كلمة الميدان: حركة الجماهير هي الحل
كلمة الميدان:
حركة الجماهير هي الحل
أكد الحزب الشيوعي، في مبادرته المعنونة «وقف الحرب واسترداد الثورة»، أن وقف الحرب واستعادة مسار الثورة يمران عبر الحراك الجماهيري الواسع، وتنظيم الجماهير في مواقع وجودها المختلفة: في الريف والحضر، وفي مناطق النزوح، وفي بلدان اللجوء، وصولاً إلى بناء وحدة جماهيرية قاعدية عميقة، تستعيد للشعب قدرته على المبادرة والفعل وتفتح الطريق أمام تغيير موازين القوى.
وتؤكد مجريات الأحداث صواب هذا التوجه. فمنذ إعلان المبادرة وحتى اليوم، توالت عشرات المؤتمرات والورش الخارجية، وتشكلت تكتلات سياسية اصطف بعضها مع طرفي الحرب، وتكاثفت التدخلات الإقليمية والدولية بالإمداد والتسليح والتحريض، وانعقدت أخيراً لجنة للتهيئة لحوار يخدم أجندة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان. وبينما تتعدد المنابر وتتسع مساومات الأطراف، تستمر الحرب وتتفاقم الكارثة الإنسانية، فيما تتعمق الأزمة الاقتصادية والمعيشية بفعل الغلاء والتضخم وانهيار قيمة الجنيه، وفقدان الوظائف ومصادر الدخل، وتراجع الإنتاج والخدمات، واتساع الفساد واقتصاد الحرب.
وتثبت التجربة السودانية أن الأزمة المعيشية، حين تتسع وتتراكم، تصبح وقوداً لحركة سياسية كبرى. فقد تحولت احتجاجات الخبز والأسعار في ديسمبر 2018 إلى انتفاضة شعبية أطاحت بحكومة البشير وفتحت الطريق أمام ثورة ديسمبر. واليوم تتجمع عوامل الغضب على نطاق أوسع وأشد: انهيار الدخول، انفلات الأسعار، البطالة، النزوح، تدهور الخدمات والإنتاج، واتساع الجبايات والنهب المنظم لموارد المجتمع.
واليوم تتراكم أسباب الغضب الاجتماعي على نطاق أشد: انهيار الدخول، الارتفاع المتواصل للأسعار، تدهور قيمة العملة، البطالة، النزوح، انهيار الخدمات، تراجع الإنتاج، واتساع الجبايات والأعباء المفروضة على المواطنين وأصحاب الأعمال. وفي مواجهة هذه الأوضاع تتقدم أشكال متعددة من المقاومة الجماهيرية؛ من إضرابات التجار في أسواق عطبرة وبربر، إلى الاحتجاجات ضد سلب الأراضي عبر مشروعات مشبوهة في التعدين والدواجن، إلى تحركات العاملين من أجل رفع الأجور وتحسين شروط الحياة والعمل.
وتجمع هذه التحركات، رغم تنوع ساحاتها ومطالبها المباشرة، مصالح اجتماعية مشتركة تتصل بحقوق الناس في الدخل والعمل والأرض والإنتاج والخدمات. ومن خلال التنظيم والتنسيق يمكن لهذه المصالح أن تتجاوز تفرقها القطاعي والمناطقي، فتتبلور حول مطالب جامعة: أجور عادلة، أسعار مستقرة، خدمات عامة كافية، حماية الإنتاج، وقف الجبايات التعسفية، واسترداد موارد البلاد من شبكات الفساد والنهب واقتصاد الحرب.
وفي هذا التراكم تتسع دلالة النضال المعيشي. فمعركة الأجور تتصل بسياسات العمل والدخل، ومعركة الأسعار تتصل بإدارة الاقتصاد وتوزيع موارده، والدفاع عن الأرض يرتبط بحماية الملكية والإنتاج وموارد المجتمع، ومقاومة الجبايات ترتبط بأولويات الإنفاق العام وبكيفية إدارة المال العام. وهكذا تتجمع المطالب اليومية حول قضية واحدة: استرداد موارد المجتمع وقرار الدولة من شبكات الحرب والفساد والامتيازات الطفيلية، وتوجيهها نحو مصالح غالبية الشعب.
وعندما تتصل هذه الحركة المطلبية بقضايا السلام والحرية والعدالة والديمقراطية، تنتقل من ردود فعل متفرقة إلى قوة سياسية واجتماعية ذات اتجاه واضح. فالجماهير التي تنظم مقاومتها دفاعاً عن الأجر والأرض والعمل والخدمات، تكتسب في سياق النضال وعياً بمصالحها المشتركة وقدرتها على الفعل الجماعي، وتصبح أكثر استعداداً لحمل القضايا الوطنية الكبرى واسترداد مسار الثورة.
إن تزامن التحركات واتساع رقعتها بين الأسواق والقطاعات المهنية والمناطق المختلفة يوفران قاعدة مادية لنمو حركة جماهيرية أوسع. والمهمة العاجلة تتمثل في التقاط هذه البدايات، وربطها وتنظيمها وتطويرها، وبناء الجبهة الجماهيرية القاعدية التي تجمع قوى المتضررين من الحرب والنهب والفساد، وتحول المقاومة المتفرقة إلى قوة جماعية قادرة على استرداد المبادرة الشعبية وفتح الطريق أمام السلام والدولة المدنية الديمقراطية.
هنا تتقدم حركة الجماهير باعتبارها القوة الاجتماعية التي تحمل مشروع الخلاص من الحرب، واسترداد الثورة، وبناء دولة تخدم مصالح الشعب وتستعيد موارد البلاد لصالحه.
