حزب النهج الديمقراطي العمالي يخوض معركته السياسية من موقع مقاطعة الانتخابات

حزب النهج الديمقراطي العمالي يخوض معركته السياسية من موقع مقاطعة الانتخابات




في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الحملة الانتخابية استعداداً لانتخابات 23 شتنبر 2026، اختار حزب النهج الديمقراطي العمالي أن يخوض معركته السياسية من موقع مختلف: مقاطعة الانتخابات، والتوجه مباشرة إلى المواطنين لشرح أسباب هذا الاختيار.

وفي هذا السياق، جاءت كلمة الرفيق جمال براجع، الأمين العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي، لتفتح نقاشاً يتجاوز حدود الحملة الانتخابية التقليدية. فخلال أربعة أيام فقط من نشر الكلمة على صفحتي في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تجاوز عدد المشاهدات 30 ألف مشاهدة، وهو رقم لافت بالنسبة إلى خطاب صادر عن حزب معارض اختار عدم المشاركة في الاستحقاق الانتخابي.

واللافت هنا ليس الرقم وحده، بل《 المفارقة التي يحملها》: حزب يقاطع الانتخابات، وفي المقابل تحظى رسالته بمشاهدة واسعة في الفضاء الرقمي.

لماذا يقاطع النهج الديمقراطي العمالي الانتخابات؟

موقف الحزب ليس وليد الحملة الانتخابية الحالية. فقد أعلنت اللجنة المركزية لحزب النهج الديمقراطي العمالي أن انتخابات شتنبر 2026 لا تتوفر، في تقديرها، على الحد الأدنى من شروط الديمقراطية، وربطت موقف المقاطعة بما تعتبره استمراراً للتحكم في الحياة السياسية والانتخابية، وغياب ضمانات كافية للحريات العامة وحرية الصحافة والعمل السياسي للمعارضة.

وبذلك، لا يقدم الحزب مقاطعته باعتبارها انسحاباً من السياسة، وإنما باعتبارها موقفاً سياسياً احتجاجياً، ودعوة إلى المواطنين للتعبير عن رفضهم لما يعتبره الحزب مساراً انتخابياً لا يفضي إلى التغيير الديمقراطي المنشود.

وقد جدد الحزب، في يوليوز الماضي، موقفه الداعي إلى مقاطعة الانتخابات، واعتبرها «انتخابات صورية»، داعياً إلى ما سماه «المقاطعة الواعية».

30 ألف مشاهدة.. هل تعني أن خطاب المقاطعة يجد آذاناً صاغية؟

لا يمكن، بطبيعة الحال، اعتبار عدد المشاهدات في حد ذاته مؤشراً انتخابياً أو دليلاً على حجم التأييد السياسي للحزب. فالمشاهدة لا تعني بالضرورة التصويت أو حتى الاتفاق مع مضمون الخطاب.
لكن 30 ألف مشاهدة في أربعة أيام تظل رقماً يستحق التوقف عنده إعلامياً.
فالرقم يكشف، على الأقل، عن وجود اهتمام بالرسالة وبصاحبها وبالسؤال الذي يطرحه الحزب حول جدوى المشاركة في انتخابات يعتبرها غير ديمقراطية.

والأهم أن هذا الانتشار حدث في فضاء رقمي مفتوح، حيث يستطيع المواطن أن يشاهد الخطاب أو يرفضه أو يناقشه أو يشاركه، بعيداً عن القنوات التقليدية للتواصل السياسي.

هنا يصبح السؤال أكثر أهمية:
إذا كان صوت حزب النهج الديمقراطي العمالي محاصراً في المجال السياسي والإعلامي، فلماذا يجد طريقه بهذه القوة إلى الفضاء الرقمي؟

حين تصبح المقاطعة نفسها حملة انتخابية

المفارقة الثانية أن الحزب، رغم عدم مشاركته في الانتخابات، أطلق حملة للمقاطعة بالتزامن مع الحملة الانتخابية الرسمية.

وقد أعلن الحزب انطلاق حملته من حي البرنوصي بالدار البيضاء يوم 11 شتنبر، حيث دعا إلى مقاطعة انتخابات 23 شتنبر، مؤكداً موقفه القائل إن الاستحقاق لا يوفر، من وجهة نظره، شروط انتخابات ديمقراطية ونزيهة.

