السودان: إدارة الحرب أم إنهاؤها؟
كلمة الميدان:
إدارة الحرب أم إنهاؤها؟
بينما تتواصل الحرب، ويتسع النزوح واللجوء، وينهار الإقتصاد بمعدلات مخيفة، وتنحدر الأوضاع المعيشية للمواطنين إلى قاع غير مسبوق، تتكاثر المبادرات السياسية وتنهال الدعوات إلى المؤتمرات والحوارات، تحت عناوين براقة تخفي في جوهرها مساعي إدارة الحرب وإطالة أمدها، بدلاً من فتح الطريق لإنهائها.
إن تعدد المبادرات، وسط استمرار القتال، يقتضي استحضار الحقيقة الكبرى التي تكشفها سنوات الحرب الممتدة: آلاف القتلى والجرحى، ملايين النازحين واللاجئين، تدمير الإنتاج والبنية التحتية، إنهيار العملة، إرتفاع الأسعار، واتساع دوائر الفقر والجوع. تلك حصيلة وطن يُستنزف، وشعب يُدفع إلى حافة الهلاك، بينما تتواصل المناورات السياسية والعسكرية فوق أنقاض الحياة.
الحل السياسي ضرورة تاريخية حين يصبح مدخلاً لإنهاء الصراع ومعالجة جذوره. أما حين يتحول إلى مسار موازٍ للمعارك، فإنه يتيح للأطراف المتحاربة إعادة ترتيب مواقعها السياسية والعسكرية، ويمنح الحرب زمناً إضافياً تحت غطاء الحوار. وكل انتقال من مبادرة إلى أخرى، دون وقف فعلي وملزم للقتال، يراكم كلفة الدم والدمار، ويؤجل استحقاق الخلاص الوطني.
ويكشف الواقع الراهن أن شعار «الحوار السوداني–السوداني» يجري توظيفه كغطاء سياسي لإعادة إنتاج سلطة الأمر الواقع في بورتسودان. وقد لخّص بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني جوهر هذه المبادرة بوضوح، حين أكد «إن المبادرة فى الواقع تعمل على توحيد المعسكر السياسي لهذه السلطة وإيجاد شرعية ما للإنقلابيين لحكم الدولة السودانية وهو ما ظلت تبحث عنه سلطتهم منذ إنقلاب 25 اكتوبر 2021 وحتى الآن». ويكشف هذا التوصيف أن القضية تتجاوز مجرد الدعوة إلى الحوار، لتتصل بمسعى سياسي يستهدف توحيد القوى المحيطة بسلطة الأمر الواقع ومنحها غطاءً سياسيًا وشرعية لحكم الدولة.
الحوار الوطني الحقيقي يستند إلى إرادة الشعب، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، ويعالج جذور الأزمة. أما إعادة تدوير مراكز السلطة التي قامت على الإنقلاب والحرب، فتفتح الطريق أمام شرعنة الأمر الواقع الذي فرضته القوة المسلحة، وتجهض جوهر التغيير.
وجوهر الأزمة السودانية يتجاوز الحرب الراهنة إلى تراكمات تاريخية وصراعات حول السلطة والثروة والموارد، وطبيعة الدولة، ومن يملك القرار ويتحكم في مؤسساتها. وقد كشفت الحرب بجلاء صعود إقتصاد الحرب بوصفه مصلحة قائمة بذاتها، تتغذى على شبكات التهريب والإحتكار والنفوذ، وتحوّل موارد البلاد إلى أدوات لتمويل الصراع، بينما يدفع الشعب الثمن من قوته وأمنه ومستقبله.
ومن هنا، فإن مواجهة الحرب تقتضي تفكيك إقتصاد الحرب وشبكات مصالحه، واستعادة الموارد المنهوبة، وتوجيه الثروة الوطنية إلى الغذاء والصحة والتعليم والإنتاج وإعادة الإعمار. فكل يوم إضافي من القتال يوسع نفوذ المستفيدين من الحرب، ويعمق إختطاف الإقتصاد والسياسة لصالح قوى السلاح والإحتكار.
ويترافق ذلك مع تصعيد خطير للنعرات القبلية والجهوية والعنصرية، عبر تحويل الإنتماءات الإجتماعية إلى وقود للصراع، وطمس جذوره السياسية والإقتصادية. إن تفكيك المجتمع إلى جماعات متناحرة يهدد وحدة البلاد، ويعمق جراحاً ستظل مفتوحة حتى بعد توقف إطلاق النار.
المطلوب اليوم مسار شعبي واضح يبدأ بوقف الحرب وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، واستعادة الطريق إلى الدولة المدنية الديمقراطية، وتحقيق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة.
وهذا المسار يصنعه الشعب وقواه الوطنية الديمقراطية، عبر التوحد والضغط الجماهيري ومحاصرة سلطتي الأمر الواقع في بورتسودان ونيالا، وكما أكد بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، «من أجل إنهاء الحرب وإسقاط دعاتها في مختلف مواقعهم داخل وخارج الوطن وصولاً لحكم ديمقراطي يضع البلاد على طريق التغيير الجذري ويقضي على أسباب الإحتراب».
الشعب أولاً؛ ووقف الحرب بوابة استرداد الثورة.
الميدان 4517،، الثلاثاء 22 سبتمبر 2026

