمقراطي واليساري بالمغرب، وفي مقدمتهم الرفيق ابراهام السرفاتي وعبدالعزيز المنبهي والرفيق مصطفى لبراهمة، وإلى جانب جميع الشهداء والمناضلين الذين قدموا تضحيات في سبيل قضايا الشعب المغربي: الشهيد عبداللطيف زروال، أمين التهاني، والرفيقة سعيدة المنبهي، كما أحيي المناضلين والمناضلات الذين مازالوا يواصلون حمل مشعل النضال، وفي مقدمتهم الرفاق امين عبدالحميد ، علي فقير، عبدالله الحريف، والرفيق الحبيب التيتي وسائر الرفاق الذين يواصلون الطريق وفاءا لذكرى الشهداء ولتاريخ الحركة المناضلة.

واغتنم هذه المناسبة كذلك لتوجيه تحية خاصة الى الرفيقات والرفاق على نجاح المؤتمر السادس للنهج الديمقراطي العمالي ، وعلى ما يمثله من محطة في مسار بناء حزب مستقيل للطبقة العاملة المغربية، وأهنئ الرفيق المناضل التقدمي المكافح جمال براجع على الثقة وانتخابه للمرة الثانية.

وتحية عالية للشباب المشاركين في الندولة الرقمية كل من الرفيق جمال براجع الامين العام لحزب النهج الد.يمقراطي العمالي، والرفيق ابراهيم نافعي الكاتب الوطني للقطاع الشبابي، والرفيقة زهرة حكيمي الكاتبة الوطنية للقطاع النسائي والرفيق المسير الرفيق لحسن موموش.

ومن هذا المنطلق  تأتي أهمية هذه الندوة حول الانتخابات 2026، دواعي المقاطعة والبديل الديمقراطي، باعتبارها مناسبة للنقاش والتفكير الجماعي في طبيعة العملية الانتخابية ،وفي حدودها وشروطها ، وفي البدائل السياسية والديمقراطية الممكنة، انطلاق من مصالح الشعب المغربي والطبقة العاملة وعموم الفئات الشعبية.

2ـ مند أول انتخابات تشريعية، بعد الاستقلال الشكلي، والتي أجريت سنة 1963، عرف المغرب مسارا انتخابيا طويلا تعاقبت خلاله الدساتير الممنوحة وأنماط الاقتراع والدوائر الانتخابية واحزاب وحكومات،ثم جاءت انتخابات 1970 بعد مرحلة سياسية مضطربة ؛ وقاطعتها احزاب المعارضة الرئيسية انذاك ،وكما عرفت استحقاقات في العهد القديم والجديد وتواريخها على الشكل التالي: سنة 1977 -1984-1993-1997-2002-
2007-2011-2016-2021- 2026

وهنا تطرح أمامنا مسألة أساسية: بعد أكثر من ستة عقود من الانتخابات، هل تمكنت العملية الانتخابية فعلا من تحقيق الوظيفة السياسية التي يفترض أن تقوم بها، أي تجديد النخب ، و إنتاج نخب سياسية مرتبطة بالمصالح الفعلية للمواطنين؟

3ـ تجري عملية الانتخابات بغية القيام بتجديد النخب سواء على مستوى الجماعي أو التشريعي. وذلك من خلال الاحتكام الى صناديق الاقتراع، وكذا المواطنين في اختيار ممثلهم على مستوى المؤسستين .ورغم أن هذه العملية الانتخابية لا تشكل البديل الديمقراطي في التسيير الشأن العام والاحتكام الى الجماهير من أجل سيادة حكم الأغلبية. إلا أن العملية الانتخابية في ظل الانظمة البورجوازية لا يمكن فصلها عن النسق العام الذي يحكمه الفساد والرشوة والمحسوبية، هذه الأمور سوف تنعكس بطبيعتها على مفهوم العمل الحزبي وممارسة السياسة في تدبير الشأن العام الذي تؤطره قواعد اللعبة الديمقراطية في ظل الانظمة البورجوازية التي من طبيعتها ان تفرز لنا نخب سياسيا فاسدة ومبنية على عمل القبيلة والزبونية، انطلاقا من كونها خاضعة لقواعد اللعبة “الديمقراطية” في ظل نفس الأنظمة.

