جائحة كورونا: سؤال اليسار وسؤال المواطَنة


جائحة كورونا: سؤال اليسار وسؤال المواطَنة

حكيم سيكوك

تقديم: كما عجز اليسار المغربي المناضل عن الإجابة على الأسئلة الإشكالية الكبرى التي طرحت نفسها عليه في خضم تجربة حركة 20 فبراير المجيدة من قبيل: التجذر داخل الحركة وتجذيرها في الواقع الاجتماعي والسياسي المغربي وتوسيع آفاقها….. باعتبارها تجربة سياسية نوعية وجديدة، عجز أيضا عن الإجابة على الأسئلة الإشكالية الكبرى التي طرحت نفسها عليه بعد توقفها. وعوض البحث عن الأسئلة الحقيقية التي من شأنها تثوير تجربته السياسية الغنية، استمر يطرح أسئلة أخرى خارج السياق من قبيل: أي سقف يجب أن تناضل الحركة من أجله؟ هل يمكن التنسيق أو التحالف مع الاتجاه الأصولي الذي كان وازنا كميا في الحركة أم لا؟… وهي كلها أسئلة تراهن على الآخر رهانا خاسرا سواء تعلق الأمر بالطرف المخزني في الحالة الأولى، أو الطرف الأصولي في الحالة الثانية. مع العلم أن هذين الطرفين وإن تنازعا إلى حد الاقتتال يتضامنان في نهاية المطاف ما داما يشربان من نفس المعين الإيديولوجي ولا يختلفان إلا في التأويل. ومن جهة أخرى فإن هذه الأسئلة خاطئة تماما ما دامت تغيب الإيديولوجيا والدياليكتيك في التحليل التاكتيكي للأشياءـ وترتهن في المقابل بالسياسي العابر برؤية براغماتية لا تمتلك القدرة على رؤية المسافات المستقبلية المتوسطة والبعيدة.

لقد عبر اليسار المغربي المناضل بهذه الأسئلة الخاطئة عن عجزه عن تدقيق ما يجب طرحه، وعن عدم قدرته على إعادة النظر في آليات اشتغال عمله السياسي التقليدي الذي طرحت حركة 20 فبراير جزءا من بدائله. فما أن توقفت هذه الحركة المجيدة حتى تشتت في واد، وتشتت اليسار المغربي المناضل في واد آخر وكأن شيئا لم يحدث. ومع ذلك فقد استمر هذا اليسار في التحرك بالآليات التقليدية ذاتها التي أضحت تحول بينه وبين الانغراس في أوسع الجماهير الكادحة ناهيك عن الانغراس في صفوف العمال والفلاحين.

مناسبة هذه المقدمة ترتبط بالأسئلة الإشكالية الهامة، وغير الكبرى بالقياس إلى الأسئلة السابقة التي تطرحها علينا الآن جائحة كورونا على الفترة التي ستليها مباشرة. وعلى الرغم من أن اليسار المغربي المناضل لديه مواقف كثيرة مشرفة منذ أمد بعيد تخص هذه الأسئلة، فإنه مطالب اليوم بمركزتها والتوحد حولها كي يربطها بمصيره هو بالذات. فإذا لم يتمكن هذه المرة من التوحد دون حسابات لتحقيقها، فسيحكم على نفسه بالتراجع خطوة أخرى لصالح الخطابين المخزني (بتوابعه الطبقية) والأصولي اللذين يستأسدان في مثل هذه الظروف الحرجة، وإن بآليتين مختلفتين لإثبات المشروعية المفتقدة.

لا أحد يستطيع أن ينكر الخطوات الاحترازية الاستباقية التي أقدم عليها النظام المخزني بمختلف أجهزته لمواجهة الانتشار المروّع لجائحة كورونا في أوساط المواطنين، وكل ذلك خوفا من تهشم المشروعية التي تمتحن أكثر في الجائحات. غير أنه ما أن شرع في تنفيذ تلك الخطوات حتى بدأت تتفجر مجموعة من الأزمات التي عرت استمرار منطق الاستبداد، و الخصاص المهول في الخدمات الاجتماعية الحيوية، وغياب الحقوق الدنيا التي يكفلها الدستور الممنوح للمواطنين (شغل، صحة، تعليم….) وهذا ما يحتم على اليسار المغربي المناضل النضال بآليات جديدة بعد انتهاء جائحة كورونا من أجل تحقيق هدف في غاية البساطة: دولة القانون باعتبارها الأرض التي تتجسد فيها المواطَنة والتي لا زلنا بعيدين عنها.

