كلمة الميدان: مؤتمر برلين… بين ضجيج الخارج ونداء الداخل

كلمة الميدان: مؤتمر برلين… بين ضجيج الخارج ونداء الداخل




كلمة الميدان:
مؤتمر برلين… بين ضجيج الخارج ونداء الداخل

يأتي مؤتمر برلين حول السودان في لحظةٍ بلغت فيها المأساة الإنسانية ذروتها، حتى غدت – بحق – الأفدح عالميًا. وبينما يعلن السفير ولفرام فيتر أن الهدف هو “وضع الكارثة الإنسانية في صميم أجندة المجتمع الدولي، والتأكيد على وحدة السودان، وتنسيق الجهود لحماية المدنيين والتوصل إلى حل سلمي”، فإن السؤال الجوهري لا يكمن في نُبل العبارات، بل في حدودها: هل تكفي لغة التعاطف الدولي لصناعة السلام؟ أم أن السلام، في جوهره، فعلٌ وطنيٌّ تراكمي لا يُستورد؟

لقد أثبتت سنوات الحرب أن تكرار المنصات الدولية، من باريس إلى لندن وصولًا إلى برلين، لم يُفضِ إلى إختراقٍ نوعي – لا في وقف نزيف الدم، ولا في كبح التدخلات الخارجية الداعمة لأطراف الحرب، ولا في إطلاق عملية سياسية جادة تُنهي الحرب وتؤسس لسلامٍ مستدام. فالمؤتمرات التي تُعقد بعيدًا عن نبض الجماهير، مهما حسنت نواياها، تظل عرضة لأن تتحول إلى إدارةٍ للأزمة لا حلٍّ لها، وإلى إنتاج “أثرٍ دبلوماسي” أكثر منه تغييرًا فعليًا في ميزان الواقع.

إن جوهر المعضلة السودانية لا يكمن في غياب التعهدات، بل في غياب الإرادة السياسية الوطنية المستقلة. فكما تؤكد رؤية القوى الثورية، لا حل عسكريًا لهذه الحرب، ولا مخرج إلا عبر مسارٍ سياسي يضع حدًا للتدخلات الخارجية، ويوقف تدفق السلاح، ويؤسس لجيشٍ وطنيٍّ مهنيٍّ موحّد تحت سلطةٍ مدنيةٍ ديمقراطية. غير أن هذا المسار يفقد معناه إن لم يكن سودانيَّ المنشأ، سودانيَّ القيادة، سودانيَّ الغاية.

ومن هنا تتقاطع التحفظات: فمؤتمر برلين، رغم أهميته المحتملة في حشد الدعم الإنساني، يعيد إنتاج الإشكال القديم – الخلط بين الدعم الدولي المشروع والوصاية السياسية المرفوضة. إذ لا يمكن لمنصةٍ خارجية، مهما إتسعت، أن تحل محل الفعل الجماهيري المنظم في الداخل، ولا أن تختزل تعقيدات الصراع في “نداء جامع” أو وثيقةٍ مُعدّة سلفًا.

لقد عبّرت قوى التغيير الجذري بوضوح عن هذا المأزق، حين رفضت المؤتمر بوصفه محاولةً جديدة لفرض حلولٍ فوقية تعيد إنتاج الأزمة. وهو موقف، على إختلاف دوافع القوى، يكشف حقيقةً أعمق: أن السلام لا يُفرض من أعلى، ولا يُصاغ في عواصم بعيدة، بل يُنتزع من قلب المعاناة، عبر نضال الجماهير وتنظيمها، وعبر إستعادة روح ثورة ديسمبر التي رفعت شعار الحرية والسلام والعدالة.

إن المأساة الإنسانية، بكل فداحتها، لا ينبغي أن تتحول إلى بوابةٍ لشرعنة حلولٍ منقوصة، بل إلى دافعٍ لتصعيد الضغط من أجل وقف الحرب فورًا، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وإنهاء الإفلات من العقاب. فالعدالة ليست ترفًا مؤجلًا، بل شرطٌ لازم لأي سلامٍ مستدام.

وعليه، فإن المعركة الحقيقية ليست في برلين، بل في السودان ذاته: في الشارع، في لجان المقاومة، في النقابات، في كل فضاءٍ يتشكل فيه الوعي الجماهيري. هناك فقط تُصنع السياسة، وهناك وحده يتحدد مصير البلاد. أما دور المجتمع الدولي، إن أراد أن يكون نزيهًا، فهو أن يدعم هذا المسار، لا أن يستبدله.

إن “سودانية” السلام ليست شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة تاريخية. فالشعوب وحدها هي التي تملك حق تقرير مصيرها، وهي وحدها القادرة على تحويل الألم إلى أفق، والهزيمة إلى بدايةٍ جديدة. وفي هذا المعنى، فإن كل مؤتمر لا ينطلق من هذه الحقيقة سيظل – مهما علا صوته – مجرد صدى بعيد لصراعٍ لم يُحسم بعد.

الميدان 4452،، الخميس 16 ابريل 2026م.