لكن في بلادنا، ومنذ الاستقلال الشكلي وإلى يومنا هذا، لازالت الانتخابات مرتبطة بالقبيلة والأعيان، ومافيا المخدرات، ومافيا العقارات، ومافيا الاراضي الفلاحية، الذين يستغلون الفقر والجهل، غير مبالين بالبرامج ولا مبادئ الأحزاب الذين ينتمون إليها، بالاضافة الى استفحال ظاهرة سماسرة الانتخابية، من قبيل تفشي الرشوة والزبونية والمحسوبية، وهذه لوبيات، ووجوه انتخابية ظلت تتحكم في الشأن العام سواء بالمجالس الجماعية او البرلمانية، وكذلك مختصة في بيع التزكيات للمرشحين… مما يستحيل على العملية الانتخابية أن تقود إلى التداول على تدبير الشأن العام. وأصبح من المستحيل محاربته هذه الظاهرة .وهذا ما ينتج عنه ضعف تأطير الاحزاب السياسية للمواطنين، حيث كان من المفروض على المرشح او المرشحة إقناع المواطنين لبرامج الحزب الذي ينتمون اليها. بحيث لازال منطق القبيلة يتحكم في رسم الخرائط الانتخابية ببلادنا.واستمرار عملية شراء الذمم وخاصة بعد وقبل عملية الانتخابات، الأمر الذي يعكس ان ظاهرة الرشوة ،هي الأمر المحدد والعملية اللصيقة بالممارسة السياسية لمثل الاحزاب المغربية في مجتمعنا، يمكن القول إجمالا ان الاوضاع التي نعيشها حاليا، في ظل الدستور الممنوح ،وحكومة الحالية ،تعد الأكثر ترديا من سابقاتها، اذ يستمر التعديب ومسلسل الاعتقال السياسي ، وانتهاك عام في مجال حقوق الانسان، اضافة الى قمع الحركات الاحتجاجية هذه الأساليب التي تعد السمة البارزة في السياسة الرسمية ، إنما تؤكد بالملموس زيف الشعارات حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وطي صفحة الماضي، العهد الجديد، الدستور الجديد، كما تشهد الظرفية الحالية ببلادنا تصعيد النظام القائم لحربه الطبقية ضد الجماهير الكادحة ، بتسريعه لوتيرة الإجهاز على ما تبقى من حقوقها الديمقراطية ومكانتها الاجتماعي (سكن، صحة؛تشغيل ،تعليم…) حيث يهدف الى ضرب قوتها الشرائية عبر الزيادات الصاروخية المتتالية في اسعار المواد الغذائية والخدمات الاساسية ، اضافة الى تعميم الخوصصة (ما تبقى من المؤسسات العمومية…) مما نتج عنه كوارث اجتماعية مثل تشريد الاف العمال، تفاقم البطالة والدعارة والتسول…

في نفس السياق لازال التحالف الطبقي السائد يفرض سياسته عبر سن مزيد من مخططاته الرجعية التي لا تنتج إلا مزيدا من البؤس والحرمان لدى الفئات الواسعة من الشعب المغربي.

فمنذ أزيد من نصف قرن من الإعلان عن الاستقلال الشكلي ،لم نتمكن بعد من تاسيس حتى اسس ومقومات النظام الديمقراطي الذي يستنذ الى روح الديمقراطية الفعلية والمساواة في اتجاه تمتيع كافة المواطنين والمواطنات بحقوقهم الاجتماعية والثقافية…

