استرتيجية التغيير الثوري

استرتيجية التغيير الثوري




استرتيجية التغيير الثوري





بعد الاستقلال الشكلي تم إعادة بناء الدولة الموروثة عن الاستعمار – والتي كانت تتشكل من إدارة عصرية استعمارية تتحكم في إدارة مغربية عتيقة – كدولة مخزنية بمساحيق عصرية. فالكتلة الطبقية السائدة التي تشكلت في كنف الدولة المخزنية وفي تبعية مطلقة للامبريالية كانت عاجزة عن فرز أحزاب تمثل مصالحها وهي المهمة التي تكفل بها المخزن من خلال خلقه لأحزاب إدارية ومدها بالعدة والعتاد مقابل العمل بكل الطرق والوسائل على إفساد وإدماج وتدجين الأحزاب الوطنية والديمقراطية ما حقق معه عزلها عن الجماهير الشعبية، ولا تجد الكتلة الطبقية من ضمان لفرض هيمنتها واستغلالها المكثف للعباد ونهبها لخيرات البلاد غير تعاظم الاستبداد المخزني وتغوله. مع خروج محتشم لبعض التعبيرات عن فئات غير الاحتكارية من وسط الكتلة الطبقية السائدة بشعارات تشي بتناقضات ثانوية داخلية تتمثل في تضررها من الاحتكار المخزني وهيمنته الاقتصادية (شعار فصل الثروة عن السلطة)، وتظل هذه التناقضات هامشية ولا يمكن التعويل عليها في غياب حركة نضالية شعبية عارمة وقيادة ثورية حازمة. ورغم أن شعار (فصل الثروة عن السلطة) لا يقع في صلب الطموح الشعبي للتحرر إلا أنه في سياق لف أوسع جبهة ضد المافيا المخزنية يمكن أن يضم إلى الشعارات التكتيكية لخدمة هذا الهدف المرحلي.

غير أن الانخراط في سيرورة التغيير لن يجدي نفعا إذا ظل أفكارا تتلاطم في سديم النظرية أو تتقاذفها أحاديث المقاهي الواقعية منها والافتراضية على غير هدى وفي انفصال تام عن أية استراتيجية سديدة للتغيير الثوري المنشود.

إن أي استراتيجية للتغييرلا تضع في الحسبان الدروس المستخلصة من تجارب شعبنا وفي مقدمتها مختلف التجارب التي عاشتها الطبقة العاملة المغربية ولا تستلهم الرصيد الأممي الثوري. وتكتيكاتها لا تعنى بتشخيص الوضع الراهن موضوعيا وذاتيا، محكوم عليها بالتواري والفشل.

استرتيجية حقيقية للتغيير ينبني خطها السياسي حتما على التقييم والتقويم الموضوعيين. إن أي استراتيجية سديدة للتغييرعليها مهمة الاجابة عن الأسئلة الجوهرية التالية: لمن سنعبد الطريق للظفر بالسلطة إذا ما تم تغييب الدور القيادي للطبقة العاملة؟. من سيقود هذا الحشد الجماهيري الفسيفسائي المشكل من شتى الطبقات والفئات من أدنى السلم الاجتماعي إلى أعلاه؟!. ما مكان مهام التحرر الوطني والبناء الديمقراطي؟ وما هي القوى الكفيلة بالانخراط في تحقيقها ؟وما شكل البناء الديمقراطي المنشود؟ وفي أي أفق…؟ وباختصار ما هي مكونات الرزنامة والعدة الفكرية والسياسية والتنظيمية والبرنامجية …المكونة لهذه الاستراتيجية؟

ما هو تحليلنا للتناقضات الأساسية والثانوية في مجتمعنا اليوم. في علاقة بمحيطه الاقليمي والدولي وبهويته المتعددة؟

هل تنطلق من الاقرار بالتناقض الأساسي المحرك لكل ما يعتمل داخل مجتمعنا الذي هو التناقض بين قوة العمل المنتجة لفائض القيمة وتمثله الطبقة العاملة من جهة والرأسمال المستغل لقوة العمل وتمثله البرجوازيةالكبيرة التابعة والملاكين الكبار من جهة أخرى.

