النظام المخزني والقضية الفلسطينية: علاقة توظيف وتواطؤ


تقديم :

لقد وظف النظام المخزني القضية الفلسطينية منذ الاستقلال الشكلي لتكريس شرعيته لدى الرأي العام الوطني والعربي الإسلامي من خلال إظهار نفسه كمدافع عن القضية.

وفي هذا السياق يأتي ترأسه للجنة القدس. وفي نفس الوقت وظفها لخدمة مصالحه وتدعيم حظوته لدى أسياده الامبرياليين من خلال الأدوار التي لعبها تاريخيا في خدمة الكيان الصهيوني. فما هي إذن حقيقة علاقة النظام بالقضية الفلسطينية.

النظام المخزني والقضية الفلسطينية

يبدو جليا من خلال الحقائق التاريخية انه لا يمكن النظر إلى علاقة النظام المخزني بالقضية الفلسطينية إلا من زاوية توظيفه واستغلاله لها بشكل براغماتي انتهازي منذ الاستقلال الشكلي ل56 والى حد ألان لخدمة مصالحه وأجنداته السياسية والأمنية والاقتصادية في علاقته بالقوى الامبريالية والكيان الصهيوني. ولعل اخطر الأدوار المتمفصلة مع المشروع الامبريالي الصهيوني تلك التي قام بها، هي تعاونه مع الحركة الصهيونية في تهجير اليهود المغاربة نحو فلسطين.

فباستثناء الفترة الأولى ل”الاستقلال حيث تم حظر الأنشطة الصهيونية لتهجير اليهود المغاربة نحو فلسطين،˛ والتي كانت نشيطة في الفترة الاستعمارية بدعم وتسهيل من طرف سلطات الاستعمار الفرنسي،˛ فان هذه الأنشطة الصهيونية عادت وبشكل أكثر قوة وفعالية في فترة الستينيات. فبعد حسم القصر الصراع لصالحه ضد الحركة الوطنية، وتمكنه من السلطة السياسية بتولي الحسن الثاني العرش في بداية الستينيات وتصفيته لجيش التحرير والمعارضة الراديكالية˛ أصبح النظام في حاجة ماسة إلى تكريس تلك السلطة عبر بناء أجهزته الأمنية والمخابراتية. هنا توافقت مصالحه مع مشروع الكيان الصهيوني في تهجير اليهود المغاربة. فبعد حادث غرق الباخرة “ايغوز” قرب سواحل الحسيمة التي كانت تقل يهود مغاربة لتهجيرهم نحو فلسطين (لقي 43 منهم حتفهم) تمت مفاوضات سرية بين النظام والموساد الإسرائيلي انتهت بالاتفاق على السماح بتهجيرهم مقابل 250 دولار عن كل يهودي مهجر حسب بعض المصادر مقابل التزام “إسرائيل” بمساعدة النظام على تطوير أجهزته الأمنية والاستخباراتية. وهو ما تجسد فعلا في دور الموساد في بناء جهاز الاستخبارات المغربي المشهور ب”الكاب” وتكوين عناصره ومده بالوسائل التقنية المتطورة كالمعدات الالكترونية وأجهزة الاتصالات بالإضافة إلى المعدات العسكرية للجيش المغربي. هكذا أصبح الجو مواتيا للموساد و”للوكالة اليهودية” (وهي الجهاز الصهيوني المكلف بتنظيم تهجير اليهود عبر العالم نحو فلسطين) بتسريع وتيرة اقتلاع اليهود المغاربة من جذورهم بمختلف وسائل الإغراء والخداع والإرهاب ودفعهم إلى الهجرة نحو فلسطين لاستيطانها خاصة وان عددهم في المغرب كان كبيرا مقارنة مع دول أخرى.

وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى انه تم ترحيل حوالي 211 ألف من اليهود المغاربة منذ الاستقلال الشكلي منهم 67000 مابين 1956 و1963. وهذا دليل كاف لاظهار الدور الخطير الذي قام به النظام المغربي في تنفيذ المشروع الصهيوني بفلسطين على حساب الشعب الفلسطيني.

