حزب طبقي عمالي، لماذا؟

حزب طبقي عمالي، لماذا؟

معاد الجحري


استخلص البلاشفة الدرس الأساسي من كمونة باريس الخالدة وقرروا اقتحام السماء ونجحوا في ذلك بفضل حزب الطبقة العاملة. وعلى منوالهم سارت ونجحت تجارب ثورية عديدة في الصين وكوبا والفيتنام وغيرها. صحيح أن هذه التجارب فشلت في انجاز مهام الثورة الاشتراكية ولكنها حققت مهام التحرر الوطني وتحولت روسيا وخاصة الصين إلى قوى اقتصادية هائلة جدا ونجحت كوبا رغم الحصار وكذلك الفيتنام في تحسين مؤشرات التقدم الاجتماعي بفارق شاسع مع البلدان المماثلة كالمغرب. لا تتقدم حركة التاريخ بشكل خطي بل تعرف فترات من المد وأخرى من التراجع والانكسار وليس هناك مساء كبير ولكن القضاء على الرأسمالية وما تنتج من مآسي وكوارث ومخاطر حقيقية على الإنسانية والطبيعة خطوة تاريخية حاسمة للسير قدما نحو الاشتراكية وبناء مجمع خال من الاستغلال والاستلاب: المجتمع الشيوعي.

نتحدث هنا عن حزب طبقي بمعنى الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين على مستوى بنيته الاجتماعية مسلح بإيديولوجيته الماركسية في خدمة مشروع الطبقة العاملة الاشتراكي عكس الدعوات الشعبوية لمنظري وأنصار ما يسمى ما بعد الماركسية والماركسية غير التسلطية لبناء “حزب الناس” أو “حزب الشعب” أو حزب-حركة عبارة عن ملتقى هلامي للحركات الاجتماعية كإجابة عن التقاطب الحاد الذي ترتب عن النيوليبرالية.

نرفض هذه الدعوات الصادرة عن منظرين قطعوا مع الجوهر الثوري للماركسية ورؤيتها المادية للعالم يستعيضون عن الاشتراكية بالديمقراطية، لأنها دعوات بدل العمل على تقويض أسس النظام الرأسمالي تسجن نفسها بالاقتصار على محاولات إيجاد حلول لليبرالية المتوحشة واللحاق ببلدان المركز الرأسمالي والعودة لدولة الرفاه ونعتقد بأنه مجرد وهم طوته حركة التاريخ.

وفي الحقيقة فان هذه الدعوات وهذا المنظور هو جواب برجوازي صغير عن الأزمة، أزمة النظام الرأسمالي المتهالك. لقد رأينا كيف استسلمت سيريزا في اليونان لشروط الترويكا (البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي واللجنة الأوروبية) بدل طرح الخروج من الاتحاد الأوروبي ومنطقة الأورو تحديدا وإصدار عملة خاصة ببلد غرق في الديون ولازال. ولازالت أغلب قوى اليسار الشعبوية والتحريفية معا تائهة فيما يتعلق بموضوع العلاقة بالاتحاد الأوروبي فاسحة المجال أمام اليمين المتطرف. نعتبر أن مصلحة الطبقة العاملة تكمن في مغادرة الاتحاد الأوروبي بل تفجيره وبهذا الموقف تلتقي مع الطبقات العاملة في باقي بلدان المعمور وشعوبها المضطهدة وتفتح آفاقا رحبة أمام بناء الأممية الماركسية المناهضة للرأسمالية والامبريالية.

لقد تتبعنا ولازلنا نتابع التجارب الشعبوية التقدمية في أمريكا اللاتينية التي وصلت للسلطة عن طريق الانتخابات وكيف أنها اقتصرت على استخراج الثروات الباطنية وتوزيع الريع والحد من الفقر والقيام بإصلاحات جزئية بدل استغلال موقعها في السلطة للقيام بإصلاح زراعي جدري وواسع وتأميم القطاعات والمنشآت الاستراتيجية وفرض رقابة متقدمة على وسائل الإنتاج وأشركتها تفكيك التعبيرات السياسية للبرجوازية العميلة وتطهير صفوف الجيش والأمن. إن توقيف الثورة في منتصف الطريق هو ما سهل الهجوم المضاد للقوى الرجعية المسنودة من طرف الامبريالية وخاصة الامبريالية الأمريكية بل إن الفئات الوسطى نفسها التي ساندت تلك القوى في فترات الصعود والمد تنكرت لها مساهمة في تلك الثورات المضادة.

من كل هذا نود التأكيد أهمية الماركسية وعلى الدور الحاسم للطبقة العاملة في الثورة الاشتراكية التي تفرض نفسها في البلدان المتقدمة وفي قيادة الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية على طريق الاشتراكية في البلدان التابعة. غير أن أصحابنا ينكرون أو يقفزون هذا الدور تحت مبررات مختلفة البعض منها أقرب إلى الشعوذة، لعل أبرزها الادعاء بأن الطبقة العاملة تتجه نحو الانقراض مستندين في ذلك إلى كون الطبقة العاملة غير مرئية والى انفجار قطاع الخدمات أو أنها غي متجانسة وليست دائمة النضال وغيرها من التبريرات.

