كلمة الميدان: نحو الحسم
كلمة الميدان: نحو الحسم
تؤكد معطيات الواقع، كما أوضحت ورقة اللجنة المركزية للحزب الصادرة في يناير المنصرم حول تطورات الراهن، أن الأزمة الثورية في بلادنا لم تعد إحتمالاً مؤجلاً، بل أضحت واقعاً ماثلاً يتعمق في وعي الجماهير ويتجذر في صميم تجربتها اليومية. فقد بلغت الشروط الموضوعية للتغيير درجةً متقدمة من النضج، بينما تظل الحلقة الحاسمة هي العامل الذاتي: بناء القيادة الثورية القادرة على توحيد طاقات الجماهير، وتنظيم مبادراتها المتعددة، والإرتقاء بها من حالة التشتت وردود الفعل إلى مستوى الفعل المنظم، القادر على وقف الحرب وإسترداد الثورة وإستكمال مشروعها الوطني الديمقراطي.
إن الحرب الكارثية التي تمزق السودان اليوم ليست واقعةً معزولة ولا مجرد صراعٍ داخلي على السلطة، بل تمثل حلقةً ضمن شبكة صراعاتٍ إقليمية ودولية تعكس عمق أزمة النظام الرأسمالي العالمي في طوره الإمبريالي. فالسودان، بما يزخر به من موارد هائلة وبما يحتله من موقعٍ إستراتيجي على البحر الأحمر، تحوّل إلى ساحةٍ لتقاطع المصالح التي لا ترى في شعبه سوى قوة عملٍ مستباحة، ولا في أرضه سوى مخزونٍ مفتوحٍ للنهب المنظم. وعلى هذا الأساس، فإن تصفية ثورة ديسمبر وقواها الحية ليست نتيجةً عرضية، بل شرطٌ بنيوي لتمرير مشروع الهيمنة وإعادة إنتاج التبعية، سواء عبر إطالة أمد الحرب أو عبر فرض تسوياتٍ سياسية تُفرغ الثورة من مضمونها.
وفي هذا الإطار، تتصاعد الآن محاولات فرض ما يُسمّى بالتسوية السياسية، تحت رعاية قوى إقليمية ودولية، بهدف إنتاج سلطةٍ مدنيةٍ شكلية تعيد تدوير الأزمة بدل تفكيكها، وتمهّد الطريق لإنتخاباتٍ صورية تُفضي إلى إعادة تسليم السلطة لقوى الهبوط الناعم؛ أي ذلك التحالف العضوي بين الرأسمالية الطفيلية ونخب البرجوازية الصغيرة المرتبطة بمصالح الإمبريالية. وليس هذا المسار سوى إدارةٍ واعية وممنهجة للهزيمة تحت لافتاتٍ براغماتية زائفة، تستهدف تصفية جوهر الثورة وإفراغها من مضمونها بإسم ما يُروَّج له كـ”واقعية سياسية”.
إن ما يجري في السودان لا ينفصل عن خارطة الصراعات العالمية التي تمتد من أوكرانيا إلى الخليج والشرق الأوسط والقرن الإفريقي، ومن بؤر التصعيد الإقليمي إلى الضغوط المتواصلة على دولٍ مثل فنزويلا وكوبا، حيث تتجلى جميعها كأشكالٍ مختلفة لإحتدام التنافس على الموارد والأسواق وممرات الطاقة. وهو صراع يتجاوز حدود الأشخاص والحكومات ليعكس أزمةً تاريخيةً عميقة لنمط إنتاجٍ بلغ حدوده القصوى، في مواجهة قوى إجتماعية صاعدة تسعى إلى إعادة تموضع الإنسان والعمل والبيئة في مركز العملية الإقتصادية، بدلاً من منطق التراكم القائم على النهب والحروب.
وفي قلب هذا المشهد المحتدم يتحدد التناقض الرئيسي بوضوحٍ لا يقبل المواربة بين مشروعين متناحرين لا ثالث لهما: مشروع الهبوط الناعم، بوصفه الذراع المحلية المتجددة لليبرالية الجديدة في صيغتها الإمبريالية، ومشروع ثورة ديسمبر، بوصفه مشروع القطيعة الجذرية مع بنية التبعية والإستغلال، وبناء دولةٍ وطنيةٍ ديمقراطية تُجسّد الحرية والسلام والعدالة، وتؤسس لتنميةٍ متوازنة تنحاز كلياً لمصالح الجماهير الكادحة لا لإملاءات السوق العالمي ومراكز الهيمنة.
