كلمة الميدان: في مواجهة الوحش الإمبريالي الصهيوني
كلمة الميدان: في مواجهة الوحش الإمبريالي الصهيوني(1)
إن حرب الخليج الأولى التي إندلعت في أغسطس 1990، عقب إنهيار الإتحاد السوفيتي مباشرة، في أعقاب غزو العراق للكويت، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو عملية تهدف إلى “تحرير الكويت”! كما رُوِّج لها رسمياً. بل شكّلت في جوهرها خطوة إستراتيجية لتعزيز الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط، وإعلاناً عملياً عن ولادة نظام دولي جديد تتصدره الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة الوحيدة. كما مثلت خروجاً فاضحاً على روح القانون الدولي، ومنحت واشنطن شيكاً على بياض لإستخدام القوة العسكرية لترهيب الدول وفرض الإرادات وتغيير الأنظمة متى إقتضت مصالحها ذلك.
لقد مثّلت تلك الحرب نقطة تحول مفصلية في بنية السياسة الدولية والإقليمية. فمن جهة، رسخت الهيمنة الأمريكية وأطلقت مرحلة الأحادية القطبية؛ ومن جهة أخرى، أضعفت العراق بصورة منهجية، وعمّقت الإنقسامات داخل النظام العربي، وأعادت تشكيل توازنات المنطقة على نحو يخدم المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها. كما أسهمت في تعميق عزلة السودان الإقتصادية والسياسية خلال تسعينيات القرن الماضي، في سياق إعادة ترتيب العلاقات الدولية والإقليمية. وفي الإطار الأوسع، دشّنت تلك الحرب مرحلة ما سُمّي بـ«الحروب السريعة» عالية التكنولوجيا، حيث يجري توظيف التفوق العسكري والتقني الهائل لفرض الوقائع السياسية على الأرض، غالباً تحت غطاء الشرعية الدولية، وبإستخدام مؤسسات دولية – وعلى رأسها الأمم المتحدة – لتوفير المبررات القانونية للتدخلات العسكرية.
اليوم، تعيش المنطقة تصعيداً عسكرياً خطيراً عقب الضربات الواسعة التي إستهدفت إيران، وهو تطور يراه كثير من المحللين أخطر مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل، وربما الولايات المتحدة، منذ عقود طويلة. ولم تعد الحرب في هذا السياق مواجهة ثنائية بين طرفين فحسب، بل باتت مرشحة للإتساع لتشمل أطرافاً متعددة: إسرائيل وإيران، والولايات المتحدة ودول الخليج، فضلاً عن حلفاء إيران في الإقليم. وهو ما يضع الشرق الأوسط على حافة حرب إقليمية واسعة قد تتجاوز حدود الصراع التقليدي المعروف في المنطقة.
وقد بدأت بالفعل ملامح أزمة طاقة عالمية في التبلور مع الإرتفاع المتسارع في أسعار النفط والغاز، بالتوازي مع إتساع رقعة المواجهة وإحتمالات إمتدادها إلى لبنان وسوريا والعراق، وربما إلى الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر.
وبطبيعة الحال، فإن السودان – المثقل أصلاً بآثار حربه الداخلية وإنهيار مؤسساته الإقتصادية – لن يكون بمنأى عن تداعيات هذا التصعيد. فالإقتصاد السوداني يعتمد بدرجة كبيرة على الإستيراد، وأي إرتفاع كبير في أسعار النفط سينعكس مباشرة في شكل تضخم متصاعد وإرتفاع حاد في تكاليف النقل والغذاء والخدمات الأساسية. كما أن أي إضطراب في حركة الملاحة في البحر الأحمر قد يفضي إلى خنق إقتصادي فعلي، نظراً لإعتماد البلاد الحيوي على هذا الممر الإستراتيجي للتجارة والإمدادات.
وأمام هذه المعادلات الدولية المعقدة، لا يمكن للدول الضعيفة – أو ما يُعرف بدول الجنوب – أن تقف موقف المتفرج. فالتجربة التاريخية تُظهر بوضوح أن الحروب الإمبريالية لا تُدار من أجل القيم أو الشعارات، بل من أجل السيطرة على الموارد والأسواق ومصادر الطاقة. بالأمس كانت فنزويلا هدفاً للحصار والإبتزاز، واليوم تُستهدف إيران، وغداً قد تقع دولة أخرى فريسة لذات المنطق الإمبريالي.
إن هذه التطورات الخطيرة تفرض ضرورة تعزيز التضامن بين الشعوب والقوى الديمقراطية والوطنية في المنطقة لمواجهة الوحش الإمبريالي وأطماع إسرائيل التوسعية. أما بالنسبة للسودان، فإن التحدي المركزي يتمثل في توحيد صفوف القوى الوطنية والديمقراطية من أجل وقف الحرب الدائرة في البلاد، واستعادة الدولة المدنية الديمقراطية. فذلك وحده هو الضمان الحقيقي لصون وحدة السودان، وحماية سيادته الوطنية، وتمكين شعبه من مواجهة التحديات الإقليمية.
نواصل…
.