إن توسع قطاع الخدمات هو بالفعل واقع لا ينكر وهو تحول حصل منذ مدة غير قصيرة، فقد كان سنة 1996 يساهم بحوالي 60 في المائة من الناتج الداخلي الخام ويشغل 60 في المائة من اليد العاملة في البلدان المصنعة مقابل 47 في المائة و 25 في المائة على التوالي في البلدان التابعة. ولكن ليس هذا دليلا كافيا ولا مقنعا بهذا الادعاء. ما حدث هو أن تشكيلة الطبقة العاملة تغيرت مع تطور الجوانب التقنية التي تفرض قدرا أكبرا من العمل الذهني وأن تمركزها أصبح أكبر من السابق في القطاع الثالث. لكن الشغيلة في مجال الخدمات الموجهة للشركات الصناعية لتعويض الأنشطة التي كانت تقوم بها هذه الشركات نفسها قبل تفويتها لشركات متخصصة في مجالات محددة مثل النظافة والحراسة والصيانة والنقل واللوجستيك والاتصال وغيرها كثير هي جزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة لكونها تنتج فائض القيمة كم هو حال عاملات وعمال المطاعم السريعة والمساحات الكبرى ومراكز الاتصال وجزء هام من شغيلة القطاع البنكي وقطاع التأمينات وحتى شغيلة قطاع التربية والتعليم الخاص الذين يشتغلون على بيع المعرفة باعتبارها سلعة. هذا الصنف من الخدمات ضروري إذن للرفع من الإنتاجية وقد تم إخضاع عمل الأجراء هنا لنماذج العمل في القطاع الصناعي. وبفعل الهشاشة ينتقل العديد منهم من عمل لآخر، ينتقل من عامل إلى مستخدم والعكس لفترات قد تطول أو تقصر.

وعلى هذا الأساس فان نسبة العمال في فرنسا تمثل حاليا تقريبا 21 في المائة من الساكنة النشطة وتصل هذه النسبة في بلادنا إلى حوالي 40 في المائة من الساكنة النشطة (أي حوالي 5 مليون عامل(ة)). نسبة العمال وعددهم ببلادنا يفوق نسبة وعدد أفراد الفئات الوسطى التي يتهافت عليها حوالي 30 حزب سياسي.

النمو المضطرد لقطاع الخدمات لا يجب أن ينسينا أيضا العدد الهائل للمعطلين (=جيش الاحتياط).

ورغم تقلصها وانخفاض تركيزها النسبي فان دور الطبقة العاملة الصناعية يبقى مع ذلك مهما في بلورة وعي الطبقة العاملة بذاتها وفي قيادة نضال الشغيلة.

يقال أيضا أن الطبقة العاملة ليست مرئية. للدقة هي لم تعد مرئية بما يتناسب ونضالاتها وما تتعرض له من استغلال بشع وعلى أوسع نطاق أو بصفة أدق لا يراد لها أن تكون مرئية. من يتحدث اليوم في وسائل الإعلام التي تحتكرها البرجوازيات الرثة عبر العالم عن الطبقة العاملة ونضالات الملايين منها؟ هل شاهدتم يوما استجوابا مع عامل(ة) في قناة تلفزية مغربية أو أي عامل في قناة أوروبية؟ هل سمعتم كلاما لقناة الجزيرة التي كانت تعربد وتصول وتجول إبان لحظات المد الثوري بمنطقتنا عن دور الطبقة العاملة الحاسم في تونس وفي مصر في الإطاحة برأس النظام هناك؟ ما يتردد على مسامع الملايير من البشر اليوم هو حرب ضروس على الاشتراكية ودور الطبقة العاملة فيها. لم يعد مرئيا بسبب الشعبوية والتحريفية نفسها، فقد قتلت الأحزاب “الشيوعية” الروح الثورية للماركسية وأهملت العمل النقابي العمالي وأهميته البالغة وتوقفت منذ مدة طويلة عن تكوين اطر عمالية مناضلة بارزة قادرة على قيادة أحزابها التي أصبحت تحت سيطرة البرجوازية الصغيرة واستيهاماتها.

إن الطبقة العاملة ليست منسجمة بل تضم فئات متنوعة ووعيها غير متماثل ولكن ليست هذه مبررات معقولة للتنقيص من دورها التاريخي في قيادة المجتمع نحو الخلاص من قيود الامبريالية والرأسمالية وشرورها فسرعان ما وتهب موحدة في لحظات الأزمة الثورية.

وإذا أضفنا ملايين الكادحين وعلى رأسهم الفلاحون الفقراء وكادحو الأحياء الشعبية في المدن وخاصة المدن الكبرى في بلادنا فان حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين يكون حزب الأغلبية الساحقة والمطلقة للمغاربة وقد آن الأوان للتخلص من أسطورة الطبقات الوسطى والرهان عليها فقد أفلست الأحزاب المستندة إليها إفلاسا تاريخيا.

نحن الشيوعيون المغاربة، نساء ورجالا، نريد أيضا مواصلة محاولات اقتحام السماء طريقنا في ذلك بناء حزب العمال والكادحين الاشتراكي.

2 دجنبر 2019.


  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •