إسقاط التطبيع إرادة سياسية

إسقاط التطبيع إرادة سياسية





تستمر مقاومة الشعب الفلسطيني ومعه كل الفصائل التي تؤمن بضرورة طرد الاحتلال وبكافة الحقوق المغتصبة، طن هذا الشعب الذي أظهر ولا يزال يظهر عمق إيمانه بقضاياه العادلة لا يمكن أن يكون شعب في هذا المستوى الكبير جدا من المقاومة والتضحية إلا إذا كان مؤمنا بعدالة قضيته، أصيلا في انتمائه لهذه الأرض وجزءا من تربتها ولهذا الوطن الذي يستحق أن تراق من أجله الدماء وتمتلئ من أجله معتقلات الصهاينة والملاجئ والمنافي. لقد وجد الشعب الفلسطيني في محور المقاومة (اليمن العراق إيران سندا حقيقيا، كما كان «حزب الله اللبناني» في مستوى وعده الصادق وفي المقابل انكشفت الأنظمة العربية والإسلامية العميلة وانفضح تواطؤها الذي كان قائما في السر ليتم إخراجه في مشاهد واضحة شكل التطبيع الوجه البشع لهذه الأنظمة الواطئة، فقد طلعت علينا اتفاقات التطبيع الخيانية من هنا وهناك حتى أن اتفاقية الصهاينة مع النظام القائم في المغرب برعاية أمريكية في 10 دجنبر 2020، لم تكن الأولى بل كانت بعد تساقط خمسة دول في مخالب التطبيع وهي مصر (سنة 1979)، الأردن (سنة 1994) الإمارات والبحرين والسودان (سنة 2020). فالمغرب وقع الاتفاق بخضوع كامل لإقامة علاقات ديبلوماسية مفتوحة بالكامل وعلى المكشوف بعدما كانت دولة المغرب والكيان الصهيوني يعتمدان مكتبا للاتصال منذ سنة 1986 كنتيجة لتتويج علاقات الحسن الثاني بشمعون بيريز.

ونظرا للمخاطر التي يشكلها التطبيع على ثروات المغرب الطبيعية والبشرية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما في ذلك نزع الأراضي ذات الملكية الجماعية في عدة مناطق من المغرب وتفويتها للصهاينة بدعوى الاستثمار… فقد أصبح هذا البلد الفلاحي رهينة تابعة لدولة الكيان الصهيوني خاصة وأن هذا التطبيع الفلاحي قد بدأ منذ التسعينات بدعوى تبادل الخبرات والأطر والتقنيات وإنتاج البذور… وأصبحت شركات «اسرائيلية» من ضمن الشركات العالمية التي تتحكم في البذور مثل: الشركات الفرنسية، الألمانية، السويدية والأمريكية ومن ثم فهي تتحكم في نوع المزروعات واستنزاف المياه وتلويث البيئة وغير ذلك من المخلفات غير محسوبة العواقب في مغامرة غبية بالسيادة والأمن الغذائي للمغاربة.
وإذا ما توقفنا عند مخاطر التطبيع الخياني المرفوض شعبيا والمفروض قسرا من طرف دولة المخزن وحكومة الباطرونا في المستويات الساسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما في ذلك ما يخص أبعادها القيمية والأخلاقية، فإننا نجد أنفسنا أمام انبطاح دولة وليس اتفاقا ينظم العلاقات الديبلوماسية بين طرفين…