4ـ هذا كله يتجلى في واجهاته الرسمية ،حيث تسود مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية صورية ليس إلا، المتحكم فيها عبارة عن مافيا المخدرات ومرتكبي الجرائم السياسية والاقتصادية ، مستغلين مؤسسات الدولة في تبييض أموالهم، وتأبيد سيطرتهم الطبيعية على حساب مصالح الجماهير الكادحة، إذ لا فرق بين الامس واليوم، رغم أن مسلسل الانتخابات لا يعتبر حلا ديمقراطيا في حد ذاته، ومع ذلك استمرار نفس الوجوه التي تشكل رمز الفساد، في الاستحواذ على العملية الانتخابية مما يؤكد أن هذا المسلسل هو عبارة عن تجارة حرة بين لوبيات الفساد السياسي والاقتصادي وهيمنته على المشهد السياسي وذلك عن طريق شراء الاصوات والذمم في استغلال البؤس والفقر والجهل لابناء هذا الوطن.

لكن ما هو واقع أمام أعيننا يبين العكس بحيث تنطلق الحملة الانتخابية مستغلين أموال الدولة.

الى جانب ذلك عرف النضال السياسي تراجعا خطيرا حيث سميت فترة بسنوات القمع الاسود ،وهو ما انعكس على العمل النقابي حيث عرف تدهورا بدوره ايضا، مند الاضراب العام 14 دجنبر 1990,والذي توج بما سمي باتفاق غشت 1996 المشؤوم ، والذي مهد ما سمي بحكومة التناوب التي اشرفت بدورها على اتفاق 30ابريل 2002 .الشيئ الذي يوضح بالملموس دخول النضال النقابي في مرحلة الجمود، بعد دخول المركزيات النقابية UMT,CDT,UGTM في مسلسل السلم الاجتماعي، وذلك على حساب مصالح الفئات الشعبية عموما ، والطبقة العاملة على وجه الخصوص ، خاصة بعد المصادقة على مدونة الشغل التي تشرعن استعباد الطبقة العاملة مما زاد في تردي أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ان ما آلت اليه الوضعية السياسية بشكل عام في تلك المرحلة هو نتيجة طبيعية لمشاركة احزاب سياسية تقليدية فيما تسمى بحكومة التناوب سنة 1998.

مند ذلك الحين إلى الفترة التي نعيشها حاليا ,اي ما يعادل 27 سنة من عمر حكومة التناوب التوافقي التي دشنت مايسمى بمرحلة الانتقال الديمقرطي، هذه الأخيرة عرفت ترديا خطيرا ، وازدادت الاوضاع تأزما بشكل يفوق ما اصطلح عليه بالسكتة الفلبية ، حيث ان المغرب أصبح مرتبا حسب سلم الامم المتحدة في المراتب الاخيرة من حيث الفقر ، الامية ، والبطالة مع تردي التعليم والصحة، مما يؤكد انغماس الدولة في سياسة استكمال برنامج التقويم الهيكلي الذي بدا مسلسله مند 1983.

هذه السياسة فاقمت من الاوضاع الاجتماعية، في تزايد نسبة البطالة والتسريحات الجماعية التي تعرض لها الاف العمال والعاملات في قطاعات استراتيجية، كالنسبج وغيرها من القطاعات الصناعية والفلاحية، كنتيجة طبيعية لتخلي الدولة عن مسؤوليتها في الميدان الاجتماعي عبر تفويت ممتلكاتها إلى الخواص ،ناهيك عن بطالة حاملي الشهادات التي اصبحت تشكل المعادلة الصعبة اتجاه سياسة الدولة في ميدان التشغيل، أضف الى ذلك تردي أوضاع المدرسة العمومية التي تدهورت بشكل فضيع وعبرت عن الفشل التام لما سمي بميثاق التربية والتكوين، حيث المغرب يصنف حسب اليونيسكو في المرتبة الاسود حالا، وفي مجال الصحة حيث تنعدم الامكانيات وقلة الاطر بالإضافة الى أوضاع المستشفيات والمستوصفات وما آلت اليه الاوضاع في العالم القروي سجلت ولادات في الرصيف….عبر ضرب مجانية الصحة ،وذلك مشهود به في تقارير وتصنيفات منظمة الصحة الدولية.