تعكس الإحتجاجات والإضرابات الرافضة لتدهور الخدمات وغلاء المعيشة، والمقاومة للجبايات والرسوم، حقيقة إجتماعية وسياسية واحدة: لقد بلغت كلفة الحرب وإقتصادها حداً يهدد شروط حياة الملايين ويدفع قطاعات واسعة إلى المقاومة.
وتحمل هذه التحركات، رغم تباين دوافعها ومطالبها المباشرة، مضموناً سياسياً يتجاوز حدود المطلب الفئوي. فمعركة الأجور تقود إلى سياسات الدخل وتوزيع الثروة، ومعركة الدواء والمياه والكهرباء تقود إلى أولويات الإنفاق وإدارة الموارد، ومقاومة الجبايات تقود إلى بنية السلطة الإقتصادية وشبكات النهب. ومن قلب هذه المعارك اليومية يتبلور الوعي بمسار أوسع: كيف وصل السودان إلى هذا الإنهيار، وكيف تُدار موارد البلاد، ومن يراكم الثروة من إقتصاد الحرب، ومن يدفع كلفتها من العمال والمزارعين والمهنيين والتجار وسائر الكادحين؟
هنا تكمن المهمة السياسية: تحويل الأسئلة التي تطرحها المعاناة اليومية إلى وعي جماهيري منظم، وتحويل الغضب إلى فعل جماعي، والفعل الجماعي إلى قوة قادرة على تغيير موازين القوى.
فالإحتجاج المنفرد يظل محدود الأثر وقابلاً للعزل والإحتواء، بينما يؤدي التقاء مطالب العمال والمعلمين والأطباء والمزارعين والتجار والطلاب والنساء والشباب ولجان الأحياء إلى نشوء قوة إجتماعية أوسع، تستند إلى مصالح مشتركة وتفرض حضورها في المجال السياسي.
ومن هنا تتدرج المهمة من الإضراب المطلبي إلى التضامن المطلبي، ومن التضامن إلى التنسيق، ومن التنسيق إلى بناء جبهة جماهيرية قاعدية واسعة.
وتنشأ هذه الجبهة من قلب المجتمع: من الأحياء والقرى ومواقع العمل والإنتاج، والجامعات والأسواق والمشاريع الزراعية ومناطق النزوح واللجوء. تستند إلى التنظيم الديمقراطي، وتنبثق قراراتها من قواعدها، وتنتخب قياداتها وتخضعها للمساءلة، وتمنح القواعد حق تجديدها واستبدالها. وبهذا تصبح الديمقراطية ممارسة يومية في صلب النضال، وتتحول الجماهير من جمهور تتحدث باسمه القوى السياسية إلى قوة منظمة تتحدث بإسم مصالحها وتقرر إتجاه نضالها.
والجبهة الجماهيرية القاعدية إطار واسع لتوحيد القوى الإجتماعية حول القضايا التي تمس حياة غالبية السودانيين ومصيرهم: وقف الحرب وحماية المدنيين، توفير الغذاء والدواء والمياه والكهرباء، تحسين الأجور وخفض تكلفة المعيشة، استعادة الإنتاج، حماية الأرض والموارد، تفكيك شبكات الفساد والنهب وإقتصاد الحرب، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وصولاً إلى استرداد الثورة وبناء الدولة المدنية الديمقراطية. وهي تتكامل مع التنظيمات السياسية والنقابية والمهنية، وتستند إلى استقلال الحركة الجماهيرية وقدرتها على تنظيم نفسها وفرض إرادتها.
والحرب، في واقعها الإجتماعي، تمتد من ساحات القتال إلى تفاصيل الحياة اليومية: إنهيار العملة وإرتفاع الأسعار، تدمير الزراعة وتعطيل الصناعة، إنهيار التعليم والصحة، نهب الموارد، إتساع إقتصاد السلاح، وإفقار الملايين. لذلك يصبح النضال ضد إقتصاد الحرب، والدفاع عن الإنتاج والخدمات وحقوق العاملين، جزءاً أصيلاً من النضال من أجل السلام؛ فالسلام الذي يستحقه الشعب يبدأ باسترداد شروط الحياة من قبضة الحرب.
وقد أثبتت ثورة ديسمبر قدرة الجماهير المنظمة على تغيير موازين القوى وفتح أفق سياسي جديد. واليوم تتراكم خبرة المقاومة في ظروف أشد قسوة، وتتسع الحاجة إلى تنظيم هذه الطاقة الإجتماعية وتحويلها إلى قوة تاريخية تدافع عن حق الشعب في الحياة والسلام والحرية، وتتمسك بخياراته في التغيير الديمقراطي.
وتتحدد المهمة العملية في بناء شبكة واسعة من اللجان الديمقراطية في الأحياء ومواقع العمل والمزارع والأسواق والجامعات، وربطها أفقياً، وتنسيق الإضرابات والإحتجاجات السلمية، وتبادل الخبرات والموارد، وتطوير برنامج مشترك يربط الدفاع عن الحقوق اليومية بإنهاء الحرب واستعادة الحياة المدنية واسترداد الثورة.
فلنجعل من المطالب اليومية جسراً إلى القضية الأكبر: وقف الحرب، تفكيك إقتصادها، استرداد موارد الشعب، استعادة الثورة، وبناء دولة مدنية ديمقراطية.
حركة الجماهير تصنع قوتها بالتنظيم، وبقوتها المنظمة تسترد المبادرة وتصنع التغيير.
الميدان 4513،، الخميس 10 سبتمبر 2026م.

