السودان: الموت والدمار والعطش في زمن الحرب

السودان: الموت والدمار والعطش في زمن الحرب




كلمة الميدان:
الموت والدمار والعطش في زمن الحرب

كشف تقرير صادر عن لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي FRC/IPC) ) بشأن تحليل السودان لشهر أبريل، عن تفاقمٍ غير مسبوق للأزمة الإنسانية في البلاد، مؤكّدًا أنّ نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات حادّة من الجوع، بينما يتهدّد خطر المجاعة أربع عشرة منطقة سودانية. ويأتي ذلك في ظل إنهيارٍ متسارع للبنية الأساسية، وتفاقم أزمة الكهرباء والمياه والخدمات الصحية، بما يجعل العام الرابع للحرب عامًا للخوف والجوع والمرض والموت الجماعي البطيء.

ولم تعد هذه الكارثة مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أصبحت تعبيرًا مباشرًا عن سياسات التدمير المنهجي التي طالت الأسواق، ومصادر المياه، والمرافق الصحية، وسبل الإنتاج الزراعي والرعوي، إلى جانب الحصار وتعطيل حركة المدنيين والمساعدات الإنسانية. كما أنّ استمرار القتال والهجمات على المدنيين والبنية التحتية يهدد بتحويل المجاعة إلى واقعٍ دائم يجري التطبيع معه سياسيًا ودوليًا، في ظل العجز الدولي المتواصل عن فرض وقفٍ للحرب وحماية المدنيين.

وما تزال المدافع والطائرات المسيّرة تحصد أرواح المدنيين في المدن والقرى، بينما تتوسع دائرة الإستهداف لتشمل المستشفيات والمدارس ومحطات الكهرباء والمياه والجسور، في إنتهاكٍ صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر إستهداف الأعيان المدنية والبنى التحتية الضرورية لبقاء السكان. لقد أصبح الدمار الشامل والموت الجماعي العنوان الحقيقي لحربٍ إستنزفت البلاد ومزّقت المجتمع ودفعت السودان إلى حافة الإنهيار الكامل.

إنّ تداعيات الحرب، وسيادة منطق القوة والسلاح، لم تتوقف عند حدود القتل المباشر، بل إمتدت إلى المصادرة المنهجية للحقوق السياسية والإجتماعية والإقتصادية للمواطنين. فلوائح المعتقلين تتسع يومًا بعد يوم، وأعداد المختفين قسرًا تتزايد بصورة مقلقة، في ظل غياب أي شفافية أو رقابة قانونية على أوضاع السجون ومراكز الإحتجاز التابعة لسلطات الأمر الواقع. ويجري ذلك وسط صمتٍ رسمي وإنكارٍ متواصل لما يتعرض له المدنيون من إنتهاكات جسيمة تمس الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية المكفولة بموجب المواثيق الدولية.

وفي دارفور، تتجلى المأساة بأكثر صورها قسوة، خاصة في مناطق أمبرو وكِرنوي والطينة، حيث أدت الحرب والنزوح والعزلة إلى إنهيار مصادر الغذاء التقليدية، وتدهور أوضاع الرعاة والمزارعين، وإرتفاع معدلات سوء التغذية والوفيات بصورة خطيرة. ويعيش السكان في ظروف بالغة القسوة داخل الأحراش والمناطق المعزولة، مع غياب شبه كامل للخدمات الصحية ومياه الشرب والمساعدات الإنسانية، في وقتٍ أصبحت فيه طرق الإغاثة والمعابر الحدودية غير آمنة أو مغلقة بفعل العمليات العسكرية وإتساع رقعة النزاع.

وفي قلب هذا المشهد الكارثي، يواجه سكان الخرطوم ومدن أخرى حصارًا يوميًا من نوعٍ مختلف: حصار العطش. فقد أدى التدمير الواسع لمحطات الكهرباء والمياه إلى شلل شبه كامل في خدمات الإمداد المائي، لتتحول المياه من خدمة عامة يفترض أن تكفلها الدولة إلى معركة يومية مرهقة يخوضها المواطن تحت أزيز الرصاص وهدير المسيّرات.