5ـ وتاتي المرحلة التي عرفتها بالربيع العربي:

المرحلة المتمثلة في الصعود الاسلام السياسي في المنطقة المغاربية والعربية،وبلادنا عرفت احتجاجات في اطار 20فبراير وأفرزت دستور 2011 ممنوحا،وصعود حكومة PJD “المصباح” بقيادة حزب يرتكز على ايديولوجيا دينية واتسمت هذه المرحلة بالاستبداد والقمع ،بحيث لا شيئ تغير، فرئيس الحكومة يعمل تحت سلطة المخزن وينفذ تعليمات على شكل موظف عادي حتى نال تقاعده “المريح”، مما جعل هذا الحزب يشكل الامتداد الطبيعي للمرحلة السابقة على شاكلة حكومة التناوب 1998.

وبصفة عامة يمكن القول بأن هذه المرحلة اتسمت بالسياسة الرسمية للدولة القائمة على البنية الطبقية التي تنخرها الأزمة البنيوية التي ترتكز على اقتصاد الريع، وارتباطها بطبيعة النظام السياسي المغربي، والذي هو مرتبط بدوره بالمنظمات العالمية ذات الطبيعة الراسمالية والمتحكمة في الاقتصاد الوطني .

6ـ وبعد 2021، من تجربة الإسلاميين الى حكومة الأعيان :وكيف إعادة النظام المخزني تقديم صورته السياسية امام الحلفاء والمؤسسات المالية الدولية ، وأراد المخزن ان يسوق صورة اخرى بعد انتخابات 2021 ، من حزب ديني الى حزب الاعيان ، والسبب الواضح طبيعة التحالف الحكومي الذي جمع التجمع الوطني للاحرار والاصالة والمعاصرة وتسجيده كذلك في حزب الاستقلال المعروف بالريع مند الاستقلال الشكلي حزب تقليدي محافظ،وهذه الاحزاب ذات المرجعية الايديولوجية التقاربية ،واحزاب ذات حضور قوي داخل النخب الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية.
ومن هنا السؤال الذي يهم هذه الندوة ليس تقييم حزب بعينه، وإنما اليحث في مفهوم المسؤولية الجماعية عن الحصيلة الحكومية، والسؤال المطروح:

من المسؤول عن قانون الإضراب القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط وكيفية ممارسة حق الاضراب إحدى القضايا الاجتماعية والسياسية الأكثر حساسية؟ للتذكير فقط: صادق مجلس النواب في 25 دجنبر2024 على المشروع ب 124 صوت مقابل 41 دون امتناع، بينما لم يشارك 230 نائبا في التصويت من 395.

كما صادق مجلس المستشارين في 3 فبراير 2025 :41 صوت مقابل 7.

هذه المعطيات لا ينبغي أن تستخدم فقط لإدانة طرف سياسي بل تفتح سؤالا اوسع حول المشاركة البرلمانية في القضايا ذات طبيعة الاجتماعية الاستراتيجية .

وهل تمت حماية القدرة الشرائية لكافة المستضعفين في ظل هذه الحكومة؟

من المسؤول عن ارتفاع اسعار عدد المواد ، بما فيها اسعار الأضاحي ؛والنقاش الذي دار حول الوسطاء والفراقشية من صناعة هاته الحكومة؟

مفهوم الدولة الاجتماعية تحول إلى مجرد شعار انتخابي؟؟فالصحة والتعليم والشغل والحماية الاجتماعية ليست هبات تقدمها الاحزاب للمواطنين /ات و إنما حقوق ومسؤولية عمومية .