ومنذ ذلك الحين والعلاقات السرية بين النظام المخزني و”إسرائيل” مستمرة لم تتوقف. تشهد عليها الزيارات المتكررة لمسؤولين صهاينة للمغرب. ولا يسعف المجال هنا لذكرها كلها لكن سنكتفي بأبرزها مثل زيارة رئيس الكيان الصهيوني حاييم هرت سوغ في 1969 ورئيس الوزراء إسحاق رابين في 1976 ووزير الخارجية موشي ديان في أواسط السبعينات وشيمون بيريز الذي استقبله الحسن الثاني بشكل علني بافران في 1986 .وكل هؤلاء وغيرهم هم من اكبر المجرمين الصهاينة الذين اشرفوا على المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه وتشريده منذ نكبة 1948 مرورا بنكسة 1967. وكلنا نعلم المكانة التي يتمتع بها الحسن الثاني لدى الكيان الصهيوني إلى درجة تنصيب تمثال له اعترافا بالخدمات السخية التي قدمها له عبر تاريخه.

ومن مظاهر تلك الخدمات التي قدمها النظام المخزني للكيان الصهيوني بالإضافة إلى تامين وتسهيل عمليات تهجير اليهود المغاربة إلى فلسطين يمكن إيراد الأمثلة التالية والتي ألحقت إضرارا بليغة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي :

– مد الحسن الثاني الموساد الإسرائيلي بالتسجيلات الكاملة لمداولات القادة العرب في قمة الدار البيضاء في 1965. فحسب تصريح الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “شلومو جازيت” لصحيفة “يدعوت احرونوت” فان تلك التسجيلات احتوت على معلومات ثمينة حول مدى استعداد الجيوش العربية لمواجهة “إسرائيل” وصفها الصهاينة ب”الكنزالثمين” مما ساعد الجيش الإسرائيلي على هزم الجيوش العربية في حرب 1967 المعروفة بالنكسة أو حرب الستة أيام واحتلال الضفة الغربية والجولان السورية وسيناء المصرية.

– لعب الحسن الثاني دورا كبيرا في التهييئ لاتفاقية كامب ديفيد لسنة 1978 حيث قام بدور الوسيط بين الرئيس المصري السادات والدولة الصهيونية من خلال احتضان لقاءات سرية بين دبلوماسيين مصريين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في 1976 واجتماع الرباط بين وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك موشي ديان ومستشار الأمن القومي المصري حسن التهامي والذي مهد لزيارة السادات للكيان الصهيوني وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد التي تعتبر طعنة وخيانة للقضية الفلسطينية وهدية ثمينة للعدو الصهيوني لأنها ستخفف من عزلته وستفتح الأبواب أمام الأنظمة الرجعية للتطبيع العلني والرسمي معه وستضعف محور المقاومة لفائدة محور الاستسلام والخيانة.

– الوساطة بين القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية ومسؤولين “إسرائيليين ” في الثمانينات. واستمرت هذه الوساطة فيما بعد مما سيساهم لاحقا˛ بعد اندلاع انتفاضة أطفال الحجارة ومؤتمر مدريد في 1990˛ في عقد اتفاقيات أسلو الانهزامية في 1993 التي استغل النظام نتائجها لإقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني ستتوج بفتح “مكتب الاتصال الإسرائيلي” بالرباط. إلا أن اندلاع الانتفاضة الثانية وتحت الضغط الشعبي اضطر إلى إغلاقه. لكن العلاقات استمرت سرا.

وفي مقابل هذه الخدمات الجليلة استفاد النظام من الدعم الصهيوني والامبريالي على الأصعدة السياسية والأمنية والدبلوماسية في المحافل الدولية بخصوص ملف الصحراء وانتهاكات حقوق الإنسان نظرا للموقع والتأثير القوي للوبي الصهيوني وخاصة في الولايات المتحدة عبر منظمة “ايباك” في صياغة القرارات الدولية سواء في الأمم المتحدة أو غيرها من المنظمات الدولية. ومن ابرز مظاهر هذا الدعم مساهمة الموساد في اختطاف واغتيال الشهيد المهدي بنبركة في 29 أكتوبر 1965 بفرنسا إذ مد المخابرات المغربية بمعلومات دقيقة حول مكان إقامة الشهيد وتحركاته ودعم موقف النظام والوقوف إلى جانبه بشان قضية الصحراء وتقديم مساعدات عسكرية وتقنية ومنها ما يتعلق ببناء الجدار الرملي العازل بالصحراء حيث حضر يهود باراك نفسه لمعاينة البناء والتقطت له صورة بالمناسبة.

