السودان: الطريق إلى إنهاء الحرب واسترداد الثورة

السودان: الطريق إلى إنهاء الحرب واسترداد الثورة




كلمة الميدان:
الطريق إلى إنهاء الحرب واسترداد الثورة (1)

تشهد الحرب في السودان تعقيدات متزايدة لا يمكن فهمها بمعزل عن حجم التدخلات الخارجية التي حولت الصراع من أزمة داخلية إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي. فمنذ اندلاع المواجهات، تكاثرت المبادرات والمؤتمرات الخارجية التي رُوِّج لها كمسارات للحل، لكنها في الواقع لم تنجح في وقف نزيف الدم، بل ساهم بعضها —بشكل مباشر أو غير مباشر— في إطالة أمد الحرب.

المؤتمرات التي عُقدت في عواصم مختلفة حملت عناوين براقة: وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، دعم الانتقال السياسي. غير أن هذه المنصات افتقرت إلى عنصرين حاسمين: الإرادة السياسية الحقيقية، وتمثيل القوى الشعبية الثورية على الأرض. كثير من تلك المبادرات خضع لحسابات الدول الراعية ومصالحها، سواء كانت مرتبطة بالنفوذ الجيوسياسي أو الموارد أو إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. وهكذا تحولت بعض تلك اللقاءات إلى مجرد واجهات دبلوماسية لا تعالج جذور الأزمة، بل تديرها بما يخدم أطرافًا بعينها.

في المقابل، لعبت قوى الإسلام السياسي —وخاصة المرتبطة بالنظام البائد— والمليشيات المسلحة دورًا تخريبيًا واضحًا في تأجيج الحرب. هذه القوى، التي فقدت سلطتها بفعل الثورة الشعبية، لم تتخلَّ عن مشروعها، بل سعت إلى إعادة إنتاج نفسها عبر تغذية الصراع، واختراق المؤسسات، ودعم خطاب الاستقطاب والانقسام. لقد وجدت في الحرب فرصة للعودة إلى المشهد، حتى ولو كان الثمن هو تمزيق ما تبقى من نسيج الدولة والمجتمع.

إن استمرار الحرب بهذا الشكل يكشف عن أزمة عميقة في بنية الحلول المطروحة. فلا يمكن إنهاء الصراع عبر تفاهمات فوقية تُصاغ خارج البلاد، بينما يتم تهميش القوى التي صنعت الثورة وقدمت التضحيات. التجارب أثبتت أن أي عملية سلام لا تنبع من الداخل، ولا تستند إلى قاعدة جماهيرية منظمة، مصيرها الفشل أو الالتفاف.

من هنا تبرز أهمية وحدة صف القوى الثورية كشرط أساسي للخروج من دوامة الحرب. فالتشتت والانقسامات بين مكونات الثورة أضعفا قدرتها على التأثير، وفتحا المجال أمام القوى المضادة للثورة لملء الفراغ. المطلوب اليوم ليس مجرد تنسيق ظرفي، بل بناء جبهة قاعدية واسعة تستند إلى لجان المقاومة، والنقابات، وتحالف التغيير الجذري والتنظيمات المدنية، وكل قوى التغيير الحقيقي.

هذه الجبهة ليست تحالفًا نخبويًا، بل مشروعًا سياسيًا جماهيريًا يعيد السلطة إلى الشعب، ويضع أسس الدولة المدنية الديمقراطية. جبهة قادرة على فرض أجندة السلام العادل، ووقف الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتفكيك بنية النظام القديم التي لا تزال تغذي الصراع.

إن الطريق إلى إنهاء الحرب في السودان لا يمر عبر قاعات الفنادق في الخارج، أو إعادة انتاج الاتفاق الاطاري، بل عبر الشارع السوداني نفسه—حيث بدأت الثورة، وحيث يمكن أن تُستكمل. وحدة القوى الثورية وبناء الجبهة القاعدية ليسا خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة تاريخية لإنقاذ البلاد من الانهيار، وفتح أفق جديد نحو الحرية والسلام والعدالة.

نواصل

الميدان 4459،، الأحد 3 مايو 2026م.