ولهذا يجب أن يكون السؤال للمكونات الثلاث:
ماذا وعدتم؟
ماذا أنجزتم ؟
ماذا لم تنجزوا؟ ولماذا؟
ومن يتحمل المسؤولية؟
من المسؤول عن السياسات العمومية والقرارات التي تمس الحياة اليومية للمواطن؟
وكيف ينبغي تقييم عمل الاغلبية الحكومية؟
هل الخلاف بين مكونات الأغلبية خلاف حول السياسات أم حول المواقع الانتخابية؟
متى بدأ هذا الخلاف تحديدا ، وما هي القرارات التي عارضها كل طرف داخل الحكومة؟
هل يستطيع أي حزب مشارك في الحكومة التنصل من حصيلة كان جزءا من صناعتها؟

7ـ المفاجأة :
تتبعنا عبر التواصل الاجتماعي مشادات بين الحزبين الأحرار والبام والثالثهم في” تهدين” نفاقا ويطلب من الله ان يقوي( شيطانهم كما يقال بالدرجة) ،أحزاب في الحكومة منذ 2022 ومسؤولين عن الازمة والغلاء وتفكيك الأسر المغربية…

8ـ لا أحد يدخل الحكومة بريئا من حصيلتها.
إن المشاركة في الحكومة ليست مجرد امتياز سياسي أو حضور في الصورة الجماعية لمجلس الوزراء أنها مسؤولية .
ومن يدخل الى الأغلبية ،يدخل معها في تعاقد سياسي و أخلاقي مع المواطنين .
وحين يتعلق الأمر بحكومة تضم أحزابا مثل التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال ، فإن المسؤولية لا يمكن اختزالها في حزب واحد، لأن القرارات الكبرى والسياسات العامة والميزانية والقوانين مرت عبر مؤسسات شاركت فيها مكونات الأغلبية.
لهذا يصبح من المشروع ان نسأل :
من كان يدبر قطاع الاسكان؟
من كان مسؤولا عن التشغيل؟
من كان يدبر قطاع الشباب ؟
من كان يقود وزارة العدل؟
من كان يشارك في إعداد الميزانيات العمومية والدفاع عنها؟
ومن كان يصوت داخل البرلمان عن القوانين والسياسات الحكومية؟
أسئلة ضرورية لاستعادة معنى المسؤولية السياسية.
لان السياسة، في أبسط تعريفاتها، تعني أن يتحمل الإنسان نتائج اختياراته.

أما أن نكون شركاء عندما يتعلق الأمر بالسلطة ، ثم نتحول الى معارضة عندما تقترب الانتخابات ، فتلك ممارسة تستحق النقاش.
من صنع الارضية التي ينتقدها اليوم؟
المفارقة الكبرى أن بعض الخطابات السياسية أصبحت تشتكي اليوم من ظواهر مثل المضاربة والريع وتضارب المصالح، وكأن هذه الظواهر ظهرت فجأة خارج المنظومة السياسية والاقتصادية.
لكن الفساد لا ينزل من السماء.
والريع لا ينمو وحده.
وتضارب المصالح لا يصبح مشكلة الا عندما توجد بيئة قانونية وسياسية تسمح له بالتمدد.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقا:
من وفر الارضية السياسية والاقتصادية التي سمحت لهذه الظواهر بالاستمرار؟

حين يتم الحديث عن رفض او تعثر مبادرات مرتبطة بتجريم الإثراء غير المشروع ، او تعزيز آليات مكافحة تضارب المصالح، او تفعيل سياسات مكافحة الفساد ، فإن المسؤولية لا ينبغي أن ترمى في الهواء .
المؤسسات السياسية هي التي تشرع والحكومات هي التي تنفذ .
والبرلمانات هي التي تراقب.
والاحزاب هي التي تقدم نفسها للمواطنين باعتيارها حاملة لمشاريع سياسية.

فإذا كانت هذه المؤسسات نفسها اليوم تعترف ، بشكل مباشر او غير مباشر ،بان الفساد والريع والمضاربة اصبحت مشكلات بنيوية، فمن حق الرأي العام أن يسأل:
ماذا فعلتم عندما كانت لديكم السلطة لاتخاذ القرار؟
من أخطر الاختلالات التي يمكن أن تصيب الممارسة السياسية هو اختباء الفاعلين الحزبيين خلف التوجيهات الكبرى من اجل الهروب من مسؤوليتهم التنفيذية والسياسية.

