كلمة الميدان: 6 أبريل: الثورة والتحديات الراهنة
كلمة الميدان:
6 أبريل : الثورة والتحديات الراهنة
في السادس من أبريل، تعود الذاكرة السودانية إلى واحدة من أكثر لحظاتها كثافةً وإلهامًا: إعتصام القيادة العامة، الذي لم يكن مجرد فعل إحتجاجي، بل تعبيرًا عميقًا عن إرادة شعبية كسرت حاجز الخوف وفتحت أفقًا جديدًا للتغيير. ومع حلول الذكرى السابعة، يقف السودان اليوم على النقيض من تلك اللحظة؛ حرب مدمرة، وإنقسام سياسي حاد، وأزمة حكم تعكس الفشل والتآمر في إدارة الإنتقال، وتكشف عن عمق التحديات التي لم تُحسم منذ سقوط رأس النظام السابق.
إندلاع الحرب لم يكن حدثًا مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة منطقية لتراكمات طويلة: تعدد الجيوش، غياب عقيدة وطنية موحدة، وتضارب المصالح داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
الحرب عمّقت المأساة الإنسانية، ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء، وفتحت الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية، مما يهدد ما تبقى من سيادة البلاد.
في مراكز السيطرة المختلفة، سواء في بورتسودان أو نيالا، تواجه سلطات الأمر الواقع تحديات متصاعدة تهدد قدرتها على الإستمرار.
في بورتسودان، التي تحولت إلى عاصمة إدارية مؤقتة، تتزايد الضغوط الإقتصادية بشكل واضح: إرتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، تدهور الخدمات، وأزمات في المرتبات والإمدادات. هذه الأوضاع إنعكست في شكل إحتجاجات متفرقة وإضرابات وسط قطاعات حيوية، بما في ذلك الموانئ والخدمات العامة، مما يكشف عن هشاشة الوضع الإقتصادي حتى في المناطق التي يفترض أنها “أكثر إستقرارًا”.
أما في نيالا، حيث تتشكل سلطة أمر واقع في ظل ظروف أمنية معقدة، فإن الأزمة تبدو أكثر حدة. النشاط الإقتصادي شبه مشلول، الأسواق تعاني من كساد حاد، وشبكات الإمداد تعاني من الإنقطاع. إلى جانب ذلك، تعاني هذه السلطات من عزلة داخلية بسبب ضعف القبول الشعبي، وعزلة خارجية نتيجة غياب الإعتراف الدولي، ما يحدّ من قدرتها على الوصول إلى الموارد أو بناء علاقات مستدامة.
العامل المشترك بين هذه التجارب هو غياب الشرعية السياسية، والإعتماد على أدوات قسرية في إدارة المجتمع، وهو ما يفاقم الإحتقان بدلًا من إحتوائه. والأزمة الثورية في طريقها للنضوج.
تمثل ذكرى 6 أبريل لحظة مزدوجة: فهي من جهة تذكير بقدرة الجماهير على الفعل والتغيير، ومن جهة أخرى مرآة تعكس حجم التآمر على الثورة . السؤال الجوهري اليوم: كيف يمكن إستعادة تلك الروح في واقع أكثر تعقيدًا وخطورة؟
الإجابة لا تكمن في إستدعاء الماضي بشكل رومانسي، بل في قراءة دروسه بعمق. فقد نجح الإعتصام لأنه جمع بين وحدة الهدف، والتنظيم القاعدي.
السؤال الهام كيف يمكن للجماهير أن تنتصر مرة أخرى؟
أولًا، إعادة بناء الحركة الجماهيرية من القاعدة. التجربة أثبتت أن لجان المقاومة والتنظيمات القاعدية كانت الأكثر قدرة على التعبير عن الشارع. إعادة تفعيل هذه الأطر، وتوحيدها في جبهة جماهيرية قاعدية هو شرط أساسي لأي إنتصار قادم.
ثانيًا، توحيد الرؤية السياسية. لا يمكن مواجهة الأزمة الحالية بدون مشروع واضح: إنهاء الحرب، تأسيس سلطة مدنية كاملة، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. التشتت هو أكبر هدية تُمنح للقوى المضادة للتغيير.
ثالثًا، الإستفادة من تناقضات سلطات الأمر الواقع. الأزمات الإقتصادية والإضرابات، إلى جانب العزلة الداخلية والخارجية، تخلق بيئة موضوعية قابلة للإشتعال الشعبي. عندما تفشل هذه السلطات في توفير الحد الأدنى من المعيشة أو الأمن، فإنها تفقد تدريجيًا أدوات السيطرة، وهو ما يفتح المجال أمام عودة الحراك الجماهيري بشكل أوسع.
رابعًا، فك الإرتباط مع مراكز القوة العسكرية. أي تسوية تعيد إنتاج الشراكة المختلة ستقود إلى دورة جديدة من الأزمات. المطلوب هو إعادة تعريف العلاقة بين المدني والعسكري، على أساس خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية.
خامسًا، توسيع قاعدة المشاركة. إشراك الأقاليم، والنازحين، والفئات المهمشة، خاصة في مناطق النزاع مثل دارفور، يمكن أن يحول الحراك من موجات إحتجاج إلى حركة تغيير شاملة.
سادسًا، تبني أدوات نضال متعددة . في ظل الحرب، قد لا تكون أدوات الإحتجاج التقليدية كافية. المطلوب هو تطوير أشكال جديدة من المقاومة المدنية، تجمع بين الضغط الشعبي والعمل السياسي المنظم، مستفيدة من حالة السخط المتنامي داخل مناطق سيطرة الأطراف المختلفة.
وكل عام وأنتم بخير..
الميدان 4448،، الثلاثاء 7 مارس 2026م

