حين يصبح العبث أسلوبا لحكم تونس لا بدّ من إيقافه

حين يصبح العبث أسلوبا لحكم تونس لا بدّ من إيقافه





افتتاحية صوت الشعب: حين يصبح العبث أسلوبا لحكم تونس لا بدّ من إيقافه

تتأكّد القناعة يوميّا لدى فئات واسعة من الشعب التونسي بأنّ أسلوب حكم البلاد الحالي لا توصيف يناسبه سوى كونه أسلوبا عبثيّا. ليس الأمر متعلقا بالحكم الفردي المطلق في حدّ ذاته. فقد عرفت بلادنا هذا النمط من الحكم مع بورقيبة وبن علي. لكنّ الأمر يتعلّق بطريقة ممارسته. إنّ إدارة قيس سعيّد لدواليب الدولة غير مسبوقة من زاوية المنطق الأخرق الذي يقوده والعشوائيّة التي تطبع سلوكاته وقراراته. فقد امتزج الحكم الفردي المطلق بعدم الكفاءة المطلق. فسعيد الذي كتب دستوره بيده والذي أسند فيه إلى شخصه صلاحيات فرعونية ألغت واقعيا بقية مؤسسات الحكم وسلطاتها وحوّلتها إلى أجهزة تنفذ ما يمليه عليها لا يتردّد في وسائل الإعلام ليوجه إلى حكومته التي عينها بنفسه وإلى إدارته التي وضع على رأسها أعوانه ما لم يوجهه إليها حتى معارضوها من انتقادات واتهامات محاولا بذلك التملّص من مسؤولية قراراته وتحميل الفشل لغيره.

والأدهى والأمر من ذلك أن قيس سعيّد الموجود في الحكم منذ سبع سنوات منها خمس سنوات يحكم فيها بمفرده والذي نراه يشتكي من أساليب عمل الإدارة نجده يعمل دون مدير ديوان ودون ناطق باسم الرئاسة ودون مستشارين معلومي الهوية. وإلى ذلك توجد إلى اليوم وزارات بلا وزير وسفارات بلا سفراء وقناصل وشركات عموميّة بلا رؤساء مديرين عامين وقضاة بلا مجلس أعلى للقضاء وإعلام بلا “هايكا” ومعتمديات بلا معتمدين وبلديات بلا مجالس بلدية منذ أن تمّ حلها سنة 2023 ومجلس جهات وأقاليم لا يعرف أحد أي دور له. وهو لا يتورّع أيضا عن اتخاذ قرار بتجميد علاقة الحكومة بالبرلمان لمدة شهر مع العلم أن البرلمان نفسه منزوع الصلاحيات.

وفضلا عن ذلك كلّه فإن الرجل قام بتحجيم أدوار جميع معاونيه. فالتونسيون يكادون لا يعرفون صوت رئيسة حكومته ولا حتى وزرائه وكبار مسؤولي الدولة الذين لا يسمح لهم بأن يتكلّموا معه فهو الوحيد الذي يتكلّم بينما لا يتجاوز دورهم “السمع والطاعة” والأنكى من ذلك أنّه هو نفسه إذا تكلّم فبالطلاسم والألغاز فلا يفهم كلامه أحد بمن في ذلك شرّاحه. وهو نفس الشيء الذي نلمسه في جولاته وزياراته الليلية التي أصبحت خاصية حكم، فهو يتكلّم وحده ويتحدّث عن “مشاكل المواطنين” ناهيك أنّه لا يتوانى أحيانا عن مبادلتهم الشكاوى ممّا يشتكون منه، وهي طريقة للتملص من المسؤولية واجتناب إرفاق كلامه بقرارات عمليّة. لقد كان بن علي وقبله بورقيبة يرتّبان على الأقل زياراتهما ويعدّان جملة من القرارات، حتى لو كانت محدودة وشكليّة، لإعلانها في المجالس الجهوية التي يعقدانها بالمناسبة وإضفاء طابع “الجدية” على زياراتهما. أما سعيّد فلا إجراءات تصاحب زياراته الليلية، فقط كلام عام وهجومات نارية على الفاسدين والمتآمرين بمن فيهم “أشجار” شارع الحبيب بورقيبة والحشرات القرمزية والحريريّة وتجاورها غير الطبيعي في سيدي بوسعيد وشعارات رنانة يرددها معه بعض المتزلفين والوعود الزائفة التي لا يتحقق منها شيء مثلما حدث مع مختلف مجموعات المعطلين عن العمل.

وهكذا فقد باتت القناعة واسعة لا عند معارضي النظام فحسب، بل عند لفيف واسع من الشعب أن الدولة تسير اليوم بلا عقل، وأنّ الضباب بات يلفّ حاضر البلاد ومستقبلها. فالدولة تتفكّك والاقتصاد يتراجع والوضع الاجتماعي يتدهور والقيم تنهار والجريمة تتفاقم… في نفس الوقت يستشري القمع السياسي وتتكاثر الإيقافات العبثية ويتفشّى تلفيق القضايا وإصدار أحكام التشفي وتجميد المنظّمات واستهداف اتحاد الشغل وتصفية حرية العمل السياسي والإعلامي وتصحير البلاد وعودة التونسيين إلى متابعة شؤون بلدهم من خلال الفضائيات الأجنبية. يتساوق ذلك مع تدهور كبير للمقدرة الشرائية وغلاء مشط للأسعار وارتفاع نسب التضخم العامة والخصوصية التي تهم مواد العيش الضرورية مثل الخضر والغلال واللحوم والأسماك، فضلا عن أسعار الدواء، إن وُجِدَ، والخدمات الأساسية رغم رداءتها. لقد ساءت معيشة الشعب التونسي بشكل غير مسبوق وهو ما تؤكده الأرقام الرسمية ذاتها الخاصة بالفقر والبطالة والهجرة السرية… لقد تفقّرت الطبقة الوسطى وتشحّذت الطبقات والفئات الفقيرة أصلا وتعمّقت الفوارق الطبقية إذ أصبحت قلّة قليلة تستأثر بالنصيب الأكبر من ثروة البلاد. وبالطبع ساكن القصر لا حياة لمن تنادي رغم كثرة كلامه عن الشعب.

إن هذه الأوضاع المتدهورة بدأت توقظ الطبقات والفئات الشعبية. وها هو العيد جاء ليكشف مرة أخرى حقيقة أوضاع هذه الطبقات والفئات التي باتت عاجزة عن تأمين الحد الأدنى الضروري للحياة حتى أنّ الأعياد أصبحت مناسبات بلا معنى عند فئات واسعة من شعبنا لضيق ذات اليد. ولا يزال التونسيّون ينتظرون “بفارغ الصبر” بماذا سيفسّر لهم قيس سعيّد غلاء “العلوش” بمناسبة عيد الإضحى مع العلم أنّه خلافا للأعياد السابقة لم يظهر هذه المرة حتّى لتهنئتهم بالعيد مكتفيا بمعايدة تبون الجزائر وسيسي مصر. ولا يمكن لأحد ألّا يلاحظ تواتر مظاهر الغضب في الشارع التونسي. فالأمر لم يعد يتوقّف عند التذمّر أو التعبير عن الغضب بل تجاوزه إلى تحويل ذلك الغضب إلى أعمال وهو ما تشهد عليه الإحصائيات المنشورة حول تزايد التحركات الاجتماعية خلال الفترات الأخيرة. كما يشهد عليه بداية تجاوز حالة الخوف من خلال ما نتابعه في الشبكة الاجتماعية من تعليقات وفيديوهات وأغاني ساخرة. وهكذا فإن نذر الانفجار الاجتماعي باتت تلوح برأسها، فالشعبوية لم تقدم إلى شعبنا إلا مزيدا من الفقر والحرمان مع مزيد من تكميم الأفواه. إن وضعا كهذا لن يستمر خاصة إذا تساوق مع عبث في إدارة شؤون الدولة والحكم. إن هذا العبث يشكل اليوم القطرة التي من شأنها أن تفيض الكأس ناهيك أنّ مظاهر النقمة قد غزت حتى أوساطا مقربة من السلطة وبات الجميع يتساءل متى تنتهي الغمّة ويرصد كل حركة عساها تكون قادح التغيير ولا أدل على ذلك من التحاليل والتعاليق التي رافقت صدور بلاغ وزارة الدفاع في المدة الأخيرة والذي كنا تناولناه في افتتاحية العدد السابق.

والأكيد أن شعبنا تعلّم من تجربته الخاصة طوال السنوات الأخيرة ضرورة ألّا يرهن مصيره بيد من يتحيّل عليه أو يدّعي خدمته. لقد جرّب شعبنا قبل الثورة وبعدها كل الرجعيات التي أذاقته الاستبداد والاستغلال وعمقت تبعية البلاد، وآن الأوان كي يطوي هذه الصفحات جميعا في اتجاه بديل وطني شعبي ديمقراطي يكرّس السيادة والعدالة والحرية، بديل يقطع مع خيارات التفقير والتهميش والقمع ويضع حدّا للعبث بمقدرات البلاد. إن السياسة رؤى وبرامج قبل أن تكون خطبا ووعودا فارغة والدولة لا تساس بالأهواء والشطحات البهلوانية والمجتمع لا يدار بالعسف والقهر الفاشيين وإنّما بالعقل المادي الجدلي المنتصر للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعيّة أي لمصلحة الغالبية العظمى المكوّنة لهذا المجتمع. وفي هذه الأيام التي تتعالى فيها الأصوات المنادية بالتغيير وتتكاثر فيها “العروض” السياسية في الداخل والخارج فإنّ يقظة الشعب وقواه التقدمية يجب أن تكون عالية ليتم تفويت الفرصة أمام كل سيناريوهات التحيل والخداع سواء الآتية من داخل المنظومة بهدف تجديدها أو من خارجها لإعادة إنتاج نفس الخيارات الرجعية التي أوصلتنا إلى الحالة التي عليها بلادنا اليوم. فلنوقف العبث ولنصعد النضال ضد منظومة العجز والفشل ولنغلق الباب أمام الرجعية مهما كانت الأغلفة التي تتغلّف بها ولنكن فاعلين في الميدان في مواجهة الدكتاتورية وسياساتها القمعية والتفقيرية والعميلة.