9ـ فالسياسة النبيلة ليست أن تعرف كيف تهاجم خصمك.بل ان تمتلك الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بمسؤوليتك أمام الشعب.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل هذا الجدل:
هل نحن أمام صراع حقيقي بين مشاريع سياسية مختلفة ، أم أمام صراع على المواقع داخل مشروع سياسي واحد؟
الدخول السياسي بين تنافس الاحزاب..وتراجع ثقة المواطن.
مع كل دخول سياسي ، يعود المشهد الحزبي إلى الواجهة، وتشتد المنافسة بين الأحزاب الحكومة والمعارضة، وتتبادل القيادات الاتهامات والوعود ، وكأننا أمام مشهد يتكرر كل خمس سنوات دون أن تتغير نتائجها على أرض الواقع.
في المقاهي والفضاءات العمومية ، يردد كثير من المواطنين باللهجة المغربية” ما كيحشموش….ديما هما فالمشهد.”وهي عبارة تعكس حجم الاحباط الذي يشعر به جزء من الرأي العام تجاه النخب السياسية ، بعدما أصبحت الوجوه نفسها تتناوب على مواقع المسؤولية ، بينما تستمر معاناة المواطن مع البطالة وغلاء المعيشة وضعف الخدمات الاساسية .
ويطرح هذا الواقع أسئلة مشروعة : هل تتنافس الأحزاب على تقديم مشاريع مجتمعية حقيقية ، أم أن الصراع يقتصر على اقتناص الأصوات والمقاعد؟ وهل تحولت الكتلة الناخبة إلى مجرد أرقام انتخابية تستحضر في موسم الانتخابات تم تنسى بعد إعلان النتائج؟
كما يلاحظ المتابع ان الخطاب السياسي فقد الكثير من جاذبيته وقدرته على الاقناع ، واصبح في كثير من الأحيان أسير الاتهامات المتبادلة والشعارات ، بدل تقديم برامج واضحة وحلول عملية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤرق المغاربة.
ومن بين الملاحظات التي تثير الانتباه أيضا كثرة الاحزاب السياسية التي تختلف في الأسماء والرموز ، لكنها تبدو متشابهة في الممارسة وضعف الرؤية الاستراتيجية ، مما يطرح تساؤلات حول قدرتها على إنتاج نخب سياسية مستقلة وقادرة على صناعة القرار وخدمة المصلحة العامة.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بالحاح : ما جدوى الانتخابات إذا كان جزء من المواطنين يشعر بأن اختياره لا ينعكس على السياسات العمو مية او على تحسين أوضاعه المعيشية ؟ وكيف يمكن استعادة الثقة في العمل السياسي وجعل الانتخابات محطة حقيقية للتنافس حول البرامج والكفاءات، لا مجرد مناسبة لتبادل المو اقع والادوار؟

إن الديمقراطية لا تقاس فقط بتنظيم الانتخابات، بل أيضا بمدى قدرة المؤسسات والاحزاب على ترجمة إرادة المواطنين الى سياسات عمومية تحقق العدالة الاجتماعية ، وتعزز الكرامة ، وتعيد الثقة بين المواطن والسياسة.

10ـ واخيرا تأتي الندوة حول الانتخابات التشريعية لسنة 2026 في ظرفية سياسية اجتماعية تفرض أكثر من مجرد النقاش حول المقاطعة .إنها مناسبة لإعادة طرح السؤال السياسي في جوهره :
ماذا تعني الانتخابات بالنسبة للعمال والكادحين والشباب والمعطلين والفئات الشعبية؟

هل يتعلق الأمر فعلا بتغيير في الاختيارات والسياسات ، أم مجرد تغيير في الوجوه والرموز والشعارات؟
في المشهد الانتخابي، تتعدد الاحزاب والتيارات المشاركة وااتي يتجاوز عددها سبعة وعشرين حزبا، بما يوحي ظاهرين بتنوع كبير في العرض السياسي.

لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح بعيدا عن منطق الارقام والحملات الانتخابية:
هو الى أي حد يعكس هذا التعدد اختلافات حقيقيا في البرامج والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟
هل يكفي وجود أكثر من سبعة وعشرين ،وتعدد اللوائح والر موز والألوان والشعارات ، للحديث عن تعددية سياسية؟
لكن المقاطعة تطرح بدورها أسئلة؟
كيف يمكن تحويل المقاطعة من مجرد امتناع عن التصويت إلى فعل سياسي واجتماعي منظم؟
كيف يمكن إقناع العامل والكادح والشاب والعاطل بان المقاطعة ليست انسحابا من الشأن العام، وإنما اختيار سياسي له أهدافه وأدواره وأفاقه؟
وكيف يمكن للمقاطعة ان تتحول إلى مناسبة للرفع الوعي السياسي والطبقي، وبناء التنظيم الجماهيري ، وتقوية الحضور داخل الأحياء الشعبية وأماكن العمل والجامعة والفضاءات الاجتماعية؟
فاذا كانت المقاطعة لا تنتج وعيا جديدا ولا تنظيما جديدا ولا قوة اجتماعية جديدة , فانها قد تبقى في حدود الامتناع عن التصويت
أما إذا ارتبطت بالنضال اليومي والدفاع عن الحقوق والمطالب وبناء أدو ات التنظيم ؛فانها تصبح جزءا من مشروع سياسي أوسع.

11ـ وأين يوجد البديل الديمقراطي؟

إذا كانت القوى اليسارية ومنها على الخصوص النهج الديمقراطي العمالي، وبعض اليسار المنتقد للواقع القائم وتطرح تحفظاتها على المسار الانتخابي، فإن السؤال الذي لا يمكن تفاديه هو: ما البديل ؟
لا يكفي القول أن النموذج القائم يعاني من اختلالات ، ولا يكفي تشخيص الفقر والبطالة والهشاشة والريع والفساد وتدهور الخدمات العمومية.
فالجماهير تحتاج ايضا إلى إجابات حول شكل البديل ومضمون وقواه الاجتماعية والسياسية القادرة على حمله.
البديل الديمقراطي لاينبغي اختزاله في تعبير حكومة او تغيير أغلبية برلمانية ، وإنما في بناء شروط سياسية واجتماعية تسمح للمواطنين ، وخاصة للطبقات الكادحة، بان يكونوا فاعلين الاختيارات التي تمس حياتهم ومستقبلهم.
وهذا يطرح اسئلة اساسية:
اي ديمقراطية نريد؟
هل يمكن بناء ديمقراطية سياسية من دون ديمقراطية اجتماعية واقتصادية؟
كيف يمكن إعادة توزيع الثروة والسلطة بما يخدم الاغلبية؟
ما موقع الطبقة العاملة في مشروع البديل الديمقراطي؟
وكيف يمكن لليسار ان ينتقل من موقع رد الفعل والاحتجاج إلى بناء قوة اجتماعية وسياسية منظمة؟
هل نستطيع أن نختلف في التكتيك الانتخابي، ونتفق في الوقت نفسه على القضايا الاستراتيجية التي تهم العمال والكادحين والجماهير الشعبية؟
لهذا فإن أهمية ندوة الانتخابات التشريعية 2026 تكمن في قدرتها على فتح هذا النقاش ، لا في إعادة إنتاج السجال التقليدي بين المشاركة والمقاطعة.
المطلوب هو أن نجعل من الندوة مساحة للتفكير في المعنى السياسي للانتخابات ، وحدودها وإمكاناتها ، ودواعي المقاطعة ومهام اليسار ، وشروط بناء البديل الديمقراطي والاجتماعي.
فالمسالة في النهاية ليست فقط هل نقاطع؟
بل: اي مجتمع نريد؟ واي ديمقراطية نريد؟
ومن يملك القدرة على تغيير موازين القوى؟ وكيف نبني القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على تحقيق ذلك؟