شهادة: المعتقل السياسي الحبيب الحنودي كما عرفته

شهادة: المعتقل السياسي الحبيب الحنودي كما عرفته.


  • بقلم: سعيد العمراني

تعرفت على الحبيب الحنودي بطنجة وذلك في الموسم الدراسي 1984/1985، بعد أن التحقت بها قادما إليها من الحسيمة مباشرة بعد انتفاضة 1984.

معرفتي بالحبيب كانت بسيطة للغاية لأنه كان كما يقال “داخل سوق راسو” لكن علاقتي توطدت أكثر بأخيه الأكبر “د” اسوة بالعديد من نشطاء الحركة التلاميذية آنذاك بطنجة (لا حاجة لذكر أسماءهم في هذه الشهادة خوفا عليهم اذكر منهم فقط الناشط الداعم للحراك اليوم ” ع. ب” المقيم في بلاد الباسك).

في هذه الفترة كان التلاميذ ومن بينهم الحبيب مهووسين بالقراءة والمشاركة في الأنشطة الثقافية المنظمة من طرف النادي السينمائي وبعض الجمعيات الناشطة بدار الشباب بطنجة.

في سنة 1988/1989 التحقنا معا بجامعة تطوان. الحبيب اختار التسجيل في كلية العلوم وأنا سجلت في كلية الآداب بالرغم من أنني تابعت دراستي الثانوية في العلوم الرياضية (وفي هذه الحكاية حكايات).

علاقتي بالحنودي توطدت أكثر في الجامعة حيث كنا ننسق في عدة معارك باعتبارنا آنذاك متعاطفان مع القاعديين وأننا كنا نعتبرهم (القاعديين) موجودين رسميا فقط في الجامعات القديمة (فاس، وجدة، الرباط ومراكش).

عرف الحبيب كمناضل نشيط داخل مدرجه “الفيزياء والكيمياء” وكمنظر بحيث كان من القلائل من الطلبة (من أهل زمانه) الذين اطلعوا بعمق على كتب لينين وماركس وحسين مروة ومهدي عامل ومحمد عابد الجابري والطيب التيزيني بل كان يحفظ بعضها عن ظهر قلب.

الحبيب كان لا يتدخل في الحلقيات الكبرى إلا نادرا جدا وفي أمور حاسمة. كان شديد الاحترام للذين سبقوه في النضال والتجربة.
حفظ عن ظهر قلب وثائق القاعدين (خلاصة اللقاءات الستة، الكراس المبادرة الجماهيرية، البرنامج المرحلي…). نظمنا حولها عدة لقاءات داخلية لصد التمزق الذي أصاب القاعديين في موقع وجدة موسم 1988/1989 وبالفعل استطعنا تجاوز المرحلة دون خسائر تذكر بالرغم من النقاشات التي اندلعت يوما في ساحة كلية العلوم بتطوان.

(أتحفظ عن ذكر الأسماء لكي لا أعطي أوراقا بالمجان لنظام يواصل الاضطهاد ضد الشرفاء وما اعتقال الحبيب إلا دليل على ذلك).

الحنوديان:

كان الحنودي الحبيب وابن عمه الفقيد محمد يوسف كتوأمين لا يفترقان وحاضرين بقوة في كل المعارك وخاصة بعد التحاق محمد يوسف بنا (بالقاعديين) بعدما أن ترك أصدقاءه المعروفين آنذاك ب “جند الله”.

وللإشارة فان محمد يوسف تعرض لمحاولة تصفية بعد التخلي عن انتماءه السابق (جند الله) حيث تعرض لهجوم عدواني في كلية العلوم تسبب له في جرح عميق على مستوى الرأس وكسر نظارتيه علما انه كان يتقن فنون الدفاع عن النفس.

مقاطعة الامتحانات 1989.

كما هو معلوم عرفت جامعات وجدة وفاس وتطوان والقنيطرة ومكناس مقاطعات شاملة للامتحانات، وما يهمني في هذا الأمر هو أن الحنودي كان ضمن لجنة الحوار (إن لم تخنني الذاكرة) في حين أنني متأكد بان ابن عمه محمد يوسف كان عضوا بارزا فيها.
بعد نجاح شامل للمقاطعة أجرينا حوارا مع عميدي كلية الآداب (محمد الكتاني) وكلية العلوم (العياشي) ووعدانا بتلبية كل مطالبنا سوى أنهما لم يستطيعا الالتزام أو ضمان عدم اعتقالنا لان ذلك كان يتجاوز صلاحياتهما.

