مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية: عندما يعترف منطق القوة بحدود القوة

مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية: عندما يعترف منطق القوة بحدود القوة




كلمة الميدان:
مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية: عندما يعترف منطق القوة بحدود القوة

يأتي الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم مبدئية بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أشهر من المواجهة العسكرية والتصعيد المتبادل الذي هدد بتحويل الشرق الأوسط إلى ساحة حرب إقليمية واسعة، ليؤكد مرة أخرى حقيقة أثبتها تاريخ المنطقة والعالم: وهي أن الحروب قد تدمر المدن والبنى التحتية وتزهق الأرواح، لكنها عاجزة عن حسم التناقضات السياسية والاجتماعية العميقة أو فرض استقرار دائم بالقوة المسلحة.

فمنذ الغزو الأمريكي للعراق مطلع هذا القرن، مروراً بالتدخلات والصراعات التي شهدتها ليبيا واليمن وسوريا ولبنان، وصولاً إلى الحرب الكارثية الدائرة في السودان، لم تنتج التدخلات العسكرية الخارجية ولا رهانات الحسم العسكري سوى المزيد من الدمار والتفكك وعدم الإستقرار. وقد رُفعت في كل مرة شعارات نشر الديمقراطية أو مكافحة الإرهاب أو حماية الأمن الإقليمي، لكن الحصيلة الفعلية كانت دولاً منهكة، واقتصادات مدمرة، ومجتمعات ممزقة، فيما ظلت الأسباب الحقيقية للأزمات قائمة بل تفاقمت في كثير من الأحيان.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى مذكرة التفاهم المرتقبة بين واشنطن وطهران بوصفها اعترافاً عملياً بفشل خيار الحرب في تحقيق الأهداف المعلنة. فالولايات المتحدة وحلفاؤها لم يتمكنوا من فرض تسوية نهائية وفق شروطهم، كما أن إيران، رغم صمودها وقدرتها على امتصاص الضربات، لم تستطع فرض توازن جديد يحسم الصراع لصالحها. وهكذا عاد الطرفان، كما يحدث غالباً بعد استنفاد أدوات القوة العسكرية، إلى طاولة التفاوض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الإتفاق المقترح يتضمن عدداً من القضايا الجوهرية، من بينها خفض التصعيد العسكري في منطقة الخليج، وإعادة فتح الملاحة بصورة طبيعية في مضيق هرمز، والبدء في معالجة الملف النووي الإيراني عبر مفاوضات لاحقة، إلى جانب تخفيف بعض العقوبات الإقتصادية والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة. كما تطرح إيران، وفق ما نُشر، مطالب تتعلق بوقف العمليات العسكرية على مختلف جبهات الصراع، بما في ذلك الإعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان، فضلاً عن البحث في ترتيبات اقتصادية وإعادة إعمار ما خلفته الحرب والعقوبات.

ومهما تكن الصيغة النهائية للإتفاق، فإن أهميته الأساسية تكمن في كونه يؤكد أن الحوار والتفاوض، لا القصف والحصار، هما الطريق الواقعي لمعالجة النزاعات الدولية. كما أنه يعكس إدراكاً متزايداً لدى أطراف الصراع بأن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل مخاطر تتجاوز حدود الدول المتحاربة لتطال الإقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي بأسره.

غير أن فرص نجاح هذا المسار لا تزال تواجه عقبات جدية. وفي مقدمة هذه العقبات دولة إسرائيل التي تواصل انتهاج سياسة تقوم على توسيع دائرة الصراع وإدامة حالة الحرب في المنطقة. فبينما تتحدث القوى الدولية عن التهدئة والتسويات السياسية، تواصل الحكومة الإسرائيلية رفض الإنسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وترفض إنهاء احتلالها وعدوانها على غزة، كما تواصل انتهاك السيادة اللبنانية والإحتفاظ بمواقع وقواعد داخل الأراضي اللبنانية، إلى جانب إستمرار إعتداءاتها المتكررة على لبنان وسوريا. ومن ثم فإن إسرائيل تبدو اليوم أحد أبرز الأطراف الساعية إلى عرقلة أي ترتيبات يمكن أن تقود إلى خفض التوتر أو إعادة رسم توازنات إقليمية لا تتوافق مع مشروعها التوسعي.

