كلمة الميدان: نحو استعادة المبادرة الداخلية

كلمة الميدان: نحو استعادة المبادرة الداخلية




كلمة الميدان:
نحو استعادة المبادرة الداخلية

في خضم الحراك الدولي المتسارع حول الأزمة السودانية، تبدو الساحة وكأنها تشهد محاولة متأخرة لكسر جمود طال أمده. فتصريحات المبعوثين الدوليين، وتنشيط الآليات الإقليمية، وإنعقاد مؤتمرات مثل برلين، جميعها تعكس إدراكاً متنامياً لخطورة إستمرار الحرب وتداعياتها التي تجاوزت حدود السودان إلى الإقليم والعالم. غير أنّ هذا الزخم، على أهميته، يظل قاصراً ما لم ينفذ إلى جوهر الأزمة، أي غياب الفعل المنظم للجبهة الداخلية السودانية.

لقد كشفت تصريحات السيد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق أوسطية، من القاهرة، عن تحول لافت في المقاربة الدولية؛ إذ أقرّ بأن ما يجري في السودان لم يعد شأناً داخلياً، بل غدا تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي، بما في ذلك أمن البحر الأحمر وإستقرار المنطقة بأسرها. ويعكس هذا التوصيف حجم القلق الدولي، كما يبرر—من منظور تلك القوى—تزايد التدخل والسعي إلى حلول عاجلة. غير أن السؤال الحاسم يظل قائماً: هل يمكن إنهاء حرب معقدة الجذور عبر مقاربات خارجية حصرية مفروضة من أعلى؟.

إن تجارب السودان وغيرها تؤكد محدودية الحلول الفوقية التي تنشغل بإدارة الأزمة بدلاً من تفكيك أسبابها. فالحرب الراهنة ليست سوى محصلة تراكمات بنيوية عميقة، تتصل بطبيعة السلطة، وإختلال تكوين الدولة، وتعثر الإنتقال السياسي عقب ثورة ديسمبر. وعليه، فإن أي مسار لا ينطلق من معالجة هذه الجذور محكوم عليه إما بالإخفاق أو بإنتاج تسويات هشة سرعان ما تتداعى.

وفي مقابل التركيز المكثف على المسارات الدولية والإقليمية – من الآليات الخماسية إلى مخرجات مؤتمر برلين – يبرز تهميش واضح لدور القوى الحية داخل السودان، وهي وحدها التي تمتلك الشرعية الإجتماعية والقدرة على إحداث تغيير مستدام. فقوى التغيير الجذري ولجان المقاومة الميثاق الثوري، والقوى النقابية الناشئة، وسائر الفاعلين المتمسكين بقيم الثورة، يشكلون معاً نواة جبهة داخلية قاعدية قادرة على بلورة مشروع وطني ديمقراطي جامع.

إن هذه الجبهة شرطٌ تأسيسيّ لازم لأي حل حقيقي. فلا سلام يُفرض من الخارج في غياب توافق وطني واسع، ولا دولة تُبنى على أسس مستقرة دون مشاركة فعّالة لقواها الإجتماعية والسياسية الأصيلة. والمطلوب اليوم يتجاوز مجرد وقف الحرب إلى إعادة تأسيس المسار السياسي برمته، على قاعدة تستجيب لتطلعات السودانيين الذين إنتفضوا من أجل الحرية والسلام والعدالة، وما تزال أشواقهم معلقة بتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.

من هنا، فإن التحدي الجوهري لا يكمن في ندرة المبادرات الدولية، بل في إعادة توجيه البوصلة نحو الداخل، وبناء جبهة جماهيرية قاعدية واسعة تمسك بزمام المبادرة، وتقود عملية سياسية جديدة تستعيد روح الثورة وتؤسس لإنتقال حقيقي يقطع مع إرث الأزمات.

وفي المحصلة، قد يضطلع المجتمع الدولي بدور مساند ومهم، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة الوطنية. فالحل في السودان، كما دلّت تجاربه، يظل رهيناً بقدرة أبنائه على التوحد حول مشروع وطني ديمقراطي جامع، يضع حداً للحرب ويفتح الطريق نحو مستقبل أكثر إستقراراً وعدالة.

الميدان 4455،، الخميس 23 ابريل 2026م.