وبينما كنا فريحين بان ملفنا المطلبي الذي ناضلنا من اجله طوال السنة سيتحقق، كان لوزير الداخلية آنذاك إدريس البصري رأيا أخر بحيث قرر محاصرة الكليتين ومتابعة جميع المناضلين الاوطميين وتحديد موعد لدورة استدراكية اعتقد كانت مقررة بتاريخ 18 يونيو، في حين أن مقاطعة الامتحانات بدأت بتاريخ 6 مايو 1989 بكلية الآداب.

نحن أبرز المناضلين المتابعين في الكليتين (ومن بيننا الحبيب طبعا) استأجرنا منزلا بالحي الشعبي بمارتيل المسمى (كطالان) بعيدا عن أنضار البوليس لا نخرج منه ولا ندخل على الإطلاق لعدة أسابيع إلى أن اعتقل منا أحد رفاقنا (م. ش.) بمجرد خروجه لاستلام أمانة أرسلتها له أمه من طنجة مع أحد الطلبة من جيرانهم.

سقط علينا الخبر كالصاعقة بعد أن أخبرنا طالب متعاطف معنا وهو ابن مرتيل كان يدرس الأدب الإنجليزي. ورصد أين نحن مختبئون. وبمجرد أن رأى بأم عينيه اعتقال رفيقنا (م. ش) قبالة مقهى “محفوظ” بشاطئ مارتي تجرا لدق الباب علينا وأخبارنا بحادثة اعتقال رفيقنا (م. ش) وانصرف.

اتخذنا قرارا جماعيا لمغادرة ذلك المنزل لأننا لا نعرف كم من الوقت سيصمد رفيقنا (م. ش) وكنا خائفين أن ينهار من جراء التعذيب ويكشف مكان اختباءنا.

قررنا في اجتماع طارئ شارك فيه الجميع مباشرة بعد توصلنا بالخبر الصاعقة مغادرة المكان فورا بمجرد سقوط الظلام متجهين من مارتيل إلى طنجة مشيا على الأقدام والخطير في الأمر أننا كنا مضطرين أن نسير في الظلام ووسط الحقول والمجاري لكي لا يكشف آمرنا.

بعد ليلة كاملة من المشي وجدنا أنفسنا صباحا في غابة “عين الحصن” التي لا تبعد عن تطوان إلا كيلومترات معدودة وأرجلنا منتفخة.

رفيقنا من القصر الكبير (ح. م.) رفض استكمال الطريق لان رجليه منتفختين من كثرة المشي ناهيك عن التعب والجوع وعدم النوم والخوف.

أتذكر أن الحبيب اقترح علينا فكرة ذكية تسهل علينا الوصول إلى طنجة دون أضرار ولا خسائر. أتذكر بعد أن اتفقنا معا على الخطة (ارفض ذكرها هنا لكن سأتناولها في مذكراتي إن سمحت لي الظروف بكتابتها).

وصلنا إلى طنجة واحتضننا تلامذة طنجة في منزل بحي الجراري ببني مكادة وعند اعتقال أحد التلاميذ (م. ع.) الذي كان يتواصل معنا ويعرف المنزل اضطررنا مرة أخرى إلى تغييره، بل تشتتنا على عدة منازل في انتظار يوم 18 يونيو للعودة إلى تطوان مشيا على الأقدام لكي لا تمر الدورة الاستدراكية كما أرادها البصري.

مخيم “سيدي قاسم” الذي يستمد اسمه من شاطئ يتوسط مدينتي طنجة واصيلا.

لا أحدا منا شارك في الدورة الاستدراكية التي حاول النظام فرضها على الطلبة بإشراف عامل تطوان آنذاك شخصيا وبقوة السيمي المخازنية والبوليس السري والعلني ومختلف الأجهزة القمعية. وبما أننا كنا ملاحقين قضينا معا العطلة وعيد الأضحى بعيدين عن أهلنا.

ولكي نبقى متكتلين وفرنا خيمة ننام فيها كالسردين وفي الصباح نمارس الرياضة و نلعب الكرة و نجري على الشاطئ من سيدي قاسم إلى أصلية نقرا ونطالع ونناقش.

مر الصيف مليئا بالتوجس والخوف من المستقبل وبوصول شهر شتنبر التحقنا بالجامعة والصدمة انه كان هناك قرار إدارة الجامعة بإيعاز من وزارة الداخلية رفض إعادة تسجيلنا وهذا الرفض دام عاما كاملا بالرغم من العديد من المعارك الميدانية والحقوقية والإعلامية التي خضناها ضد ذلك القرار الجائر.

