كلمة الميدان: ميزانية الفقر


كلمة الميدان: ميزانية الفقر

البرنامج الاقتصادي الذي قدمته اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير في نهاية العام 2019م، هدف في المقام الأول التصدي للضائقة المعيشية التي عانى منها شعبنا سنوات طوال، وذلك بتحقيق وفورات مالية لدعم الموازنة العامة باسترداد الأموال المنهوبة ووقف الفساد بالإضافة لبرنامج شامل للإصلاح والتنمية الاقتصادية خلال الفترة الانتقالية، غير أن حكومة قحت تنكرت لمواثيق الثورة وللبرنامج الاقتصادي ولتوصيات لجنتها في المؤتمر الاقتصادي، فتحولت قحت للضفة الاخرى بتبني سياسات التحرير الاقتصادي والإذعان لشروط الصندوق والبنك الدوليين، وهي السياسات الاقتصادية لليبرالية الجديدة التي تبناها حمدوك، وذلك كان موقفًا معاديًا لطموحات شعبنا فتم رفع الدعم وتحرير الأسعار وتعويم العملة، وربط سعر الدولار الجمركي بسعر الدولار في السوق الأسود وأدى ذلك لارتفاع غير مسبوق في الأسعار في مقابل التدني المتواصل في المداخيل.

انقلاب الطغمة العسكرية في 25 أكتوبر 2021 والذي جاء في الأساس للدفاع وحماية مصالح الرأسمالية الطفيلية والبيروقراطية العسكرية، الذين تضررت مصالحهم بعد انتصار الثورة، فأعاد لهم الانقلابيون ممتلكاتهم المصادرة، وأعاد الفلول المفصولين لوظائفهم وعوضهم ماليًا، سائرًا على ذات نهج قحط بل لجأ لتطبيق سياسة التحرير الاقتصادي بكل عنف، فتضاعفت أسعار الضروريات أضعافًا مضاعفة عما كانت عليه قبل الانقلاب، فتحولت حياة شعبنا إلى جحيم لا يطاق، وزاد الطين بلة وقف الدعومات المالية الخارجية، بسبب الانقلاب مع ازدياد الصرف من قبل حكومة الانقلابيين على قوات قمع المتظاهرين، وتمويل وإعاشة عشرات الآلاف من قوات الحركات المسلحة والدعم السريع.

الطغمة العسكرية وهي في بداية العام الثاني لانقلابها تعد الآن العدة لميزانية العام 2023، ومن ما رشح من معلومات عن السمات العامة لهذه الموازنة، يتضح تمامًا أن شعبنا سيواجه في عامه المقبل المزيد من الضغوط في معاشه، ومن أهم سمات هذه الموازنة اعتمادها على الضرائب والالتزام بسياسة التحرير الاقتصادي، ورفع الدعم وتحرير خدمات الصحة والتعليم العام، مع الاستمرار في تعويم العملة وتحرير الأسعار، وتحرير سعر الدولار الجمركي وربطه بسعر الدولار في السوق الأسود، والاستمرار في طباعة العملة والاستدانة من الجهاز المصرفي.

ولا حديث عن استرداد الأموال المنهوبة، أو عن عائد إنتاج الذهب في الموازنة ولا حديث عن تقليص الصرف الحكومي، بهيكلة القوات العسكرية والأمنية، كل ذلك يعني أن حياة شعبنا ستتحول إلى جحيم لا يطاق، وأنه، مع هذه الميزانية المقبلة؛ إن شعبنا مقبل على عام رمادة جديد.. إنها ميزانية الفقر.

فليس أمام شعبنا من خيار في حياة حرة كريمة إلا بإسقاط الطغمة الانقلابية واسترداد الثورة وتحقيق شعاراتها.