كلمة الميدان: قبل وقوع الكارثة
كلمة الميدان: قبل وقوع الكارثة
إن العدوان العسكري الذي تشنه الولايات المتحدة وحليفتها “إسرائيل” على الجمهورية الإسلامية في إيران يمثّل إنتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وعدوانًا سافرًا على سيادة دولة مستقلة، ومحاولة فجة لفرض منطق القوة والإملاءات الإمبريالية خارج أي شرعية دولية أو مساءلة أخلاقية. إن إدانة هذا العدوان ليست موقفًا تضامنيًا ظرفيًا، بل التزام مبدئي ثابت بالدفاع عن حق الشعوب في السيادة والإستقلال ورفض سياسة الحروب الوقائية والهيمنة بالقوة.
ولا يمكن فصل هذا التصعيد الخطير عن واقع السودان، الذي يقف اليوم عاريًا من الدولة المدنية، ممزقًا بإنقسام السلطة وإستمرار الحرب، ما يجعله أحد أكثر بلدان الإقليم عرضة لإرتدادات الصراعات الدولية. فالحروب الإمبريالية لا تضرب أهدافها المباشرة فحسب، بل تفتك قبل ذلك بالبلدان الهشة، وتحوّلها إلى ساحات ضغط وإبتزاز سياسي وإقتصادي.
ورغم أن إيران لم تكن يومًا شريكًا تجاريًا محوريًا للسودان، فإن آثار هذه الحرب لا تُقاس بمنطق التبادل المباشر، بل بإنعكاساتها البنيوية على الإقتصاد العالمي والإقليمي. فالسودان، في موقعه الحالي، هو الحلقة الأضعف في معادلة إقليمية متفجرة؛ وأي إشتعال واسع في الشرق الأوسط يفاقم أزمته الإقتصادية عبر التضخم وإنفلات الأسعار، ويقوّض ما تبقى من إستقلال قراره السياسي عبر تعميق الإرتهان للمحاور الخارجية.
ويشكّل البحر الأحمر، بما فيه ميناء بورتسودان، شريانًا حيويًا للتجارة السودانية. وأي تصعيد عسكري بين إيران و”إسرائيل”، لا سيما إذا طال الملاحة البحرية أو أدى إلى إغلاق مضيق هرمز، ستكون له نتائج كارثية: إرتفاع حاد في تكاليف الشحن والتأمين، إضطراب إمدادات السلع الإستراتيجية من قمح ووقود وأدوية، وتسارع موجات الغلاء التي يدفع ثمنها المواطنون وحدهم.
وفي ظل إقتصاد منهك، وعملة منهارة، وبنية إنتاجية شبه مشلولة، فإن أي زيادة عالمية في أسعار النفط أو الغذاء تتحول فورًا إلى صدمة معيشية قاسية، تعمّق الفقر وتوسّع رقعة الأزمة الإنسانية، وتكشف الطبيعة اللاعادلة للنظام الإقتصادي العالمي الذي تُدار حروبه على حساب الشعوب.
سياسيًا، يقع السودان في قلب صراع محاور إقليمي تشارك فيه قوى متنافسة، من بينها إيران، إسرائيل، ودول الخليج وتركيا. ويؤدي التصعيد الحالي إلى زيادة إحتمالات تدويل الصراع الداخلي، عبر سعي أطراف الحرب في السودان إلى الإستقواء بالخارج، ما ينسف أي أفق لحل وطني مستقل، ويحوّل البلاد إلى ورقة في بازار الصراعات الدولية.
كما أن العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران ينذر بتوسيع الوجود العسكري الأجنبي في البحر الأحمر، ويفتح الباب أمام ضغوط متزايدة تتعلق بالموانئ والممرات البحرية والقواعد العسكرية، في وقت تغيب فيه الدولة السودانية وتُدار البلاد بقوة السلاح لا بشرعية الإرادة الشعبية.
وقبل كل ذلك، فإن الحرب السودانية، التي توشك على دخول عامها الرابع، قد دمّرت الإقتصاد، وفتّت المجتمع، ودفعت الملايين إلى النزوح والجوع وإنعدام الأمان، ما يجعل أي صدمة خارجية إضافية وصفة مؤكدة لإنفجار شامل.
إن ما يجري اليوم يقرع جرس الإنذار بأعلى صوت: لا سيادة بلا وقف الحرب، ولا حماية للإقتصاد ولا للقرار الوطني دون حل داخلي جذري، يُنهي النزاع المسلح ويستعيد الدولة المدنية الديمقراطية. فالقانون الدولي، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وسيادة الدول على أراضيها، ليست شعارات إنتقائية، بل مبادئ لا تقبل النقض أو التجزئة. والسودان، كما إيران وفلسطين وسائر شعوب المنطقة، مستهدف ضمن مشروع إمبريالي- صهيوني واحد، ولن يكون الخلاص إلا بكسر هذا المسار، والإنحياز الكامل لإرادة الشعوب، والسلام العادل، والإستقلال الحقيقي.
الميدان 4435،، الثلاثاء 4 مارس 2026م.

