تونس بين التفكّك الممنهج وإعادة هندسة

تونس بين التفكّك الممنهج وإعادة هندسة




 تونس بين التفكّك الممنهج وإعادة هندسة

بقلم كوثر الباجي

في الظاهر، تبدو مظاهر محاكمة المعارضين، وبناء السجون، وانهيار البنية التحتية، وسقوط أسقف المدارس على رؤوس التلاميذ، وانكماش الأجسام الوسيطة، وانهيار القدرة الشرائية، أحداثًا منفصلة لا يجمعها جامع. غير أنّ هذه الوقائع ليست سوى حلقات في مسار واحد: مسار إعادة تشكيل المجتمع وفق إرادة السلطة. فالسلطة حين تعجز عن خلق اقتصاد منتج، تلجأ إلى فرض الهيمنة عبر أدوات أخرى: القضاء، الإعلام، المدرسة والسجن. ومن هذا المنطلق يصبح تجميع هذه الأحداث في سياق واحد ضرورة لفهم ما يحدث، لا مجرد تمرين نظري.

تفكيك جهاز الدولة: من القضاء إلى الإعلام

إنّ أول ما تستهدفه السلطة حين تريد إعادة ترتيب موازين القوى هو الجهاز القضائي. فالقضاء المستقل يشكّل خط الدفاع الأول للشعب، أمّا القضاء المُسيطَر عليه فيصبح وسيلة لإسكات المعارضة. وهذا النموذج رأيناه في تشيلي بعد انقلاب بينوشيه حين تمّ إخضاع المحاكم لشرعنة كل إجراءات القمع، كما شهدناه في مصر بعد 2013 حين تحولت المحاكم إلى منصات تصفية سياسية.

الهدف واحد: منع أي قوة اجتماعية من الطعن في شرعية السلطة

بعد القضاء يأتي دور الإعلام. فالإعلام الذي يُفترض أن يكون ساحة للنقاش الحر يتحوّل تدريجيًا إلى ماكينة لإنتاج الوعي الزائف. تتقلّص فيه المساحات النقدية، وتُضخ فيه خطابات الخوف، ويُعاد صياغة الواقع بطريقة تخدم السلطة. وفي تجارب مثل تونس في التسعينات، لم يكن الإعلام سوى صدى لصوت الحاكم، يبرر السياقات ويضلّل الجماهير.

ضرب الأجسام الوسيطة: منع الشعب من التنظيم

إنّ المجتمع لا يمتلك القدرة الحقيقية على المقاومة إلا حين يملك أدوات تنظيمه الذاتية: النقاباتُ المناضلة، والأحزابُ الحاملةُ لمشروع تاريخي، والجمعياتُ المستقلةُ القادرةُ على مراقبة السلطة. لذلك تحديدًا، تُوجَّه الضربات الأولى في أيّ مسار نحو الحكم المطلق إلى هذه الأجسام، إذ يُصار إلى تجميدها أو تشويهها أو محاصرتها أو التحريض ضدها. وهذا ما حدث اليوم مع الاتحاد العام التونسي للشغل، ومع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ومع طيف واسع من أحزاب المعارضة المدنية واليسارية، فضلًا عن جمعيات المراقبة. فالهدف واحد وواضح: إلغاء كلّ وسيط يربط الشعب بدولة القانون وتفكيك القدرة الجماعية على التنظيم.

وحين يُمحى الوسيط، يتحوّل المواطن إلى فرد معزول أمام السلطة، منزوع الحماية الجماعية التي كانت تمنحه القدرة على الدفاع عن حقوقه. وعندها يغدو الفضاء العام مجالًا فارغًا، تهيمن عليه الدولة دون رقابة أو توازن.

وليس ذلك جديدًا في تاريخ الصراع الطبقي؛ ففي البرازيل إبّان الدكتاتورية العسكرية، جرى تفكيك النقابات القوية واستبدالها بنقابات صورية وظيفتها الوحيدة قطع الشريان الذي يربط العمال ببعضهم ويمنحهم القدرة على الفعل الجماعي. وهكذا تكون النتيجة واحدة في كل سياق: تذرية المجتمع وتحويله إلى أفراد منفصلين، عاجزين عن إنتاج مبادرة جماعية أو بناء احتجاج منظم. وبدل أن يواجه الشعب السلطة كقوة موحدة تمتلك وعيها الطبقي، يُدفع كل فرد إلى الانشغال بأزمته الخاصة، فاقدًا الحاضنة التي تمكّنه من المقاومة ومن صناعة التغيير.