النظام المخزني والتطبيع مع الكيان الصهيوني

ركز العدو الصهيوني جهوده وبدعم من القوى الامبريالية لاختراق المقاطعة العربية عبر جر الأنظمة العربية الرجعية لتطبيع العلاقات معه لان في ذلك إضعاف للقضية الفلسطينية وعزلها عن محيطها الحاضن وبالتالي التمهيد لتصفيتها. وإذا كان النظام المخزني يحرص بصفة عامة على إبقاء علاقاته مع الكيان الصهيوني سرا خوفا من رد الفعل الشعبي وخاصة من طرف القوى التقدمية التي اعتبرت دائما القضية الفلسطينية قضية وطنية فانه يحرص في نفس الوقت على استمراريتها وتقويتها وتوسيعها تدريجيا حتى تشمل مختلف المجالات السياسية والأمنية و الاقتصادية والثقافية والرياضية..

فحسب تقرير للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع صادر في مارس 2013 فان التطبيع مع الكيان الصهيوني يسير بوتيرة سريعة لتهيئة الشعب المغربي نفسيا لقبول هذا الكيان والتعامل معه وكأنه دولة “عادية” وليست دولة استعمارية مجرمة.

ويتخذ هذا التطبيع أوجها مختلفة سياسية مثل تصويت النظام لصالح “إسرائيل” لتترأس اللجنة القانونية بالأمم المتحدة و ضغطه لإجهاض مشروع قانون تجريم التطبيع مع “إسرائيل” واستمرار زيارتها من طرف المسؤولين المغاربة… واقتصادية حيث تتضاعف المبادلات التجارية مع الكيان الصهيوني ويزداد توافد السياح “الإسرائيليين” إلى المغرب والذين يقدر عددهم سنويا بنحو 13 ألف سائح… ورياضية وثقافية وفنية حيث بدأنا نشاهد حضور وفود “اسرائيليية” في ملتقيات رياضية وثقافية وفنية ببلادنا وفرض ذلك كأمر واقع رغم التنديدات والاحتجاجات…

إن هذا الوضع يفتح المجال واسعا للصهاينة لاختراق المجتمع المغربي تدريجيا ثقافيا وفكريا ونفسيا. وفي هذا السياق تمكنوا من استقطاب بعض العناصر الانتهازية والشوفينية لتبني أطروحاتهم المعادية للفلسطينيين وللعرب حتى يكونوا رأس حربتهم في عملية الاختراق تلك.

ولعل ما يشجع النظام على المضي في سياسة التطبيع هو تراجع اهتمام القوى الديمقراطية والتقدمية بالقضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة في إطار التراجع العام لها في العالم العربي بسبب الأدوار الخطيرة للأنظمة العربية الرجعية وخاصة الخليجية في تهميش القضية الفلسطينية والتأمر عليها مع الامبريالية والصهيونية وبسبب التوجه اليميني للقيادة الفلسطينية وتطبيعها الأمني والسياسي مع العدو الصهيوني والانقسام وسط الصف الفلسطيني…

ان مواجهة سياسة التطبيع وإفشال مخططاتها تستدعي من القوى الديمقراطية والتقدمية آن تعيد موضعة القضية الفلسطينية كواجهة ضمن واجهات الصراع ضد النظام المخزني كنظام غير ديمقراطي فاقد لاستقلالية القرار إزاء القوى الامبريالية والصهيونية˛ اضر تاريخيا بالقضية وساهم في تسديد الطعنات لها سرا وعلنا وبالتالي لا يمكن الثقة فيه أو التوهم بأنه يخدمها. وان تفضح المطبعين مؤسسات وشركات وأفراد لعزلهم وان تكثف أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني في نضاله من اجل حقوقه في العودة وتقرير المصير وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس.

خلاصة عامة

لقد لعب النظام المخزني دورا خطيرا ومتواطئا ضد القضية الفلسطينية من خلال الخدمات الكثيرة التي قدمها للكيان الصهيوني . ولا زال مستمرا في سياسته الرجعية هاته مما يتطلب من جميع مناصري القضية أفرادا وقوى مواجهة هذه السياسة وفضحها. ولعل الكفاح البطولي الذي يخوضه الشعب الفلسطيني وقواه المناضلة حاليا في مسيرات العودة يكون مناسبة لاستعادة القضية الفلسطينية موقعها الطبيعي في الصراع الذي يخوضه الشعب المغربي ضد النظام المخزني وحلفاءه من القوى الامبريالية والصهيونية والرجعية.

جمال براجع
22 ماي 2018