وبكون التناقض الرئيسي اليوم يتجلى وبوضوح كتناقض بين مجموع الطبقات الشعبية من جهة (الطبقة العاملة. الفلاحين الفقراء والمعدمين. كادحي الأحياء الشعبية. البرجوازية الصغرى والمتوسطة) والامبريالية العالمية عامة والفرنسية بصفة خاصة، والنظام التبعي المخزني بقاعدته الإجتماعية (الكتلة الطبقية السائدة وامتداداتها وتعبيراتها المختلفة – أحزاب .جمعيات. أعيان. خدام…) من جهة أخرى؟

هل تقر استراتيجية التغيير الثوري هذه بأن المرحلة مرحلة التغيير الثوري الوطني الديمقراطي الشعبي في طورها الأول: تهييئ شروط نهوض الحركة الجماهيرية.

تحديد عدو أساسي واحد تتجمع حوله كل الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية والقوى الحية أيا كانت مرجعيتها الفكرية أو موقعها الطبقي، المتضررة من ذلك العدو الطبقي الذي هو في الفترة الراهنة المخزن بما في ذلك قوى ليبرالية معبرة عن البرجوازية المتضررة من المافيا المخزنية والقوى الإسلامية المناهضة للمخزن وغير التكفيرية أو التابعة للخارج ومختلف قوى اليسار والحركات الاجتماعية والنقابية المناضلة ومنظمات مدنية مقتنعة بضرورة التغيير؟

هل تنطلق من برنامج عام لهذا التغيير المنشود؟ وما هي طبيعته؟ وبأي أفق؟

هل تضع كمهمة مرحلية آنية لا تحتمل القفز عليها أو تأجيلها ما يلي:

• وضع حد للاستبداد المخزني والحكم الفردي من خلال:

إقرار دستور ديمقراطي، تفكيك الأجهزة المخزنية، إرساء اقتصاد وطني تحرري، إعادة الاعتبار للقطاع العام المنتج والاستراتيجي. تثبيت الرقابة العمالية في مواقع الانتاج، سياسة فلاحين تضمن السيادة الغذائية وتصون البيئة، بناء صناعة وطنية قوية، تقليص دور القطاع الخدماتي المرتبط بالتوزيع والتسويق، سياسة منجمية وطنية، صيد بحري في خدمة حاجيات الشعب المغربي، سياسة شغلية تحارب البطالة، وضع أسس لنظام تعليمي وطني ديمقراطي شعبي علمي إجباري مجاني ومنفتح، سياسة صحية جيدة مجانية ومتاحة للجميع، ضمان سكن لائق للجميع، المساواة الفعلية بين المرأة والرجل، بناء ثقافة ديمقراطية تقدمية ومتحررة، سياسة إعلامية في خدمة الجماهير الشعبية، تطوير وتقوية أشكال دعم الشعب الفلسطيني ومناهضة التطبيع والعمل على إسقاطه ومواجهة التغلغل الصهيوني في كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية…؟

الاستراتيجية السديدة للتغيير الثوري تنطلق من قناعة ثابتة غير قابلة للتعديل يترجمها الشعار التالي:

“الجماهير المنظمة الواعية هي صانعة التاريخ”، فالتغيير الحقيقي لن يتحقق على يد قائد ملهم أو نخبة مستنيرة تضع نفسها فوق الشعب أو عبر الأسلوب البلانكي (الانقلابي). إذ وحده التفاعل مع الجماهير ومساعدتها على تلمس طريق الخلاص وليس الإنابة عنها والنضال بدلها وتركها فريسة للاتكالية والخمول والانتظارية، هو الكفيل بالسير قدما في إنجاز مهام التغيير التحرري الديمقراطي الشعبي.

