السودان: الحرب والتدهور الإقتصادي

السودان: الحرب والتدهور الإقتصادي




كلمة الميدان:
الحرب والتدهور الإقتصادي

منذ إندلاع الحرب في أبريل 2023، دخل الإقتصاد السوداني في واحدة من أعمق الأزمات التي عرفها في تاريخه الحديث، حيث تسببت الحرب في تفكيك ركائز النشاط الإقتصادي والإنتاجي، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية والمنشآت الصناعية والتجارية والخدمية، وعطلت حركة الأسواق وسلاسل الإمداد والنقل والتبادل بين المدن والأقاليم. ولم يقتصر أثر الحرب على الخسائر المادية المباشرة، بل امتد ليصيب بنية الإقتصاد الوطني بالشلل، دافعاً البلاد نحو دائرة متصاعدة من الإنكماش والتراجع الإقتصادي والتدهور الإجتماعي.

وتعكس المؤشرات الإقتصادية حجم الكارثة التي أفرزتها الحرب؛ فقد إنكمش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 29.4% خلال عام 2023، ثم واصل تراجعه بنسبة إضافية بلغت 14% في عام 2024، وهي معدلات تُعد من بين الأشد عالمياً خلال السنوات الأخيرة. ويعني ذلك عملياً تقلص الإنتاج والدخول وفرص العمل، واتساع رقعة البطالة والفقر، وانحسار قدرة الإقتصاد على توفير الإحتياجات الأساسية للمواطنين، في وقت تتزايد فيه الأعباء المعيشية على نحو غير مسبوق.

وفي ظل هذا الواقع، تتعرض الجماهير الشعبية لموجات متلاحقة من الغلاء والتضخم. فقد أدى تدهور قيمة العملة الوطنية، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والإنتاج، وتعطل قنوات التوزيع، إلى قفزات متواصلة في أسعار الغذاء والدواء والسلع الضرورية. وبينما تواصل الأسعار إرتفاعها بوتيرة متسارعة، ظلت الأجور والدخول الحقيقية تتآكل بصورة مستمرة، ما أدى إلى إنهيار القوة الشرائية لغالبية السكان. وأصبح توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية تحدياً مرهقاً لملايين الأسر، خاصة وسط اتساع البطالة وتراجع مصادر الدخل المنتظم.

وتكشف أوضاع الأمن الغذائي عن الوجه الأكثر قسوة لهذه الأزمة. فالملايين يواجهون مستويات خطيرة من إنعدام الأمن الغذائي، بينما تحتاج قطاعات واسعة من السكان إلى مساعدات إنسانية عاجلة. ولم تعد المجاعة مجرد إحتمال مستقبلي، بل غدت خطراً ماثلاً في العديد من المناطق التي دمرتها الحرب وأثقلتها موجات النزوح والإنهيار الزراعي والإنتاجي. ويؤكد ذلك الترابط العضوي بين الأزمة الإقتصادية والأزمة الإنسانية، حيث يقود تدمير الإنتاج وسبل كسب العيش إلى تعميق الجوع والفقر والتهميش على نطاق واسع.

وقد دفعت هذه الأوضاع الكارثية قطاعات متزايدة من العاملين والمهنيين إلى الإحتجاج والإضراب دفاعاً عن حقوقهم المعيشية، للمطالبة بصرف الأجور المتأخرة، ورفع الرواتب بما يتناسب مع معدلات التضخم، وتحسين شروط العمل والحماية الإجتماعية. وتتسع دائرة هذه التحركات يوماً بعد يوم، مع اتساع قاعدة المتضررين من الحرب والإنهيار الإقتصادي. ومن هنا تبرز أهمية الحركة النقابية والمطلبية بوصفها أداة أساسية للدفاع عن مصالح العاملين والفئات الشعبية، ليس فقط في مواجهة تدهور الأجور وشروط العمل، بل أيضاً في مواجهة السياسات والظروف التي تدفع بأعباء الأزمة كاملة على كاهل الجماهير. فمعركة الأجور والخدمات والحقوق النقابية هي، في جوهرها، جزء من معركة أوسع من أجل العدالة الإجتماعية وصون حق المواطنين في العيش الكريم.

وفي هذا السياق، تثير الإتجاهات المتداولة لتقليص الخدمة المدنية وتسريح أعداد كبيرة من العاملين في مؤسسات الدولة والهيئات العامة مخاوف مشروعة بشأن مستقبل الأوضاع المعيشية والإستقرار الإجتماعي. فمثل هذه السياسات، إذا ما نُفذت في ظل الحرب والإنكماش الإقتصادي الحاد وإرتفاع معدلات البطالة والفقر، لن تؤدي إلى الإصلاح المنشود، بل ستفضي إلى تعميق الأزمة الإجتماعية وتوسيع دائرة العوز والتهميش. كما أن إهدار الخبرات والكفاءات المتراكمة داخل مؤسسات الدولة من شأنه أن يضعف قدرتها على تقديم الخدمات العامة والإضطلاع بمهام إعادة الإعمار والتنمية مستقبلاً. إن الإصلاح الحقيقي للخدمة المدنية لا يتحقق عبر تصفية العاملين وتحميلهم كلفة الأزمة، وإنما من خلال إعادة البناء المؤسسي، والتأهيل والتدريب، وترسيخ معايير الكفاءة والشفافية والعدالة الوظيفية، بما يحفظ حقوق العاملين ويعزز دور الدولة في خدمة المواطنين.
إن التدهور الإقتصادي الراهن ليس ظاهرة منفصلة عن الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، بل هو أحد تجلياتها المباشرة. فالحرب لم تدمر قوى الإنتاج والبنية الإقتصادية فحسب، وإنما عطلت كذلك مسار التحول الديمقراطي، وأضعفت مؤسسات الدولة المدنية، ووسعت من دائرة الإنقسام والتفكك وعدم الإستقرار. ومن ثم فإن وقف التدهور الإقتصادي واستعادة مسار التنمية يظلان مرتبطين عضوياً بوقف الحرب واسترداد الحكم المدني الديمقراطي القائم على المشاركة الشعبية والرقابة والمساءلة.
وفي هذا السياق، تكتسب وحدة الحركة النقابية واللجان المهنية والتنظيمات المطلبية الديمقراطية أهميةً استثنائية. فقوتها لا تُقاس بعدد أعضائها فحسب، بل بقدرتها على التنظيم والتنسيق وتوحيد النضالات والمطالب. وكلما تعزز التضامن بين هذه القوى واتسعت جبهة الدفاع عن الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والقضايا الوطنية، ازدادت قدرتها على انتزاع المكاسب المعيشية، ومقاومة آثار الحرب، والدفاع عن مصالح جماهير العاملين والكادحين. كما تتعاظم قدرتها على الإسهام في بناء حركة جماهيرية واسعة تضع حداً للحرب، وتفتح الطريق أمام استعادة الدولة المدنية الديمقراطية، وإرساء أسس السلام والعدالة الإجتماعية والتنمية المتوازنة، بما يعبّر عن مصالح الأغلبية المنتجة ويجسد تطلعات الشعب السوداني في الحرية والكرامة والعيش الكريم.

الميدان 4477،، الخميس 18 يونيو 2026م.