وفي رد فعل وحدوي بين التنظيمات السياسية المعارضة للتطبيع ومعها تنظيمات نقابية وجمعوية نسائية وشبابية، كانت المبادرة تتقدم بسرعة نحو تشكيل «الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع» (ومعها مبادرات مقاطعة البضائع الداعمة للصهيونية) فكان لها التجاوب الشعبي الكبير خاصة مع تداعيات حرب الإبادة التي يشنها الكيان الصهيوني مسنودا بالأسلحة والقيادات العسكرية الأمريكية وصمت الأنظمة الرجعية عقب ما أنجزه طوفان 7 اکتوبر، تجاوب شعبي هام جدا في عدة مناطق من المغرب خاصة في المدن الكبرى بمشاركة الشباب والنساء من مختلف الفئات المجتمعية وخاصة جماهير الأحياء الشعبية التي تستجيب تلقائيا بنداء وأحيانا من دون انتظار نداءات الخروج للتظاهر في مشاهد تخفي وراءها معنى أن تكون فلسطين قضية وطنية عند المغاربة ضدا على المواقف الرسمية للنظام واحزابه الرجعية.

إننا اليوم أمام لحظتين تاريخيتين متقابلتين تتمثل الأولى في رهان التحدي أمام الشعب الفلسطيني في مجابهة الصهيونية كجزء عضوي من الامبريالية الأمريكية المتربصة بالمنطقة بأكملها لتغييرها جغرافيا وديمغرافيا.
إنه شعب التحديات المفعم بأمال النصر بقيادة مقاومته الموحدة.

بينما تتمثل الثانية في فرصتنا نحن المغاربة أمام ربح رهان إسقاط التطبيع وبين الأولى والثانية تلاحظ الفارق في حدود الممكن وتحقيق «المستحيل». فماذا أعددنا في الجبهة المغربية لربح رهان إسقاط التطبيع؟ لقد تعهدت الجبهة بدعم الشعب الفلسطيني عبر خطوات متعددة ولا زلنا لم نلمس منها أكثر من ذلك الدعم المعنوي على أهميته في السياق العربي والمغاربي السائد. لكن المطلوب هو أكبر بكثير وضمن الممكن طبعا من خلال تعميق حملات التضامن ودمجها بحملات مقاطعة البضائع والأسواق والشركات الداعمة للحرب الصهيونية مقاطعة الأنشطة الأكاديمية أو الأبحاث العلمية» ذات الخلفية الصهيونية وكل المناسبات والانشطة الرياضية والثقافية تحصينا للهوية والثقافة المغربية في أبعادها الأمازيغية العربية المغاربية والإسلامية من دون طائفية أو عصبية عرقية أو دينية…

أما وفى مهمتها الرئيسية التي تلتزم بها مكونات الجبهة المناضلة أي اسقاط التطبيع، فقد تخلفنا عن هذه المهمة، بينما هي الأساس الذي تأسست من أجله الجبهة. فأمام هول المجازر وتعاظم الفظائع ومشاهد الحرب المروعة التي أودت بحياة الأطفال والنساء والشيوخ، الصحافة ومنظمات الإغاثة الدولية، كان الحشد الجماهيري في الشوارع المغربية يتمدد بقوة ولا يزال، كأنما هي إعلانات مبدئية عن استعداد كبير لإسقاط التطبيع المخزني يستوجب التأطير والتنظيم وتحويل هذه المهمة إلى شأن شعبي يتبلور في خطوات نضالية وبرنامجية أرقى من التظاهر والاستعراض الذي تستأسد به احيانا بعض مكونات الجبهة دون أن يكون لذلك أثر على مستوى قرار إبرام اتفاق التطبيع. إنها مسألة حيوية أن ترتقي الجبهة المغربية بتطوير اشكال نضالية أكثر حزما تكون في مستوى رد الاعتبار أولا للشعب المغربي الذي يرفض التطبيع المخزني بكافة أشكاله ثم ثانيا، وفاء للقضية الفلسطينية التي تستحق المزيد من العطاء، شرط أن تتوفر الإرادة السياسية للتنظيمات المناضلة ضد المخزن من أجل دعم الشعب الفلسطيني ومناهضة التطبيع دفاعا عن حقوق الشعب الفلسطسيني كاملة غير منقوصة حتى بناء الدولة الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني عاصمتها القدس وعودة اللاجئين.





جريدة النهج الديمقراطي العدد 599