وللإشارة فان منزلنا بكطلان تمت مداهمته في إحدى الليالي من شهر شتنبر 1989 من طرف ما يقارب 12 شرطيا واواكسا واعتقل كل “م. س” و “م.ي” و “ك. ن” في حين تمكنا نحن الآخرون من الفرار.

الحنوديان وليبيا.

أمام رفض تسجيلنا غادر الحنوديان محمد يوسف والحبيب في اتجاه ليبيا (اجهل كيفية مغادرتهما ووصولهما إلى هناك)، لكن اذكر هنا فقط أنها تمكنا من التسجيل في جامعة هناك اعتقد أنها تسمى “جامعة العرب” لاستكمال دراستهما. وذكر لي المرحوم محمد يوسف بعد عودتهما قصة طريفة مفادها إنهما بتجربتهما في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب تمكنا من السيطرة على نقابة الطلاب في الجامعة الليبية بطرابلس بالتنسيق مع الطلبة التقدميين العرب والأكراد وعلى رأسهم طلبة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

هذه السيطرة لم ترضي ما يسمى “اللجان الثورية للقدافي” مما جعل حياتهما عرضة للخطر بحيث مباشرة بعد ذلك تعرض الحنوديين لكمين من طرف اللجان الشعبية القدافية. فلولا قتالية الحنوديين وخاصة المرحوم محمد يوسف صاحب الحزام الأسود في الكراطي، فربما قد أصبحا اليوم معا في خبر كان.

هذا الحدث جعلهما يعجلان بالعودة إلى المغرب وبداية حياة جديدة فاتجه محمد يوسف الذي كان متزوجا آنذاك وأب لطفلين للاشتغال كصياد في البحر أم الحبيب فاشتغل ككاتب في جريدة “الأفق” كان ينشر فيها عمودا يتناول فيه المواضيع الاقتصادية قبل أن يغادر المغرب نحو هولاندا ليجرب حضه كمهاجر.

وبعد ما يقارب عقدا من الزمن عاد الحبيب الحنودي للمغرب لأنه لم يتمكن من التأقلم مع أجواء هولاندا علما انه كان يشتغل كإعلامي في احدى القنوات الهولندية ونشيطا في عدة جمعيات ومع ذلك قال لجميع اصدقاءه ورفاقه ان مستقبلنا في المغرب الذي كافحنا من اجل دمقرطته وتطوره وتقدمه وعلينا الا نتركه للمافيات، في حين واصل محمد يوسف الاشتغال كبحار في طنجة وبعده في اكادير الى ان وصل الخبر الصاعقة كون محمد يوسف الحنودي اختفى في البحر وسقط شهيد لقمة العيش دون العثور على جثته الى يومنا هذا بينما اختار الحبيب الاشتغال مع أخيه الأكبر في الحافلة حتى يوم اعتقاله.
معطيات أخرى

ظل الحبيب الحنودي قريبا من الشعب ومن رفاقه وحياته معروفة بكثير من البساطة ويتمتع بعلاقات إنسانية راقية جدا.
الحبيب كان ولازال سخيا في عطاءاته وتضحياته. لقد شارك وانخرط في العديد من المبادرات بطريقته. واكب نقاشات تجميع اليسار بداية التسعينات وساهم في تأسيس منتدى حقوق الانسان لشمال المغرب بل كان مؤتمرا في المؤتمر الاول للمنتدى بالشاون رفقة المعتقل السياسي محمد جلول وعشرات المناضلين الاخرين من الحسيمة وباقي مدن الشمال.

اخر مرة التقيت فيها الحبيب الحنودي كان صدفة في المحطة الطرقية بالحسيمة في الأسبوع الأول من شهر يونيو 2015، عندما كنت في المحطة اسال عن الحافلات والطاكسيات المؤدية من الحسيمة الى طنجة او تطوان وإذا به يظهر امامي تعانقنا واقترح على مصاحبته في الحافلة التي يقودها هو بنفسه (وبالمجان) لأنه أصلا كان سيتجه في نفس اليوم الى طنجة وذلك ما تم بالفعل.

تناقشنا طوال الطريق وهنا أخبرني بخبر الصاعقة بان رفيقنا محمد يوسف اختفى في البحر قبالة شواطئ اكادير ولم يظهر له أثر الى يومنا هذا.

طبعا بقيت في تواصل مع الحبيب حتى يوم اعتقاله….. وسأتواصل معه طوال حياتي لأنه من طينة نادره جدا… “ولي ما عرفو خسرو…”.

  • سعيد العمراني/ بروكسيل

    بتاريخ 17 نونبر 2019

  •  
  •  
  •  
  •