السودان: الحرب وحساب الربح والخسارة

السودان: الحرب وحساب الربح والخسارة





كلمة الميدان:
الحرب وحساب الربح والخسارة (1-2)

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع هزيمة قوى المحور وإنتصار الحلفاء، ترسّخ في الوعي الدولي نمطٌ عام مفاده أن الحروب، مهما طال أمدها، تنتهي عادةً إلى حسمٍ واضح تُفرض بموجبه ترتيبات سياسية جديدة تعكس ميزان القوى لصالح الطرف المنتصر. غير أن هذا النمط لم يكن مطلقًا؛ إذ برزت تجارب كسرت هذه القاعدة، وفي مقدمتها حرب فيتنام، حيث مُنيت الولايات المتحدة بهزيمةٍ مدوّية أمام إرادة شعبٍ صمد مستندًا إلى تضامنٍ أمميٍ واسع، مؤكّدًا أن إرادة الشعوب قادرة على كسر منطق الهيمنة.

أما في الشرق الأوسط، فقد إتخذت الحروب مسارًا أكثر تعقيدًا وإستعصاءً على الحسم. فمنذ حرب يونيو 1967، مرورًا بحرب العراق وإيران، وصولًا إلى غزو الكويت وما تلاه، لم تُحسم التناقضات البنيوية التي أفرزتها هذه النزاعات، بل جرى إحتواؤها مؤقتًا عبر تسويات هشة أبقت جذور الصراع حيّة وقابلة للإشتعال. وهكذا، لم تعد الحرب حدثًا إستثنائيًا يُفضي إلى نهايةٍ واضحة، بل غدت حالةً مزمنة تتخللها فترات من “اللاحرب” التي تخفي تحت سطحها شروط الإنفجار المقبل.

في هذا السياق، تبدو حرب 1967 وكأنها لم تنتهِ بعد، بل أعادت إنتاج نفسها في صورٍ متعددة عبر جغرافيا المنطقة، من فلسطين إلى لبنان وسوريا، حيث يستمر النزيف البشري والتدمير الممنهج، رغم إتفاقاتٍ جزئية لم تمسّ جوهر الصراع، بل أجّلته وأعادته بأشكالٍ أكثر عنفًا.

اليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، بما حملته من تصعيدٍ عسكري وتكاليف باهظة، وأثر العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، وردود الفعل المرتبطة به في محيط الخليج العربي، ومشاركة حزب الله في لبنان والحوثيين من اليمن، تتجه الأنظار إلى محاولات فرض هدنة مؤقتة. غير أن هذه المساعي، في جوهرها، لا تعبّر عن إرادة سلام بقدر ما تعكس سعيًا لإعادة ترتيب مواقع القوة وتثبيت سرديات “النصر” المتنازع عليها. لكن الواقع المادي للحرب، بما خلّفه من دمارٍ واسع وخسائر بشرية وإقتصادية فادحة، يفرض منطقًا مغايرًا: منطق المحاسبة، لا التبرير؛ ومنطق مساءلة الحرب، لا إعادة إنتاجها.

لقد كشفت الأسابيع الأخيرة، بوضوحٍ لا لبس فيه، عن هشاشة النظام الدولي وعجزه البنيوي عن إدارة الأزمات، كما كشفت عن عمق الترابط بين الحروب الإقليمية وبنية الإقتصاد العالمي. فقد إنعكست المواجهات مباشرةً على سلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة والغذاء، وإستقرار الأسواق، بما يؤكد أن كلفة الحرب لا تتوقف عند ساحات القتال، بل تمتد لتطال شروط الحياة اليومية لملايين البشر. ومع كل هدنةٍ مؤقتة، لا يستعيد العالم توازنه، بل يلتقط أنفاسه في إنتظار جولةٍ جديدة من الصراع.

ورغم الضجيج الدعائي وادعاءات الإنجاز، فإن الحقيقة العارية تظل واحدة: الشعوب – وفي مقدمتها شعوب المنطقة – هي الخاسر الأكبر. فالحرب لم تحقق أهدافها المعلنة، بل عمّقت الأزمات، ووسّعت دوائر عدم الإستقرار، وأعادت إنتاج الإستبداد تحت لافتة الأمن القومي، كاشفةً مرةً أخرى أن الحروب الحديثة تُدار ضد الشعوب بقدر ما تُدار بإسمها.

ومع ذلك، فإن هذه الحرب كشفت أيضًا عن مؤشراتٍ لا يمكن تجاهلها. فقد إتسعت الحركات الجماهيرية المناهضة للحرب، خاصة في أوروبا وأمريكا، بما يعكس تحوّلًا متناميًا في الوعي العام تجاه كلفة الحروب وسياسات الهيمنة. كما برزت تصدعات داخل التحالفات التقليدية، بما في ذلك العلاقات الأوروبية-الأمريكية، في مؤشرٍ على حدود التماسك داخل النظام الرأسمالي العالمي في مواجهة أزماته المتفاقمة.

إن الدرس الأبرز لا يكمن فقط في فشل الحرب كأداةٍ لتحقيق الإستقرار، بل في الضرورة التاريخية لبناء حركة سلام عالمية ذات مضمون إجتماعي واضح، ترتبط بنضالات شعوب الجنوب وحركات التحرر الوطني، وتتشابك مع نضالات الطبقة العاملة عالميًا، بما يفتح أفقًا لنضالٍ أممي ضد الحرب والإستغلال.

الميدان 4449،، الخميس 9 ابريل 2026م.