فالموقف السديد هو الانخراط والتأطير والمساهمة في قيادة الجماهير والانصات لنبض الشعب والتعلم من تجاربه المختلفة والمتنوعة ومساعدته على تنسيقها وتجميعها وتقويتها في اتجاه تحرير نفسه بنفسه حسب شروط واقعه الملموس.
إن أي استراتيجية سديدة للتغيير عليها حتما أن تضع نصب أعينها الواقع المعقد والمهام والتضحيات الجسيمة التي يتطلبه إنجازها:

ضعف وتمخزن شبه كلي لما تبقى من القيادات المنحذرة من الحركة الوطنية منذ التناوب المخزني وصولا إلى اللحظة الراهنة حيث انتقلت من النقيض إلى النقيض بإمعانها في خدمة المشروع المخزني والتماهي مع توجهاته في القضايا الوطنية والقومية وفي قلبها القضية الفلسطينية.

تشتت القوى اليسارية والديمقراطية وضعف ارتباطها بالشعب. مع تنامي القوى اليمينية وسطها والتي ماتنفك تزرع الوهم حول إمكانية إحداث تغيير حقيقي من داخل مؤسسات المخزن بدون الحاجة إلى نضال جماهيري شعبي عارم وحازم.

مركزيات نقابية تزداد انغلاقا وتصلبا وجمودا تحكم توجهاتها بيروقراطية راسخة راكمت كما هائلا من الخبرة في الدفاع عن مصالحها الانتهازية الضيقة على حساب القواعد العمالية وأصناف المأجورين.

وفي الجهة الأخرى هناك القوى الإسلامية بكل تلاوينها فهي إما خانعة إلى درجة القيام طواعية وعن إصرار بدور “الكلينيكس” اتجاه المخزن. وإما متجمدة في مكانها الانتظاري الذي لا تبارحه إلا لتتماهى مع أجندة الإسلام السياسي الاخواني العالمي في التظاهر الاستعراضي للدفاع عن القضية الفلسطينية مبرزة في ذلك قدر غير قليل من النزوع الطائفي والكيل بمكيال أوهام عقدية ومذهبية (الغزو التتاري الامبريالي لسوريا) بما يؤكد كونها غير مؤهلة للتخلص منها (في الافق المظور على الأقل) في رسم تكتيكاتها الضابطة لعلاقتها بالقوى الطامحة للتغيير الديمقراطي الحق واستمرارها في إعادة إنتاج خطاباتها اللفظية التي تفتقد لأي تجسيد في الواقع الملموس حول ضرورة القضاء على المخزن واقرار نظام ديمقراطي .في حين ينعدم لديها أي تصور للدفاع عن الأوضاع المعيشية للجماهير الشعبية والنضال بجانبها من أجل حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحيوية.ما يجعل مطمح حدوث تناقضات داخلها لصالح توجه إسلامي مناضل وعقلاني (رغم إمكانية حدودثه) يظل بعيد الحصول.

غير أنه رغم مايعتري الحركة الديمقراطية عامة من وهن عام والحركات الاجتماعية حركة المعطلين والحركة الطلابية والامازيغية الديمقراطية من تراجع وضمور في منسوب انخراطها في النضال العام وفتور الهبات الجماهيرية المناطقية. والمحاصرة اللصيقة التي فرضها المخزن على الحركة النقابية الديمقراطية والحركة الحقوقية والاعلام الحر فإن الأمل معقود عليها جميعها في القيام بدور مركزي في هذا الطور الصعب من السيرورة الثورية للشعب المغربي جنبا إلى جنب مع نضالات الطبقة العاملة الصناعية والزراعية والخدماتية وما تشكل حتى الآن من أنوية جبهات ميدانية متنوعة. وماقد تفرزه التناقضات داخل مختلف الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية وما سيتمخض عنها من تعبيرات سياسية سترفد أغلبها لا محالة جبهة النضال الشعبي وتدفع بها إلى الأمام على درب التحرر والانعتاق من الاستبداد المخزني واستغلال كتلته الطبقية السائدة وفسادها طال الزمن أم قصر. أما الأوهام حول الحل السحري للتغيير بكلفة منعدمة ومن خلال الكتلة الحرجة التي ستخرج من تحت أكم انتلجنسيا فسيفسائية تتنادى من ذاتها ولذاتها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين فتقول “لتغيير” ما كن فيكون فأضغاط أوهام.

أحمد بنعمر
طنجة في 2 أبريل 2025