1- في المجال الحقوقي: لا يمكن إنكار المجهود الذي بذلته أجهزة الأمن بمختلف أنواعها من أجل تنفيذ حالة الطوارئ الصحية، لما في ذلك من أثر حاسم في الحد من انتشار وباء كورونا، غير أن هذه الأجهزة حولت منذ البدء حالة الطوارئ الصحية إلى حالة طوارئ عامة، فأفرطت في استعمال القوة بصورة مهينة للمواطنين في الكثير من المناطق؛ الشيء الذي يكشف عن المسافة البعيدة التي لا زالت تفصلنا عن دولة القانون التي تتجسد فيها المواطنة. وهذا ما يجب على اليسار المناضل الاشتغال عليه على المستوى القصير.

2- في المجال التربوي: لقد كان نساء ورجال التعليم دائما في الموعد الصعب، فما أن تم توقيف الدراسة درءا لانتشار الجائحة في أوساط المتعلمين، وما أن بادرت وزارة التربية الوطنية إلى إطلاق ما أسمته التعليم عن بعد، حتى بادر نساء ورجال التعليم في مختلف الأسلاك، كل بإمكانياته المعلوماتية التي يتوفر عليها. غير أن الوزارة المعنية – وهي تتتبع اشتغال المدرسين/ات بحماس لا يرجو جزاء ولا شكورا – ما لبثت أن شرعت بأكاديمياتها ومديرياتها في إحصاء نسبة المشاركة. وكأنها بذلك تحينت فرصة الجائحة للشروع في تنفيذ المادة 33 من القانون الإطار 17/51 دون تنفيذ أدنى شروطه ما دام المنفذ موجودا ومتحمسا…

وهكذا بدت هذه الوزارة عديمة المسؤولية، إذ في الوقت الذي كان عليها التفكير في التلاميذ/ات الكثيري العدد في البوادي والجبال، وكذا أبناء كادحي المدن الذين لا يتوفرون على أية إمكانية للتعلم عن بعد، اتجهت إلى الإحصاء المضني بحثا عن وسيلة لتركيب تقرير معجز حول جدوى وفاعلية التعليم عن بعد. والحال أن هذا النوع من التعليم، وفي حضور جميع مستلزماته لا يشكل أبدا بديلا عن التعليم الحضوري.

ومن جهة أخرى أبان أباطرة التعليم الخصوصي ( الكوروني) عن فراغهم الوطني والأخلاقي حين بادروا منذ الوهلة الأولى إلى طلب الدعم، وفي ذات الوقت إلى مراسلة الآباء بضرورة الأداء بدعوى أن العملية التعليمية مستمرة عن بعد.

بناء على هذه المعطيات البسيطة، فإن اليسار المغربي المناضل مدعو في فترة ما بعد جائحة كورونا إلى توحيد مختلف المعنيين بالملف التعليمي ليس من أجل الحفاظ على المدرسة العمومية فقط، بل أيضا من أجل تجريم التعليم الخصوصي باعتباره كورونا تستهدف تخريب المدرسة العمومية خطوة خطوة، والحال أنه يفتقد أبسط الشروط اللوجيستيكية لإنجاز العملية التعليمية التعلمية، ناهيك عما يمارسه من تنكيل وهضم لأبسط الحقوق للعاملين به.

3- في المجال الصحي: لابد من الوقوف إجلالا للشغيلة الصحية بمختلف فئاتها التي تقتحم المخاطر ليل نهار من أجل الحفاظ على أرواح المغاربة في هذه الظرفية القاسية. لقد أبانت الشغيلة الصحية عن روح عالية، وعن نبل إنساني منقطع النظير. غير أن هذه الشغيلة التي طالما ناضلت من أجل تحسين شروط العمل وشروط التطبيب، وجدت نفسها – وهي تباشر مهامها – أمام خصاص مهول في كل الوسائل.
إن القطاع الصحي بالمغرب مهترئ. هذه هي الحقيقة المفجعة التي عرتها جائحة كورونا، والأنكى من ذلك أن هذا القطاع لم يعد عموميا ومجانيا (باستثناء ذوي بطاقة راميد التي تحتاج إلى دراسة خاصة)، ومع كل هذا فخدماته لا مستوى لها، والوصول إلى الطبيب معجزة… أمام هذا الوضع أضحت الغالبية العظمى تتجه مكرهة إلى الطب الخصوصي الذي تناسل هو الآخر كالسرطان في مختلف القرى والمدن باستثناء الطب التخصصي الذي تمركز معظمه في المدن الكبرى.

