العمل الجماهيري: أولويات الراهن

العمل الجماهيري: أولويات الراهن




كلمة الميدان:
العمل الجماهيري: أولويات الراهن

ما تزال الحرب، بما تناسل عنها من مآسٍ وأزمات، تضرب في طول السودان وعرضه، وتمتد آثارها إلى البلدان المجاورة، مخلفةً تدهورًا متسارعًا في الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. ويواجه أكثر من 25 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، فيما تجاوز عدد النازحين واللاجئين 15 مليونًا، في واحدة من أفدح الكوارث الإنسانية في تاريخ البلاد الحديث.

وعلى الرغم من الضجيج الدبلوماسي وتعدد المبادرات والمساعي المعلنة لإنهاء الحرب، تمضي الوقائع الميدانية في اتجاه التصعيد، وتتوالى التهديدات والإستعدادات لجولات جديدة من المواجهة. وتكمن إحدى مفارقات المأساة في أن بعض القوى الإقليمية والدولية المتورطة في تأجيج الحرب تتصدر، في الوقت ذاته، مشهد الوساطات والتحركات الدبلوماسية، فتجمع بين إشعال النيران والتظاهر بالسعي إلى إطفائها، وفقًا لحسابات مصالحها ونفوذها. وبين تصاعد المعارك التي تحصد أرواح العشرات والمئات، وتزاحم المبادرات والضغوط الدبلوماسية، يظل أفق نهاية الحرب غامضًا، بينما يدفع الشعب السوداني ثمنًا باهظًا لصراع تتشابك فيه المصالح الداخلية والخارجية.

وقد انعكست هذه التحولات على القوى المدنية ومواقفها، وفتحت المجال أمام مراجعات تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها. إن السودان يقف أمام منعطف يستدعي إعادة ترتيب الأولويات، وتحديد مواقع الفعل والتأثير، والإنطلاق من إحتياجات الجماهير الحية، وفي مقدمتها تعزيز صمودها وتماسكها، والعمل المشترك لتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة وصون الكرامة الإنسانية.

وفي خضم هذا الواقع، أخذت تتبلور إرهاصات للمقاومة والتصدي، ومحاولات جادة لكسر دائرة الإنتظار والخوف، والإنتقال من الترقب إلى المبادرة، ومن العزلة إلى الفعل الجماعي. ومن التكايا ولجان الطوارئ إلى لجان المقاومة والميثاق الثوري، وقوى التغيير الجذري والنقابات الديمقراطية، تتقدم مسيرة بناء الوحدة النضالية القاعدية، خطوةً إثر خطوة، عبر توحيد الجهود حول مطالب الجماهير المباشرة، وربطها بالنضال من أجل وقف الحرب واسترداد الثورة وبناء الدولة المدنية الديمقراطية.

إن استعادة المبادرة الجماهيرية، بعد سنوات من واحدة من أكثر الحروب دموية، تتطلب إطلاق طاقات الشعب في الداخل، والاستفادة من امتداداته في بلدان اللجوء والشتات، وتوظيف مختلف أشكال التنظيم والتضامن والكفاح المتاحة. فقد برهنت الجماهير، مرارًا، على قدرتها على الصمود وابتداع أساليب جديدة للمقاومة والتكافل، وتحويل المبادرات المحلية إلى قوة اجتماعية منظمة. وهذه قراءة تستند إلى الوقائع ومسارات الصراع، وإلى حقيقة أن الجماهير تظل العامل الحاسم في تغيير موازين القوى، متى امتلكت أدوات التنظيم ووحدة الهدف والإرادة السياسية.

لقد سخّرت القوى الرجعية وحلفاؤها الإقليميون فائض القوة العسكرية والموارد والنفوذ لفرض واقع الدمار وإشاعة الخوف، غير أن إرادة الجماهير ما تزال حاضرة، وطلائعها تجد سندها في قطاعات واسعة من الشعب، وفي موجة التضامن الأممي مع تطلعات السودانيين إلى الحرية والسلام والعدالة. ومن هنا تبرز أولوية العمل الجماهيري المنظم، بوصفه طريقًا لتعزيز الصمود، وتوسيع المقاومة الشعبية، واسترداد المبادرة، وفتح الطريق أمام استكمال مهام ثورة ديسمبر المجيدة.