لكن حملة المقاطعة لم تمر، وفق ما نشره الحزب، دون احتكاك مع السلطات. فقد تحدث الحزب عن تعرض مناضلاته ومناضليه في البرنوصي للحصار والتضييق والدفع والاستفزاز وسلب المناشير، معتبراً أن ذلك استهدف منعهم من التواصل مع المواطنين.
وهنا تبرز مفارقة ثالثة:

كلما ضاقت منافذ التواصل السياسي في الشارع، اتسعت مساحة التواصل في العالم الرقمي.

الرفيق جمال براجع، الذي جدد حزب النهج الديمقراطي العمالي الثقة فيه أميناً عاماً لولاية ثانية خلال المؤتمر الوطني السادس في غشت 2026، يقود اليوم خطاب الحزب في واحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية.

وفي خطاباته، لا يقدم براجع المقاطعة باعتبارها موقفاً عابراً، بل يربطها برؤية سياسية أوسع تتعلق بمشروع بناء حزب مستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين. وقد أكد عقب المؤتمر الوطني السادس أن الحزب سيواصل العمل من أجل هذا المشروع السياسي.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم كلمة براجع التي حققت أكثر من 30 ألف مشاهدة باعتبارها جزءاً من معركة سياسية على مستوى الأفكار والخطاب
وليس مجرد فيديو انتخابي عابر.
30 ألف مشاهدة.. رقم صغير أم رسالة كبيرة؟
قد يرى البعض أن 30 ألف مشاهدة على فيسبوك لا تعني الكثير في بلد يبلغ عدد سكانه ملايين المواطنين.
وهذا صحيح إذا أردنا تحويل الرقم مباشرة إلى نسبة تأييد سياسي.
لكن المسألة تختلف عندما ننظر إلى الرقم باعتباره مؤشراً على مدى وصول خطاب سياسي معين إلى الجمهور.
فحزب لا يشارك في الانتخابات استطاع، خلال أربعة أيام، أن يصل بخطاب أمينه العام إلى عشرات الآلاف من المشاهدين.
وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً على الفاعلين السياسيين والإعلاميين:

هل ما زالت الانتخابات هي المجال الوحيد لقياس الحضور السياسي للأحزاب؟
ربما لا.

فالفضاء الرقمي أصبح اليوم ساحة سياسية قائمة بذاتها؛ فيه تُناقش البرامج والمواقف، وتنتشر الخطب، وتُبنى القناعات، وتظهر الأصوات التي قد لا تجد لها مساحة كافية في الإعلام التقليدي.

فالنهج الديمقراطي العمالي، من خلال خطابه وحملته، يحاول تحويل عدم المشاركة في صناديق الاقتراع إلى مشاركة سياسية من نوع آخر: التواصل مع المواطنين، شرح أسباب المقاطعة، وانتقاد ما يعتبره الحزب اختلالات في المسار السياسي والانتخابي.
وفي المقابل، فإن انتشار كلمة جمال براجع بهذا الشكل لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حكماً مسبقاً على نتائج الانتخابات، ولا باعتباره دليلاً على حجم المقاطعة يوم 23 شتنبر.

لكنه بالتأكيد يؤكد أن الرسالة وصلت إلى جمهور واسع.
وهذا في حد ذاته يستحق النقاش.

في انتخابات 23 شتنبر 2026، لن يكون السؤال فقط: من سيشارك؟ ومن سيحصل على الأصوات؟

هناك سؤال آخر تطرحه تجربة النهج الديمقراطي العمالي:
ماذا يحدث عندما يختار حزب معارض مقاطعة الانتخابات، لكنه ينجح في إيصال صوته إلى عشرات الآلاف من المواطنين؟
30 ألف مشاهدة في أربعة أيام ليست نتيجة انتخابية، لكنها
رقم سياسي وإعلامي لافت.

وربما تكمن دلالته الأهم في أن محاولة تهميش صوت سياسي في المجال العمومي لا تعني بالضرورة اختفاءه؛ فقد يجد هذا الصوت طريقاً آخر إلى الناس.

وفي زمن أصبحت فيه الهواتف المحمولة شاشات سياسية مفتوحة، قد يكون من الصعب إسكات خطاب بمجرد تضييق المجال أمام صاحبه.

فالانتخابات تُجرى في صناديق الاقتراع، لكن المعركة على الأفكار أصبحت تُخاض أيضاً على شاشات الهواتف.

محمد علاي