تدمير التعليم: سياسة طبقية لإنتاج جيل مهمّش

إنّ ارتفاع أسعار الأدوات المدرسية والمراجع لا يمثّل مجرد تضخم، بل يعكس مسارًا سياسيًا يحوّل التعليم من حق اجتماعي إلى سلعة تُباع لمن يستطيع دفع ثمنها. وهذا النهج هو ذاته الذي كرّس في تشيلي، بعد إصلاحات “شيكاغو بويز”، منظومة تعليمية تُعيد إنتاج الفقر وتعيد توزيع المستقبل وفق خطوط طبقية واضحة.

وفي السياق نفسه، لا يمكن النظر إلى سقوط سقف مدرسة فوق التلاميذ كحادث تقني معزول؛ فهو تجسيد لمكانة التعليم في ترتيب أولويات السلطة. فحين تصبح سلامة التلميذ قابلة للتضحية أمام حسابات الميزانية، يصبح واضحًا أن النظام لا يرى في المدرسة فضاءً للمواطنة، بل عبئًا غير مربح.

أما ارتفاع نسب الانقطاع المدرسي، فليس نتيجة “كسل التلاميذ” أو “غياب الرغبة”، بل ثمرة شروط مادية خانقة: غلاء النقل، ضعف مداخيل العائلات، الحاجة إلى العمل المبكر. وبهذا تتحول المدرسة إلى أداة فرز طبقي تُقصي أبناء الفقراء وتحصر إمكان الترقي الاجتماعي في فئات محددة. وهنا تتجلى الحقيقة الماركسية: من يسيطر على المدرسة يسيطر على شكل المستقبل.

إنّ ضرب التعليم ليس حادثًا عابرًا، بل خيار طبقي مقصود. فحين يصبح ثمن الكراس والكتاب خارج متناول الأسر الفقيرة، فإن الرسالة واضحة: التعليم لم يعد للجميع. وهو المنطق نفسه الذي ساد في الولايات المتحدة خلال سبعينات الخوصصة، حين تحولت المدرسة العمومية إلى فضاء مهمّش لا يتيح سوى إعادة إنتاج الطبقات الدنيا.

وما حوادث انهيار المدارس إلا تعبير رمزي عن منظومة لا تعتبر التلميذ استثمارًا. وقد تزامن ذلك مع ارتفاع كبير في أعداد المنقطعين بفعل تكاليف التنقل واللوازم المدرسية والحاجة إلى العمل. وهذه ليست “مشاكل اجتماعية”، بل نتائج مباشرة لسياسات ليبرالية تُدفع طبقات واسعة عبرها نحو الجهل وتُغلق أمامها مسارات الارتقاء.

إنّ إنتاج جيل مُهمَّش ومُحاصَر معرفيًا ليس قدرًا طبيعيًا، بل سياسة طبقية واعية تستهدف منع ولادة الوعي الثوري وإبقاء الجماهير في موقع التابع لا الفاعل.

بناء السجون بدل المدارس: أمن السلطة أم أمن الشعب؟

حين تخصّص الدولة ميزانيات ضخمة لبناء سجون جديدة في الوقت الذي تنهار فيه مؤسسات التعليم والصحة، فإنها تكشف جوهر منطقها: مواطن يجب السيطرة عليه، لا مجتمع يجب تطويره. وهذا الخيار ليس استثناءً محليًا، بل يتكرر كلما انزلقت السلطة نحو النيوليبرالية السلطوية. ففي الولايات المتحدة، مثلًا، تضاعف عدد السجون بعد “إصلاحات ريغان”، ليتحوّل قطاع السجون إلى أحد أكثر القطاعات ربحية، في تجسيد واضح لتحالف رأس المال مع أجهزة القمع. والدرس ثابت: الأنظمة التي ترفض الاستثمار في التعليم، تستثمر بالضرورة في القمع.

ولأن السلطة التي تُخرس الأصوات تحتاج إلى أدوات مادية لترسيخ هيمنتها، فإنها تتجه دائمًا نحو توسيع جهاز السجون بدل توسيع فضاءات المعرفة. لذلك فإن مشروع بناء سجنين جديدين لا يمثل “ضرورة أمنية”، بل يعكس اختيارًا سياسيًا يحدد مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويرسي تصورًا يعتبر المواطن موضوع ضبط لا ذاتًا فاعلة.