إن اتساع الحرب وتفاقم مآسيها، بالتزامن مع تصاعد الإدانات الدولية للجرائم والانتهاكات التي يرتكبها طرفاها، يضاعف أهمية ربط نضال الجماهير في الداخل بحركة التضامن الدولي. وقد أسهم نضال الجماهير من أجل حقوقها العاجلة، وبروز قياداتها رغم قسوة الظروف وشح الإمكانات، في تعزيز الحضور السياسي لقضايا الشعب السوداني وتوسيع الحراك السلمي وتعميق العزلة السياسية لسلطتي الأمر الواقع.

وعلى الصعيد الدولي، مثّل قرار مجلس حقوق الإنسان الأخير تطورًا مهمًا في مسار مساءلة سلطتي الأمر الواقع، وعكس تنامي تفهم بعض الحكومات لمواقف القوى المدنية ومطالبها. وتضع هذه التطورات مسؤوليات مضاعفة على قوى التغيير وحلفائها لاستثمارها في توسيع التضامن الدولي، وتعزيز حماية المدنيين، ومناهضة الإفلات من العقاب.

وفي هذا السياق، تبرز أولوية مبادرة قوى التغيير والقوى الثورية إلى توثيق الجرائم والانتهاكات والتحقق منها، وإحالتها إلى الآليات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، دعماً لجهود المساءلة.

كما يتعين على التجمعات السودانية وقوى التغيير توسيع التواصل مع المنظمات الشعبية والقوى الديمقراطية في البلدان الأفريقية التي امتنعت حكوماتها عن التصويت للقرار، لبناء حركة تضامن فاعلة تحشد الرأي العام دعماً لحقوق الشعب السوداني ومطالب قواه المدنية. وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة في كينيا وغانا، من خلال تنسيق المبادرات السودانية في المهجر مع الحراك المدني الديمقراطي المحلي، بما يدعم مراجعة المواقف الرسمية.

وفي البلدان العربية التي صوّتت حكوماتها ضد القرار، تبرز أهمية تحرك تجمعات السودانيين، وفقاً لظروفها والقوانين السارية في البلدان المضيفة، لتعزيز التواصل مع القوى الشعبية والمدنية، والضغط من أجل مراجعة تلك المواقف أو تحييدها، بما يسهم في توسيع التضامن مع الشعب السوداني والاستجابة لمعاناته وتطلعاته.

وتتكامل هذه التحركات مع النضال الجماهيري في الداخل لتعزيز صمود الشعب ومقاومة سلطتي الأمر الواقع. فالحركة الجماهيرية، بما راكمته من خبرات في الكفاح ضد الأنظمة الديكتاتورية، تواصل تطوير أشكال تنظيمها وأدوات مقاومتها. ورغم الضربات القاسية التي ألحقتها الحرب بقواها وامتداداتها، تظل المبادرات المحلية والتضامن الشعبي ركيزتين أساسيتين لإعادة بناء الفعل الجماهيري واسترداد المبادرة السياسية.

وقد برهنت الحركة الجماهيرية على قدرتها على كشف المؤامرات ومقاومة الالتفاف على أهداف الثورة والدفاع عن مرتكزات التغيير الديمقراطي. ومع تفاوت مستويات التعبئة بفعل الحرب، تتجدد المبادرات وتتواصل مقاومة آثارها، استنادًا إلى تطلعات الجماهير إلى الحرية والسلام والعدالة.

وعليه، تقع على عاتق طلائع الحراك الشعبي مسؤولية تطوير أدوات التنظيم والتعبئة، وتعميق الصلة بين المطالب المعيشية المباشرة وأهداف التغيير الجذري. ويتطلب ذلك تجويد أساليب العمل وتوحيد الجهود والانفتاح على المبادرات الجماهيرية والتفاعل مع التحولات المتسارعة. فبالتنظيم القاعدي والوحدة النضالية والتمسك بالفعل الجماهيري السلمي، تتعزز قدرة الشعب على الصمود واسترداد المبادرة ومواصلة النضال من أجل استكمال مهام ثورة ديسمبر المجيدة.

الميدان،، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026م.