في غياب صحة عمومية جيدة، هل يمكن الحديث عن توفر المواطن المغربي على مواطَنة حقيقية؟
إن النظام المخزني، وتحت ضغط الانصياع الأعمى لإملاءات الأبناك الإمبريالية، ورغبة منه في التنفيذ الحرفي والسريع لمبادئ النيوليبرالية المتوحشة التي تقودها إمبريالية العولمة، ينسى أنه لا يدمر مواطنة المغاربة فحسب، بل يفرط في قطاعين سياديين (التعليم والصحة) لا معنى لشرعيته بدونهما.
إن اليسار المغربي المناضل معني بالاشتغال على هذا الملف الحيوي من أجل ضمان صحة المغاربة، بما يحقق لهم جزءا من مواطنتهم المفتقدة.

أما قطاع الصحة الخصوصية، فلقد تضاعفت شراسته بما لا يقاس، وتحول معظم أباطرته إلى مصاص دماء، ولا بديل عن تعميمه/ تأميمه إن عاجلا أو آجلا.

4- في مجال الضمان الاجتماعي: إذا كانت جائحة كورونا قد مست الاقتصاد في اليوم الأول من دخولها مختلف بلدان العالم، فإن الوزارة المعنية به أبانت عن ارتباك منقطع النظير، وبارتباكها هذا عرت واقعا مريرا يرزح تحته عدد هائل من الكادحين الضحايا.

ومن مظاهر ارتباكها إمعانها – وهي تفكر في ما أسمته بالدعم المؤقت للضحايا – في تصنيف هؤلاء الضحايا على أساس طبقي وفئوي. وفي كل ذلك كشفت عن طبيعة بورجوازيتنا التي تفننت منذ عقود ليس في هضم حقوق الطبقة العاملة فقط، ولكن في التنكيل بها بحثا عن أقصى فائض قيمة ممكن وبدون أدنى جهد.
لقد فكرت الوزارة المعنية بالاقتصاد بعمق حين ميزت بين دعم المقاولات ودعم باقي الفئات الكادحة، غير أنها حين فكرت في دعم الكادحين وجدت نفسها في ورطة، فمعظم هؤلاء وكأنهم غير موجودين، وهم بالفعل كذلك، ويجب البحث عنهم:

– هناك المسجلون في صندوق الضمان الاجتماعي، ويبقى دعمهم – الكبير جدا – سهلا وميسرا.
– هناك الكادحون بمختلف شرائحهم الغير مسجلين في صندوق الضمان الاجتماعي؟ ولهم إجراءات خاصة للاستفادة من الدعم الكبير جدا.
– هناك الكادحون أصحاب بطاقة راميد
– هناك الكادحون أصحاب بطاقة راميد المنتهية الصلاحية؟
– هناك الكادحون بدون بطاقة راميد
– هناك كادحو القطاعات الغير مهيكلة بمختلف أنواعهم.

وكل نوع من هؤلاء جميع سيدعم مؤقتا بطريقة إدارية مخصوصة.

إننا أمام دولة القانون التي تضمن المواطنة الكاملة لمواطنيها بالفعل، والتي تستمر هيئاتها في إحصائهم ودراسة أنشطتهم…. وهي دولة مخزنية لا تتقن غير حماية بورجوازيتها الكمبرادورية، وفي ضمان استفادتها من الريع، وفي حمايتها من التهرب الضريبي والإجهاز على الحقوق الدنيا للعمال.

أليس هذا جوهر ما يجب على اليسار المغربي المناضل وضعه على رأس جدول أعماله على المدى القصير بعد فترة جائحة كورونا؟


  •  
  •  
  •  
  •