كلمة خديجة المنبهي في ذكرى الشهداء

في الذكرى الثانية والأربعين لاغتيال سعيدة المنبهي


 

تمر السنون تتسارع العقود، يلاحقني العجز، يلازمني وتغدو كتابة هذه الكلمة مخاضاً عسيراً. ماذا عساي أقول لك في هذه الذكرى الأليمة والعزيزة علينا في نفس الوقت. عزيزة هي هذه الذكرى لأن ذكراك لم يطلها النسيان رغم مرور الزمن. سعيدة، كنت حاضرة بنضالك وتضحيتك وما تزالين حاضرة في قلب شعبك وفي قلب كل المناضلين الأحرار.

سعيدة، في كل يوم يغدو تغييبك القسري أكثر إيلاماً يتملكني الإحساس بحرمان وقهر لا يحتملان… لكنك تعيشين في ذاتي، تخاطبنني، تسألنني كالمعتاد، عندما كنا نتبادل أطراف الحديث سواء مع الوالدين قبل اعتقالك أو في البرلوار- مزار السجن، فيما بعد عن أحوال البلد: كنا ونحن يافعين نأمل ونطمح إلى التغيير. وحتى من قلب غياهب السجن بقي هَمّك هو التغيير. ألفتُ أن تسأليني السؤال المعهود: “هل ما زالت دار لقمان على حالها”….

نعم عزيزتي ما زال القمع والتعذيب ضارباً أطنابه. وهو التعذيب والقمع اللذان مارسه الجلادون في حقك. وكم كنا نخشى على حياتك لمدة ثلاثة أشهر ونصف وأنت في مخافر الشرطة بـ”درب مولاي الشريف” السيئ الذكر. نخاف أن يصيبك أدى نتيجة ألوان القمع الشرس الذي برع فيه زبانية النظام. وكم كان فرحنا عظيماً لما علمنا بنقلك إلى السجن.

لكن الفاجعة التي هزت كل كياننا، فيما بعد، كانت أفظع وأقسى على قلبنا جميعا وعلى الأم والأب بشكل خاص. كنت تناضلين إلى جانب رفاقك ورفيقاتك من أجل المطالبة بالاعتراف بكم كمعتقلين سياسيين. لكن النتيجة كانت فاجعة اهتزت لها الضمائر الحيّة في كل أرجاء المعمور. واليوم في العقد الثاني من الألفية الثالثة ما زال المعتقلون السياسيون يرفعون نفس المطلب الذي كنت تطالبين به منذ 42 سنة خلت. لكن هذا لا يعني إطلاقاً أن لا جدوى من النضال، سيما أن الأمل ما يزال قائما بفضل إصرار شبابنا على النضال من أجل مغرب آخر، مغرب الكرامة والحرية…

يأتيني سؤالك المألوف ويتجدّد. أرتبك، أتردَّد، لا أريد أن أردد عليك ما قلته في السنة الماضية. لكن يغيب عني وجهك المشرق وابتسامتك الرقيقة… أحاول أن أتناسى أسئلتك، أُمانعُ ويُطاردني سؤالك في معيشي اليومي.

حبيبتي سعيدة، وطننا يعيش اليوم فترات عصيبة، فترات تذكرني بما عشناه في سبعينيات القرن الماضي. طبعا، إنها صيغة مُنقّحة وبأشكال مختلفة لأحداث الماضي. نفس النظام بوجوه وأقنعة جديدة قديمة، غير أنها تُمارس نفس البطش والتنكيل والتفقير والحڱرة التي عشناها معاً في سنوات الجمر والقمع. هي السياسة التي ذهب ضحيتها مجموعة من الشباب والنساء والرجال حبا لوطنهم وغيرة عليه وحبا في شعبنا وغيرة عليه من أجل العيش بكرامة.

هذا العجز عن كتابة هذه الكلمة، البسيطة في حد ذاتها، مَردُّه الوضع المتردي والمستمر والاستبداد والاضطهاد المطبقان على البلد. فرغم كل الدعاية والإدعاءات التي تغرقنا صباح مساء بمقولة “العام زين” وأن المغرب يسير بخطى حثيثة نحو التنمية والازدهار… فإن حرية التعبير حبر على ورق وكل من سولت له نفسه تجاوز الخطوط الحمراء يصبح في تعداد المجرمين. السجون بقيت على عهدها ملئ بالمعتقلين السياسيين من أهلنا في الريف وفي جرادة وفي مناطق أخرى من البلد.

أما عن وضعية المرأة فحدث ولا حرج. إنها ما زالت ملكاً لأبيها وزوجها وابنها وعشيرتها وقبيلتها، إنها من متاع الدنيا الذي يتوارثه الإخوة. نعم فالمرأة لا حرية لها في التصرف في جسدها وعلاقاتها وهنا تحضرني تصريحاتك أمام محكمة الجنايات الكبرى في صيف سنة 1977 حيث صرّحت بوضوح آنذاك بأن لديك الحق في اختيار شريكك في الحياة، الرجل الذي تريدين العيش معه، ولا أحد له الحق في التدخل في اختيارك الحر. فجسدك وحريتك الفردية ملكٌ لك غير قابل للتفويت. وبتصريحاتك هذه كنت بحق رائدة للحركة النسوية المغربية. وقد احترم والدنا اختيارك هذا وقبل به وكان فخوراً بنا نحن بناته فخوراً باختياراتنا التي احترمها على الدوام.