وتعكس هذه المواقف أيضاً التناقضات داخل المعسكر نفسه. فالولايات المتحدة، بوصفها القوة الإمبريالية الكبرى المهيمنة على النظام الرأسمالي العالمي، تسعى إلى إدارة الصراعات بما يحفظ مصالحها الإستراتيجية والإقتصادية والأمنية. أما “إسرائيل”، فتمثل نموذجاً لما يمكن تسميته بالقوة الإمبريالية الفرعية أو الوكيل الإقليمي الذي يؤدي دوراً وظيفياً في خدمة منظومة الهيمنة الإقليمية، لكنه يمتلك في الوقت نفسه حساباته الخاصة التي قد تدفعه أحياناً إلى التصرف بصورة تتعارض حتى مع بعض التوجهات التكتيكية لحليفه الأمريكي.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن إيران نفسها تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي والدفاع عن مصالح طبقتها الحاكمة عبر شبكة من التحالفات والأدوات السياسية والعسكرية الممتدة في المنطقة. ولذلك فإن الصراع الدائر ليس مجرد مواجهة بين الخير والشر كما تحاول الدعايات الرسمية تصويره، بل هو أيضاً صراع بين مشاريع ومصالح دول وقوى تسعى كل منها إلى تعزيز نفوذها وموقعها في الإقليم. غير أن إختلاف مواقع هذه القوى لا يلغي حقيقة جوهرية هي رفض أي عدوان على سيادة الدول أو أي إنتهاك لحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ومن هنا فإن موقف القوى الديمقراطية والتقدمية ينبغي ألا ينطلق من الإصطفاف وراء هذا المحور أو ذاك، بل من الدفاع المبدئي عن مصالح الشعوب، ورفض الحروب وسياسات الهيمنة أو التوسع والإستيطان الخارجي، سواء صدرت عن القوى الإمبريالية الكبرى أو عن القوى الإقليمية الساعية إلى بسط نفوذها على حساب الآخرين.
لقد دفعت شعوب فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإيران والسودان والكونغو الديمقراطية، كما شعوب كثيرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، أثماناً باهظة للحروب والصراعات التي غذّتها مشاريع الهيمنة والنفوذ. فقد أُزهقت أرواح الملايين، وتشردت أعداد هائلة من السكان، وتعرضت دول بأكملها للدمار والتفكك، فيما واصلت شركات السلاح والإحتكارات الكبرى والقوى المتصارعة توسيع مكاسبها ومجالات نفوذها.

ومن هنا، فإن أي تهدئة أو تسوية سياسية لا ينبغي النظر إليها بوصفها نهاية للصراع، بل فرصة أمام القوى الشعبية والديمقراطية لتعزيز تنظيمها المستقل، وتوسيع نضالها من أجل وقف الحروب وإنهاء الإحتلالات والتدخلات الخارجية، وطرح بديل ينحاز إلى مصالح الكادحين والفئات الشعبية وحقوق الشعوب في الحرية والديمقراطية والتنمية والسلام.

إن الطريق إلى مستقبل أفضل لا يمر عبر سباقات التسلح ولا عبر مشاريع الهيمنة الإمبريالية الكبرى أو الإقليمية، بل عبر بناء دول وطنية ديمقراطية مستقلة، تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة والتعاون السلمي بين الشعوب. فالتاريخ يؤكد أن القوة العسكرية قد تحسم معارك مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تهزم إرادة الشعوب أو أن تصادر حقها في الحرية والسلام والتقدم.

الميدان 4476،، الثلاثاء 16 يونيو 2026م.