كلمة الميدان: إرادة الشعوب لا تُقهر

كلمة الميدان: إرادة الشعوب لا تُقهر




كلمة الميدان:
إرادة الشعوب لا تُقهر

من احتجاجات جيل Z التي عمّت حوالي 26 دولة في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، إلى عودة لولا دا سيلفا والرئاسة في البرازيل، تتجلى حقيقة تاريخية راسخة: الشعوب تصنع التغيير حين تتراكم الأزمات وتنسد الآفاق أمام تطلعاتها. فالجوع والفقر والتهميش والاستبداد عوامل تفجّر المقاومة، وتفتح الطريق أمام بدائل سياسية واقتصادية واجتماعية تستجيب لمصالح الجماهير.

وفي السودان، حيث تتفاقم أزمة بنيوية عميقة بفعل الحرب والانهيار الاقتصادي واتساع رقعة الفقر والجوع والنزوح، تتضاعف ضرورة التغيير. فقد دمرت الحرب البنية التحتية ومصادر الإنتاج ومؤسسات الدولة، وعمّقت التفاوت الطبقي، وألقت بملايين المواطنين في دوامة العوز، فيما تتآكل الأجور والقدرة الشرائية وتتدهور خدمات الصحة والتعليم. وهكذا يغدو وقف الحرب معركة لإنقاذ الحياة، ومدخلاً لاستعادة مسار الثورة وإطلاق مشروع وطني ديمقراطي يعالج جذور الأزمة، ويضع مصالح الجماهير في صدارة الأولويات.

لقد فجّرت ثورة ديسمبر 2018 طاقات جماهيرية هائلة، وأطلقت مبادرات المقاومة والتنظيم عبر لجان المقاومة والنقابات الديمقراطية والأجسام المهنية والقواعد الشعبية. ثم أجهض الصراع على السلطة واستمرار بنية الدولة القديمة قسماً كبيراً من تطلعات الثورة، وصولاً إلى حرب أبريل 2023 التي دفعت البلاد نحو كارثة وطنية شاملة. وتفرض هذه التجربة استخلاص دروسها، وتحصين الحركة الجماهيرية من هيمنة القوى العسكرية ومراكز النفوذ الاقتصادي، وتعزيز استقلاليتها وقدرتها على الفعل المنظم.
وتتمثل المهمة الراهنة في بناء جبهة جماهيرية قاعدية واسعة، تتوحد حول برنامج واضح لوقف الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، وتفكيك بنية التمكين والاقتصاد الطفيلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية ديمقراطية. ويتطلب ذلك ربط النضال من أجل السلام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز دور العمال والمزارعين والمهنيين والنساء والشباب ولجان المقاومة، وتطوير أدوات التنظيم والتعبئة في مواقع العمل والإنتاج والدراسة والأحياء.

وتكشف تجارب الشعوب أن الديمقراطية تكتسب مضمونها الاجتماعي حين تقترن بتوزيع عادل للثروة والفرص، وحماية حقوق العاملين والمنتجين، وتوفير الغذاء والعلاج والتعليم والسكن. فالتغيير السياسي الذي يترك علاقات الاستغلال والتهميش قائمة يظل عاجزاً عن معالجة جذور الأزمة، بينما يفتح التحول الديمقراطي الاجتماعي الطريق أمام مشاركة الجماهير في تقرير مصيرها وتوجيه موارد البلاد لخدمة احتياجاتها.

إن إرادة الشعوب تتجدد بالمقاومة والتنظيم ووحدة المصالح. وقد برهن الشعب السوداني، عبر انتفاضاته وثورة ديسمبر المجيدة، على قدرته على صنع التاريخ. وتكمن مسؤولية القوى الثورية والديمقراطية اليوم في تحويل هذه الطاقة إلى فعل جماعي وبرنامج تغيير جذري.

إن استرداد الثورة يبدأ بوقف الحرب وإنقاذ المواطنين، ويتواصل بإقامة دولة مدنية ديمقراطية تحقق السلام والحرية والعدالة الاجتماعية. فالمطلوب بناء سودان جديد يحرر ثروات البلاد من قبضة الامتيازات والفساد، ويجعل سلطة الشعب ومصالح الجماهير أساس السياسة والاقتصاد، ضماناً لقطع الطريق أمام تجدد المأساة وتحقيق تطلعات السودانيين إلى حياة حرة وكريمة.

الميدان 4532،، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026م.