كلمة الميدان: حول إعلان عودة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو: بين الضرورة الثورية وفراغ الأدوات
كلمة الميدان:
حول إعلان عودة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو: بين الضرورة الثورية وفراغ الأدوات.
في لحظةٍ يتكاثف فيها الخراب وتتسع فيها الدولة، أعلنت بعض قيادات تحالف “صمود” وناشطون آخرون عن عودة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإسترداد الأموال العامة، مرفقةً ذلك بوعودٍ بملاحقة شبكات النظام البائد داخليًا وخارجيًا، والتصدي لمنابره، وكشف واجهاته الإقتصادية والتنظيمية. غير أن هذا الإعلان، وعلى الرغم من اتساقه اللفظي مع شعارات ثورة ديسمبر المجيدة – حرية، سلام، وعدالة – يطرح سؤالًا حادًا: هل نحن أمام إستعادةٍ لأداة الثورة، أم إعادة إنتاجٍ لرمزٍ منزوع الفاعلية في واقعٍ تغيّرت شروطه جذريًا؟.
لقد علّمتنا التجربة أن تفكيك التمكين ليس إجراءً إداريًا فوقيًا، ولا مهمةً تُنجز بقرارات لجان، بل هو فعلٌ ثوري يستهدف بنية السلطة التي صنعت التمكين وحمته. فقد وُلدت تجربة التفكيك الأولى مكبّلةً بقيود الوثيقة الدستورية لعام 2019، حيث تقاسمت السلطة قوى مدنية مع العسكر ومليشيات الدعم السريع، فكانت النتيجة أن ظلت مفاصل الدولة السيادية – الجيش، الأمن، الاقتصاد – خارج ولاية الإرادة المدنية. وفي ظل هذا الإختلال البنيوي، أُفرغت اللجنة من مضمونها، وتحوّلت قراراتها إلى مادةٍ للطعن والإلغاء داخل جهازٍ عدلي لم يُفكك تمكينه.
اليوم، تتضاعف المفارقة وتشتد قسوتها. فالدعوة لعودة اللجنة تأتي في سياق حربٍ تمزق البلاد، وسلطتين متنازعتين في بورتسودان ونيالا، وإقتصادٍ تُعيد تشكيله شبكات السلاح والذهب والتهريب، وتمكينٍ جديد يُبنى على أنقاض القديم. في مثل هذا الواقع، يصبح الحديث عن استرداد أموال الشعب دون إستعادة السيطرة على أدوات الدولة السيادية ضربًا من التجريد السياسي، وقفزًا فوق الشروط المادية لأي تفكيك حقيقي.
كما كشفت التجربة السابقة عن خللٍ عميق في مقاربة التفكيك، إذ جرى التركيز على مظاهر التمكين دون بلوغ جذره الصلب: سيطرة المؤسسات العسكرية والأمنية وشركاتها على الكتلة الرئيسية من موارد البلاد. وبذلك، ظل التفكيك يدور في الهامش، بينما بقي مركز الثروة والسلطة بمنأى عن المساءلة، واستمر الإقتصاد الريعي العسكري بوصفه العمود الفقري لمنظومة التمكين.
إن استرداد أموال الشعب ليس ملفًا قانونيًا معزولًا، بل معركة ضد منظومة تراكم رأسمالي طفيلي تأسست منذ إنقلاب 1989، عبر نهب أصول القطاع العام، وتفكيك الإنتاج، وإخضاع الجهاز المصرفي لشبكات الولاء، وتوسيع إمبراطوريات الشركات الأمنية والعسكرية، والإتجار في الموارد الطبيعية، وتسييس الحرب كوسيلة لإعادة توزيع الثروة والنفوذ. وهي منظومة مركّبة، عابرة للمؤسسات والحدود، لا تُفكك ببياناتٍ سياسية ولا بقراراتٍ إدارية، بل بإرادة سلطةٍ ثورية تمتلك أدوات الفعل.
في هذا السياق، تبدو الدعوة الحالية—في غياب شروطها وأدواتها—أقرب إلى صدى إعلامي أكثر من كونها مشروعًا سياسيًا متكاملًا، خاصة إذا ما قُرئت على خلفية التحولات الدولية، ومنها الحظر الأمريكي الأخير على جماعة الإخوان وبعض مليشياتها في السودان. والخطر أن تتحول إلى محاولة لإلتقاط لحظة ضغط خارجي، بدل أن تنبع من تنظيم داخلي واعٍ يعبّر عن مصالح الجماهير ويستند إلى برنامج واضح وآليات تنفيذية حقيقية.
إن الدرس الذي لا يحتمل الإلتباس هو أن تفكيك التمكين لا يتم بالشراكة مع القوى التي صنعت بنيته أو راكمت مصالحها في ظله. فلا عدالة بلا سلطة مدنية كاملة، ولا استرداد للأموال مع بقاء الإقتصاد في قبضة العسكر والمليشيات، ولا إنتقال ديمقراطي مع إعادة إنتاج ذات التحالفات التي صادرت الثورة. وعليه، فإن أي حديث جاد عن عودة لجنة التفكيك لا يكتسب معناه إلا إذا ارتبط بمهمةٍ أشمل: إسقاط سلطات الأمر الواقع، وقف الحرب، وتأسيس سلطة مدنية ديمقراطية كاملة السيادة.
إن الطريق إلى تفكيك التمكين يمر عبر برنامج واضح: تحديد دقيق لمواقع النفوذ والثروة، تفكيك البنية الإقتصادية للتمكين، إصلاح جذري للمؤسسات العدلية والمصرفية، وإخضاع كل الموارد – بما فيها شركات الجيش والأمن – لولاية وزارة المالية، تحت رقابة شعبية ومؤسسية صارمة. دون ذلك، سيظل شعار “استرداد أموال الشعب” مجرد لافتة تُرفع في البيانات، بينما تُنهب البلاد في الواقع.
ختامًا، إن ثورة ديسمبر لم تكن حدثًا عابرًا، بل وعدًا تاريخيًا بقطع الطريق أمام إعادة إنتاج الإستبداد في أي صيغة. وتحقيق هذا الوعد لا يتم بإستدعاء أدواتٍ معطوبة، بل ببناء سلطةٍ تعبّر عن إرادة الجماهير، وتترجم شعاراتها إلى سياسات: حرية لا تُساوَم، سلام لا يُجزّأ، وعدالة لا تُؤجّل. وما دون ذلك، ليس سوى إعادة تدويرٍ للأزمة، تحت لافتاتٍ جديدة.
الميدان 4443،، الخميس 26 مارس 2026م.

