السودان: إيقاف الحرب واجب الساعة
كلمة الميدان:
إيقاف الحرب واجب الساعة
تدخل الحرب، بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف على اندلاعها، منعطفاً بالغ الخطورة مع تصاعد استخدام المسيّرات وتكنولوجيا القتل عن بُعد. ويكشف هذا التحول عن اتساع نطاق العمليات التي تهدد حياة المدنيين ومقومات بقائهم، وتحوّل البنية التحتية والخدمات الأساسية إلى ساحات للصراع، فيما يواجه الملايين النزوح والجوع والفقر وانهيار الخدمات.
وتكشف تطورات أكتوبر الجاري عن فداحة التصعيد؛ إذ أفادت تقارير أممية بمقتل ما لا يقل عن 306 أشخاص وإصابة مئات آخرين بهجمات المسيّرات خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر. وطالت الهجمات المنازل والأسواق والمستشفيات ومواقع النازحين ومنشآت الكهرباء والمياه في دارفور وكردفان وأبيي والنيل الأزرق والجزيرة والخرطوم وهيا ومناطق أخرى. كما أدى الهجوم على محطة المرخيات بأم درمان إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة من العاصمة لأكثر من اثنتي عشرة ساعة، بما انعكس على المستشفيات والمخابز ومحطات المياه، وعرّض المرضى ومصادر حفظ الأدوية لمخاطر إضافية. وتؤكد هذه الوقائع أن آثار الحرب تتجاوز ميدان القتال إلى شروط الحياة ذاتها.
إن استهداف المدنيين والأعيان المدنية يثير مسؤولية قانونية تقتضي التحقق من طبيعة كل هجوم وأهدافه وآثاره، وتحديد المسؤولين عن إصدار الأوامر وتنفيذها. فالقانون الدولي الإنساني يلزم أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في الهجمات، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان والمنشآت المدنية. وقد ترقى الهجمات المتعمدة على المدنيين والأعيان المدنية، متى توافرت أركان الجريمة، إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة الجنائية الفردية. ومن ثم، تقتضي حماية الضحايا توثيق الوقائع والأدلة، وإجراء تحقيقات مستقلة، وضمان محاسبة المسؤولين أمام جهات قضائية مختصة، بما يشمل المسؤولية القيادية حيث تنطبق شروطها القانونية، وإنهاء الإفلات من العقاب.
إن وقف الحرب يقتضي تحركاً سياسياً وجماهيرياً منظماً يتجاوز إدانة التصعيد إلى بناء قوة ضغط قادرة على التأثير. وتبدأ هذه المهمة بتشكيل لجان مناهضة للحرب في الأحياء ومواقع العمل والدراسة، وتنسيق جهودها مع لجان المقاومة والنقابات والتنظيمات النسوية والشبابية والمبادرات المدنية، لتوحيد المطالب وتنظيم حملات جماهيرية سلمية، وجمع الشهادات والأدلة بالتعاون مع الجهات الحقوقية المختصة، ومساندة المتضررين والنازحين، والضغط من أجل حماية المرافق الحيوية وتأمين وصول الإغاثة.
وعلى القوى المناهضة للحرب في الداخل والخارج توحيد خطابها ومبادراتها، وتوسيع التواصل مع المنظمات الحقوقية والأممية والنقابات والقوى الديمقراطية، للمطالبة بوقف الهجمات، والتحقيق في الانتهاكات، وملاحقة المسؤولين عنها وفق القانون، ودفع الأطراف نحو وقف شامل لإطلاق النار ومسار سياسي يفضي إلى الحكم المدني الديمقراطي.
إن بناء الجبهة الجماهيرية القاعدية، وتوحيد الفعل الشعبي السلمي، وتحويل التضامن إلى ضغط منظم، هي خطوات عملية لوقف الحرب، وحماية المواطنين، واسترداد الثورة، وفتح الطريق أمام الحرية والسلام والعدالة.
الميدان 4533،، الخميس 29 أكتوبر 2026م.

