الحزب الشيوعي السوداني: 80 عاماً من النضال

الحزب الشيوعي السوداني: 80 عاماً من النضال




كلمة الميدان
الحزب الشيوعي السوداني: 80 عاماً من النضال (1)

تمرّ علينا الذكرى الثمانون لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني، وبلادنا ترزح تحت سلطتي الأمر الواقع، فيما تدخل الحرب الدامية عامها الرابع، صراعاً على السلطة والثروة وتوزيعها، يدفع ملايين السودانيين ثمنها من قوتهم وأجورهم ومدخراتهم ومستقبل أبنائهم.

وتقف البلاد على حافة الانهيار، فيما تزخر بموارد وإمكانات هائلة من الأراضي الزراعية، والذهب والثروات المعدنية، والموارد المائية، والموقع الجغرافي المتميز. وتستنزف قوى الحرب والدمار هذه الإمكانات في تمويل الحرب واقتصادها الطفيلي، وتفتح البلاد أمام التدخلات الأجنبية، وتحول الصراع السوداني إلى ساحة لحرب بالوكالة، تتداخل فيها مصالح دول الجوار والقوى الدولية وحساباتها.

وفي مواجهة آلام الحرب وتداعياتها القاسية، تواصل جماهير شعبنا حركتها، وتضمد جراحها، وترص صفوفها، مستندة إلى تراث عريق من النضال المثابر ضد الدكتاتوريات والقمع والاستبداد. وتستمد من ذكرى قادتها ومناضليها الأبرار روح التضحية والتفاني في خدمة الشعب والوطن، ومن تقاليد الأحزاب والنقابات والاتحادات ومنظمات العمل الجماهيري أدوات النضال المجربة، وقدرتها على تنظيم الجماهير والدفاع عن حقوقها ومصالحها.

في مثل هذا اليوم، السادس عشر من أغسطس عام 1946، تأسست الحركة السودانية للتحرر الوطني «حستو»، النواة الصلبة لحزبنا، على أيدي عمال ومثقفين وطلبة. ومنذ خطواتها الأولى، اهتدت الحركة بالماركسية منهجاً للتحليل والعمل، واستوعبتها في ضوء ظروف السودان وخصائص مجتمعه وتكوينه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

وجاء تأسيس «حستو» امتداداً طبيعياً لتقاليد الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، التي تجسدت في تأسيس ونشاط جمعية الاتحاد السوداني واللواء الأبيض، وفي ثورة 1924، وفي النهوض المتصاعد للحركة الثقافية والأدبية والرياضية. ومن ثم جاءت ولادة حزب الطبقة العاملة السودانية تعبيراً عن تطور الفكر الوطني وتراكم خبرات النضال الشعبي، واستجابة لحاجة موضوعية أفرزتها ظروف البلاد وتحولاتها.

ومنذ تأسيسها، ارتبطت «حستو» بالنضال الدؤوب ضد الاستعمار، وبرز ذلك في الحركة الجماهيرية، وفي مقدمتها مظاهرات الطلبة السودانيين عام 1946. كما اضطلعت قيادة الحركة بنشر أدبيات الفكر الماركسي، واستقطبت إلى صفوفها أعداداً من المثقفين والوطنيين والعمال، وانخرطت بفاعلية في الحركة الوطنية التحررية منذ نشأتها.

وتجلّى ذلك بوضوح في موقفها من الصراع حول مستقبل السودان، حين قادت النضال ضد مشروعات إلحاق السودان بوحدة وادي النيل تحت التاج المصري أو ضمه إلى الكومنولث البريطاني، وطرحت البديل الوطني الذي عبّر عن تطلعات شعبنا: جلاء الاستعمار عن السودان وحق الشعب السوداني في تقرير مصيره.

وشهدت السنوات الأولى صراعاً فكرياً وسياسياً حول استقلال الحزب الشيوعي السوداني سياسياً وفكرياً وتنظيمياً، وحول موقعه بين الأحزاب الاتحادية ومشروع الحركة الوطنية. وتواصل هذا الصراع في إطار بناء الحزب وتطوير هويته، وصولاً إلى انعقاد مؤتمره الأول في أكتوبر 1950، حيث ناقشت اللجنة المركزية أمام المؤتمر القضايا السياسية والفكرية والتنظيمية، وأُجيز دستور الحزب الذي أسهم في ترسيخ استقراره التنظيمي وتطور لاحقاً عبر مؤتمراته: الثاني عام 1951، والثالث عام 1956، والرابع عام 1967، والخامس عام 2009.

وهكذا، وعلى امتداد ثمانية عقود، ترسخت جذور حزبنا في تربة السودان، وتعمقت صلته بقضايا شعبه، وراكم عبر المنعطفات التاريخية الكبرى خبرات سياسية وفكرية وتنظيمية جعلته أحد أعمدة النضال الوطني والديمقراطي، في مواجهة الاستعمار والإمبريالية، ومن أجل الديمقراطية والسلام والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.

وفي هذه المناسبة الجليلة، نستحضر بفخر واعتزاز الدور التاريخي الذي اضطلعت به قيادات الحزب ومناضلوه، وفي مقدمتهم عبد الخالق محجوب، وقاسم أمين، والشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، وخالدة زاهر، وفاطمة أحمد إبراهيم، والتجاني الطيب، ومحمد إبراهيم نقد، وسائر مناضلي الحزب الذين قدموا حياتهم وفكرهم وتضحياتهم في سبيل الشعب والوطن.

وإذ نحيي هذه الذكرى، نجدد العهد بالسير على طريق النضال الذي شقته أجيال من العمال والمزارعين والمثقفين الثوريين وسائر الفئات الكادحة، وبناء الجبهة الوطنية الديمقراطية بوصفها أداةً أساسية لتوحيد قوى الثورة والتغيير، وقاعدةً صلبة لتحالف جماهيري واسع، قادر على إسقاط سلطتي الأمر الواقع، واستعادة الدولة من قبضة قوى الحرب والفساد والاستبداد، وفتح الطريق أمام سودان الحرية والسلام والعدالة.

ثمانون عاماً من النضال تضع على عاتق حزبنا مسؤولية تاريخية متجددة: أن يصون تراثه النضالي، ويقرأ تجربته بعين نقدية، ويطوّر أدواته الفكرية والسياسية والتنظيمية، ويجدد صلته بجماهير الشعب وقضاياها، ويواصل الكفاح من أجل وطن حر ديمقراطي، تسوده العدالة الاجتماعية، وتصان فيه السيادة الوطنية، وتُوجَّه موارده وإمكاناته لخدمة شعبه وبناء مستقبله.

وفي الذكرى الثمانين، تحيةً للأجيال التي أسست، وللمناضلين الذين واصلوا الطريق، وللجماهير التي صنعت تاريخ السودان بنضالاتها وتضحياتها. والمجد لشهداء شعبنا، والعهد على مواصلة المسير حتى تنتصر إرادة الشعب، وتُفتح أمام السودان آفاق الدولة المدنية الديمقراطية والعدالة والسلام والتنمية.

الميدان 4502،، الأحد 16 أغسطس 2026م.