مرت 42 سنة والنساء في بلدنا ما زلن عرضة لكل أشكال الانتهاكات والاعتداءات والاغتصاب، ويبقى القانون لحد الآن مُجحفاً في حقهن. القانون في بلدنا هذا ما زال يُوضع ويُصاغ من طرف أصحاب العقليات الذكورية الذين يعتبرون المرأة ناقصة عقل ويريدون استدامة دونيتها متجاهلين بذلك كلما حققته النساء في بلدنا وهي التي تتحمّل كل أعباء وهموم الحياة الأسرية والسهر على التسيير اليومي للبيت، مع كل ما يحيط بهذا الواقع من مشاكل مادية ومعنوية. فكيف يكون لها الوقت الكافي لتنمية عقلها وذكائها وهي منغمسة في مشاكل يستعصي حلها. إنها تحمل وتتحّمل كل وزر المجتمع. وبالرغم من كل ذلك برهنت كل نساء العالم على قدرتهن على الابتكار والخلق والتقدم وكما قال ماو تسي تونغ إن المرأة هي نصف السماء. فكيف للعالم أن يكون بدونها. واليوم ترفع كل نساء العالم راية التحرر والانعتاق من كل أشكال التمييز والعنف والاضطهاد، متجاوزة بذلك عقلية المظلومية victimisation.

سعيدة كنا نعيش كالتوائم، كانت لنا القناعة أن كل واحدة منا تسكن بداخل الأخريات رغم اختلافنا، وحتى الموت. كم أشتاق إلى رؤيتك اليوم، خاصة في كل ذكرى من ذكريات اغتيالك. اشتياقي إليك دائم بالأمس واليوم وغداً. اشتياقي إلى الإحساس بوجودك إلى جانبي باستمرار، أعانقك وأقبل وجنتيك. إنك ساكنة في القلب أتذكر اليوم مواضيع نقاشاتنا مع الوالدين ونحن ما زلنا شباباً بعد أن أصبحنا نؤمن بأن الإيديولوجية الماركسية هي الطريق الوحيد لتحرير الشعوب وما زلنا على الدرب سائرين. إنها قناعاتنا وتراثك الذي ورثناه. كنا نأمل أن نصبح شيوعيات بالمعنى الرفيع للكلمة وتشبثنا بهذا الاقتناع على الدوام.
مع الأسف تم بثر أعز الناس إلينا أنت سعيدة، فمكانك بيننا صار فارغا وأصبحنا يتامى هذا الوطن.

كم من مرة أتمنى أن أجدك بجانبي نتفسح كما كنا في شوارع المدينة لتري بأم عينيك أن لا تغيير حدث في البلد لحد الساعة. الحصيلة هي أن بلادنا التي شهدت تحولات كبرى على كافة المستويات بما فيها انتقال المُلك إلى ملك آخر ما فتئت ترزح تحت نير الاستبداد مع تفاقم الإفلات من العقاب وغير ذلك كثير…

لكن الأمل في التغيير ما يزال قائماً. الجماهير الشعبية تقاوم، تستنكر الوضع السائد رغم كونها عزلاء، وحيدة، يتيمة النخب السياسية المناضلة إلا من رحم ربك… مع بعض بقايا الحركات الجذرية التائهة والمعزولة. كما كان شأننا في ماضي الزمن، معزولة عن أصحاب المصلحة الحقيقية في تغيير مجتمعنا… إننا نعيش اليوم زمن الردة الحزبية، ومع ذلك فإن جماهير شعوب العالم وشبابها حاملة لنهضة تنير طريقنا أملا وحلما.

إذا كان ماركس في القرن التاسع عشر ترك لنا رسالة “يا عمال العالم اتحدوا” فإن النساء اليوم يمكنهن تبني هذه المقولة والقول “يا نساء العالم اتحدن” ليس فقط ضد الامبريالية والرأسمالية بل بالأساس ضد الاستبداد والقهر والظلم المحلي ضد العنصرية والاتجار بالنساء والفقر والتهميش الناتجين عن الرأسمالية المدعمة بالأنظمة الاستبدادية المحلية.

أشد على يد كل النساء وباسم سعيدة المنبهي نزغرد لزمن أعطانا من أمثالها ومن أمثال بن بركة وعمر وزروال ومحسن فكري وهم كثر يصعب ذكر أسمائهم فمعذرة لهم. إن اللائحة طويلة ليس فقط في المغرب بل في العالم بأسره.

مراكش، 14 دجنبر 2019         


النهج الديمقراطي يخلد ذكرى الشهداء


عرفانا بتضحية شهدائنا وتجديد العهد على مواصلة النضال من أجل مغرب حر وديمقراطي ينعم فيه الشعب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وكما دأب على ذلك كل سنة، خلد النهج الديمقراطي ذكرى شهدائه وكل شهداء الشعب المغربي الذين افدوا حياتهم في سبيل تحرر شعبنا وانعتاقه، مساء يومه السبت 21 دجنبر 2019 بقاعة نادي المحامين، بحي المحيط بالرباط. وتضمن برنامج هذه الذكرى كلمة الرفيق المصطفى براهمة باسم الكتابة الوطنية وكلمات بعض عائلات الشهداء بالإضافة إلى فقرة فنية.

المجد والخلود لشهداء الشعب المغربي.

L’image contient peut-être : 4 personnes, dont El Habib El Titi, Khadija Ainani et Jadidanahj Nahj, personnes souriantes, personnes debout

L’image contient peut-être : 9 personnes, dont El Habib El Titi et Jadidanahj Nahj, personnes souriantes, personnes debout et costume

L’image contient peut-être : 6 personnes, personnes souriantes, barbe et intérieur

L’image contient peut-être : 10 personnes, personnes souriantes, foule et intérieur

L’image contient peut-être : 7 personnes, dont Zahra Azlaf et Samira Rayasse, personnes souriantes, personnes debout et plein air

  •  
  •  
  •  
  •