ولئن كانت الإمبريالية لا تتحرك في فراغ، فإن أدواتها المحلية تنهض بدورها كاملاً غير منقوص، من نخبٍ مثقفة جرى تدجينها لتسويق أوهام الليبرالية الجديدة وتزييف الوعي، إلى سلطاتٍ سياسية إرتهنت بالكامل لموقع السمسرة في نهب الموارد، مقابل عمولاتٍ وصفقاتٍ تُحكم تبعيتها للشركات الرأسمالية العابرة للقارات. وفي ظل هذا التحالف العضوي بين رأس المال الطفيلي والهيمنة الخارجية، تتفاقم الأزمات الإجتماعية على نحوٍ كارثي، وتتسع دوائر الفقر والإفقار، وتُؤجَّج النزاعات القبلية والجهوية عمداً، بما يهدد وحدة البلاد ويقوّض سيادتها ويفتح الطريق أمام تفكيكها.
غير أن التاريخ لا يُكتب بإملاءات الخارج، ولا يُصنع بالأماني أو الإنتظار. فجماهير شعبنا وقواه الحية لا تنتظم عفوياً، ولا تنتصر تلقائياً، بل تنتزع حقوقها إنتزاعاً عبر الفعل المنظم، والعمل الدؤوب، والتراكم النضالي الذي يحوّل الشرارات المتفرقة إلى حريقٍ ثوري شامل. من النضالات المطلبية اليومية التي تشتبك مع تفاصيل المعيشة، إلى بناء التنظيمات القاعدية الراسخة، إلى توحيد الجبهات الميدانية والسياسية وصياغة البرنامج الوطني الديمقراطي، تتبلور معالم الفعل الثوري القادر على قلب موازين القوى، وكسر حلقة التبعية، وفتح الطريق أمام إنتصار الإرادة الشعبية.
تفرض هذه اللحظة التاريخية على القوى الديمقراطية اليسارية والتقدمية، وعلى مجمل قوى الثورة الحية، الإنخراط في معركةٍ مزدوجة لا تحتمل التراخي: تفكيك أوهام التسويات المفروضة وفضح حقيقتها كآلياتٍ لإعادة إنتاج الأزمة لا حلّها، وفي المقابل بلورة مشروعٍ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ مستقل يستند إلى تنظيم الجماهير ويربط جدلياً بين مهام التحرر الوطني ومتطلبات العدالة الإجتماعية. ويقتضي ذلك العمل الدؤوب على بناء أوسع جبهة جماهيرية قاعدية، توحِّد لجان المقاومة والنقابات والحركات المطلبية حول برنامجٍ حدٍّ أدنى لوقف الحرب وإستعادة المسار الثوري، مقروناً بنضالٍ صلب من أجل إرساء دولة القانون وإنهاء الإفلات من العقاب بوصفه شرطاً لازماً لسلامٍ عادلٍ ومستدام، وبالتصدي للنزعات الفاشية واليمينية المتطرفة، وتعزيز التضامن الأممي مع نضالات الشعوب في مواجهة الهيمنة والنهب، والدفاع عن الموارد الوطنية عبر رفض سياسات الإفقار وإعادة توجيه الإنفاق العام لصالح التعليم والصحة والعمل الكريم.
إن البديل واضحٌ لا لبس فيه: فإما الإنخراط في مسار تصفية الثورة تحت لافتاتٍ خادعة، أو إستعادة المعنى الأصيل للنضال بوصفه فعلاً جماعياً طويل النفس، متسعاً أفقياً في إمتداده الجماهيري، ومتعمقاً رأسياً في وعيه وتنظيمه، يعيد بناء الوطن على أسس الحرية والعدالة والسيادة. ووحدها الجماهير المنظمة، الواعية بمصالحها، والمتمسكة بحقها في الحياة الكريمة، هي القادرة على وضع حدٍّ لهذه الحرب، وفتح الطريق نحو سودانٍ مدنيٍ ديمقراطي تتحقق فيه التنمية المتوازنة، ويُغلق فيه إلى الأبد باب الإفلات من العقاب.
الميدان 4442،، الثلاثاء 24 مارس 2026م.