ولعلّ أحد أخطر مظاهر الإنهيار يتمثل في التدمير الواسع للبنية الكهربائية، حيث تعيش أحياءٌ كاملة لساعات وأيام متواصلة بلا كهرباء، في ظل صيف السودان القاسي ودرجات الحرارة المرتفعة. ويعني ذلك عمليًا توقف محطات تنقية وضخ المياه، وتعطل المستشفيات والخدمات الأساسية، وتفاقم المخاطر الصحية والبيئية بصورة تنذر بكوارث أوسع نطاقًا.

ومنذ إندلاع الحرب، تحوّل الحصول على مياه الشرب إلى عبء يومي يستنزف وقت المواطنين وجهدهم ومواردهم المحدودة. يقف السكان لساعات طويلة في صفوف ممتدة للحصول على الحد الأدنى من إحتياجاتهم المائية، بينما تتراجع جودة المياه المتوفرة، وتتزايد إحتمالات إنتشار الأوبئة والأمراض المرتبطة بالتلوث وإنهيار خدمات الرعاية الصحية والصرف الصحي.

ويتزامن ذلك مع الإرتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية، وندرة المواد الغذائية والدوائية، وإنهيار القدرة الشرائية لغالبية السكان، الأمر الذي يعكس حجم الإنهيار الإقتصادي الذي قادت إليه الحرب. فقد تعطلت قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، وتراجعت حركة الأسواق، وتفككت شبكات الإمداد، بينما تُرك ملايين السودانيين لمواجهة مصيرهم في ظل غياب أي سياسات إجتماعية أو إقتصادية قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية.

السودان اليوم بلدٌ أنهكته الحرب، وأضعفته الأزمات المتلاحقة والهزائم الوطنية المتراكمة. ولم تعد معاناة المواطن السوداني تقف عند حدود الخوف من الموت بالقصف أو الرصاص، أو عند مأساة النزوح وفقدان المأوى، بل امتدت لتطال أبسط مقومات الحياة الإنسانية: الماء، والغذاء، والدواء، والكهرباء، والأمان.

ورغم هذا الواقع القاسي، يواصل المواطنون صراعهم اليومي دفاعًا عن الحياة والبقاء، مستندين إلى قيم التضامن الأهلي والعمل الجماعي وروح المقاومة المدنية. ففي الأحياء ومراكز النزوح، تواصل لجان الأحياء ولجان المقاومة والقوى المدنية وتنظيمات التغيير الجذري جهودها لتوفير الحد الأدنى من مقومات الصمود الإجتماعي، ومحاولة حماية ما تبقى من النسيج المجتمعي في مواجهة الإنهيار.

وتتحمل أطراف الحرب، ومعها القوى الإقليمية والدولية الداعمة لها، مسؤولية مباشرة عن هذه المأساة التي بات واضحًا أنها كارثةٌ مصنوعة بفعل فاعل، وليست قدرًا محتومًا أو نتيجةً طبيعية للصراع. وهو ما يعني أنّ وقفها يظل ممكنًا عبر التوصل إلى حلٍ سياسي عاجل، وفرض وقفٍ فوري لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بلا عوائق، وحماية المدنيين ومقومات حياتهم وفق قواعد القانون الإنساني الدولي.

إنّ ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد أزمة غذاء أو كارثة إنسانية عابرة، بل هو إنهيار شامل لشروط الحياة الإنسانية والدولة والمجتمع معًا. وأمام هذا الواقع، تصبح مسؤولية القوى الوطنية والديمقراطية، والقوى الحية في العالم، مضاعفة من أجل وقف الحرب، وكسر الصمت الدولي، والدفع نحو حلٍ سياسي يعيد للسودانيين حقهم في الحياة والسلام والكرامة، ويفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة على أسس العدالة الإجتماعية والمواطنة وسيادة القانون.

الميدان 4466،، الثلاثاء 19 مايو 2026م.