الخميس الأسود 1978: حين واجه عمال تونس منظومة رأس المال والسلطة باللحم العاري

الخميس الأسود 1978: حين واجه عمال تونس منظومة رأس المال والسلطة باللحم العاري




 الخميس الأسود 1978: حين واجه عمال تونس منظومة رأس المال والسلطة باللحم العاري

بقلم منوّر السعيدي

لم تكن انتفاضة 26 جانفي 1978 حدثاً عابراً في تاريخ تونس، بل كانت لحظة انفجار طبقي غير مسبوقة، حين قرّرت الطبقة العاملة وعموم الكادحين أن يواجهوا منظومة رأس المال التابعة والاستبداد السياسي الذي يحرسها بقيادة العميل الأكبر بورقيبة. في ذلك اليوم، لم يخرج الناس طلباً لفتات إصلاحات، بل خرجوا دفاعاً عن كرامتهم المسلوبة وحقهم في العيش الكريم.

كان “الخميس الأسود” إعلاناً صريحاً بأن تونس ليست ملكاً للأقلية المتحكمة في الثروة، وأن دماء الفقراء ليست وقوداً لاستمرار الامتيازات والنهب.

منذ بداية السبعينيات، دخلت تونس مرحلة ما سُمّي بـ“الانفتاح الاقتصادي“، وهو في جوهره فتح أبواب البلاد أمام رأس المال الأجنبي والاحتكارات المحلية، مقابل تهميش ممنهج للطبقة العاملة. جُمّدت الأجور، وارتفعت الأسعار، وتراجعت الخدمات، بينما راكمت أقلية ضيّقة أرباحاً خيالية.

تحوّلت الدولة من ضامن اجتماعي إلى حارس لمصالح رأس المال. أصبح العامل التونسي يشتغل أكثر ليعيش أقل، وتحوّلت المصانع إلى فضاءات للاستغلال المفرط، بلا حماية ولا كرامة.

أمام هذا الواقع، لم يبقَ سوى التنظيم. لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دور القاطرة التي جمعت غضب العمال وصاغته في معركة وطنية. لم تكن المطالب فئوية، بل كانت سياسية–اجتماعية بامتياز: العدالة، الكرامة، والحق في الثروة الوطنية.

حين أعلنت القيادة النقابية الإضراب العام، كانت تعلم أن المواجهة ستكون مفتوحة، لكنها آمنت بأن الصمت أخطر من القمع.

مع بزوغ فجر ذلك اليوم، عمّت الإضرابات كل القطاعات. خرج العمال، الطلبة، العاطلون، والنساء الكادحات إلى الشوارع. لم تكن شعاراتهم مجرد هتافات، بل صرخة شعب سُحق طويلاً.

ردّت السلطة بالحديد والنار. الرصاص واجه الصدور العارية، والدبابات واجهت الأيادي الفارغة. سقط شهداء واعتُقل الآلاف، لكن صورة العامل الذي يواجه الرصاصة بلا خوف أصبحت رمزاً خالداً.

لم يكن القمع رد فعل ظرفي، بل خياراً استراتيجياً لحماية منظومة رأس المال. فحين تهتز عروش الامتيازات، لا تتردّد السلطة في استخدام أقسى الأساليب. لكن القمع لم يقتل الفكرة، بل رسّخها.

رغم الهزيمة الظرفية، زرعت انتفاضة 1978 بذور الوعي الطبقي. أصبحت مرجعاً لكل نضال لاحق، من انتفاضة الخبز إلى ثورة 2011. علّمت التونسيين أن الشارع، حين يتوحّد، يصبح أقوى من كل أدوات القمع.

الخميس الأسود ليس ذكرى، بل وعد. وعد بأن الطبقة العاملة ستعود، كلما اشتدّ الظلم. فالتاريخ لا تصنعُه القصور، بل تصنعه الأيادي المتشقّقة في المصانع والحقول.

المجد لشهداء 1978…

والنصر الدائم للكادحين.