وليس غريبًا أن يظهر هذا النمط من السياسات في كل الأنظمة التي تنحدر نحو السلطوية. فقد بنى النظام المصري بعد 2013 أكثر من عشرين سجنًا بدل بناء جامعات، ووسّعت ديكتاتورية المغرب في الثمانينات سجون تزمامارت ودرب مولاي الشريف بينما كانت المدارس تتداعى، كما ضاعفت الديكتاتوريات العسكرية التركية في السبعينات والثمانينات عدد السجون لقمع المعارضة اليسارية. في كل هذه الأمثلة، كان الخيار واحدًا: إنتاج فضاء عقابي بديلًا عن فضاء معرفي.

إنّ بناء السجون ليس سياسة أمنية بحتة، بل إعلان صريح بأن الدولة تستعد لقمع الأزمات بدل حلّها. والأخطر أن هذا التوجه يتزامن مع تراجع الاستثمارات في التعليم والصحة، ما يعني ببساطة أنّ مشروع “التنمية” يُستبدل تدريجيًا بمشروع “الضبط”، وأنّ الدولة تختار تكريس منطق السيطرة الطبقية بدل بناء مجتمع قادر على النهوض والتحرر.

نحو مشروع ثوري تونسي بديل

ما يحدث اليوم ليس صدفة، بل نتيجة طبيعية لمنطق السلطة الشعبوية النيوليبرالية التي تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق قاعدة واضحة: إضعاف القاعدة الشعبية ومنع تشكّل كتلة تاريخية قادرة على تغيير موازين القوى. فكلما ضعفت النقابات، فقد العمال القدرة على الإضراب والدفاع عن مصالحهم، وكلما انهار التعليم، انهار الوعي، وكلما توسعت السجون، اتسع نطاق الخوف، وكلما انقطعت الأجيال الجديدة عن المدرسة، انقطعت صلتها بالسياسة، وكلما تهشّمت الطبقة المتوسطة، غابت مقاومة الليبرالية. والنتيجة هي مجتمع هشّ، عاجز عن التنظيم، يسهل السيطرة عليه، مشغول بالبقاء على حساب المشاركة الاجتماعية والسياسية، محكوم بخطوط حمراء تمنعه من تطوير وعيه الجماعي. من منظور ماركسي–لينيني، هذه السياسات ليست مجرد تسيير خاطئ، بل إستراتيجية طبقية متعمّدة لتكريس هيمنة رأس المال والسيطرة على الدولة، وإفراغ المجتمع من أدواته الديمقراطية.

لكن التحليل وحده لا يكفي، فالمسار الثوري يتطلب مشروعًا واضح المعالم قادرًا على استنهاض الجماهير واستعادة القدرة التاريخية على الفعل. ويبدأ هذا البديل باستعادة الدولة من يد رأس المال عبر بناء قضاء مستقل ديمقراطي تحت رقابة شعبية، وإعادة الإعلام إلى وظيفته التنويرية، ودعم النقابات والأحزاب الثورية، وإقرار تشريعات تمنع تضارب المصالح بين السلطة ورأس المال، بما يضع آليات رقابة مباشرة على كل أداة من أدوات السلطة. كما يجب إعادة بناء الاقتصاد على أسس الديمقراطية الشعبية تعتمد التخطيط الوطني واسترجاع القطاعات الحيوية كالطاقة والمياه والفوسفات، ودعم الإنتاج المحلي، وإنشاء تعاونيات عمالية تمنح العمال ملكية حقيقية وقدرة على المشاركة في صنع القرار. في المقابل، يمثل التعليم حجر الزاوية لأيّ مشروع تحرري؛ لذا لا بدّ من ضمان مجانية التعليم الفعلية، وبناء مدارس جديدة، وبرامج تكوين للشباب العاطل، ودمج الثقافة النقدية والممارسة الديمقراطية في المناهج، لتربية أجيال واعية وقادرة على الفعل الجماعي. وأخيرًا، تقوم الديمقراطية الشعبية من الأسفل على إنشاء مجالس محلية منتخبة ولجان شعبية في الأحياء تتيح مشاركة المواطنين مباشرة في الرقابة على السلطة وصنع القرار، لتتحول الدولة من أداة قمع إلى مؤسسة خاضعة لإرادة الشعب، قادرة على حماية حقوقه وتأمين مستقبله. بهذا يصبح البديل الثوري ليس حلمًا نظريًا، بل مشروعًا متكاملًا لاستعادة المجتمع من سيطرة رأس المال وإعادة إنتاج الوعي الجماعي، وتحويل السلطة إلى أداة تحريرية تخدم الطبقات الشعبية بدل أن تقمعها.

رابط المقال على موقع صوت الشعب :

تونس بين التفكّك الممنهج وإعادة هندسة