كلمة الميدان: الإمبريالية وحراك الشعوب
كلمة الميدان:
الإمبريالية وحراك الشعوب
تواصل الإمبريالية تحركاتها المحمومة في مختلف الإتجاهات، مستندة إلى منطق الوعيد والتهديد والتدخل المباشر، في محاولة لإعادة صياغة مستقبل العلاقات الدولية على مقاس مصالحها الضيقة، وبما يكرّس هيمنتها السياسية والإقتصادية والعسكرية على العالم.
فمن مشروع «مجلس السلام» الأمريكي، الذي لا يخفي سعيه لفرض حل أمريكي خالص على غزة، وربما على كامل القضية الفلسطينية، إلى اللقاءات التي جرت تحت المظلة ذاتها بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا في دولة الإمارات، في مشهد يوحي بمحاولات لتقاسم النفوذ وإعادة توزيع الأراضي والثروات الأوكرانية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تمتد التدخلات الإمبريالية لتطال قضايا حيوية أخرى، من بينها ملف سد النهضة ومياه النيل.
وفي هذا السياق، تكشف رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحكومة المصرية عن مسعى لإيجاد «أرضية مشتركة» بين مصر وإثيوبيا، مع تجاهل متعمّد لدور السودان، وكأنما يُراد شطبه من معادلة تمس أمنه المائي ووجوده الوطني. وليس خافياً أن سلطة بورتسودان، في ظل تبعيتها السياسية، ستُستدعى لاحقاً للمشاركة الشكلية والتوقيع على أي ترتيبات تُقرّها القاهرة وتفرضها الإدارة الأمريكية.
وتتواصل العربدة الإمبريالية الأمريكية في أمريكا اللاتينية؛ فبعد محاولات وضع اليد على فنزويلا وثروتها النفطية، تتجه الأنظار إلى تهديد كولومبيا والمكسيك، لا بهدف ضمان حيادهما فحسب، بل في إطار إستراتيجية أوسع لمحاصرة كوبا وإضعافها، فضلاً عن النوايا العدوانية المبيّتة تجاه بنما ونيكاراغوا. وفي مقابل هذا التمدد العدواني، تبدو جزيرة غرينلاند، حتى الآن، عقبة بارزة أمام طموحات ترامب وإدارته. فرغم التردد الروسي والصيني، والموافقة الأوروبية الصامتة في بعض العواصم، برزت إلى السطح مؤشرات تصدّع داخل حلف الناتو، تمثّلت في إعلان عدد من الدول الأوروبية تضامنها مع الدنمارك وإستعدادها لإرسال قوات إلى الجزيرة، بما يعكس عمق الخلافات داخل المعسكر الغربي نفسه.
وفي السياق ذاته، تقف كندا، الجارة الشمالية للولايات المتحدة، في موقع الرفض الصريح لسياسات ترامب، ساعية إلى تنويع تحالفاتها الدولية وفتح قنوات جديدة مع الصين، ومعلنة مواقف معاندة للهيمنة الأمريكية، وداعية إلى بناء تحالفات لحكومات الوسط. ويوازي ذلك خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول «السيادة الأوروبية» و«الإستقلال الإستراتيجي»، وهو خطاب يعكس بدوره تباينات داخل المعسكر الإمبريالي، لا خروجاً عليه، بل محاولة لتحسين شروط التنافس وحجز موقع أفضل لفرنسا ودول غربية أخرى.
وعليه، فإن الجبهة المناوئة لسياسات ترامب ليست موحّدة ولا هادئة. فإلى جانب كندا وفرنسا، أعلنت حكومات فرنسا وبريطانيا وإسبانيا رفضها المشاركة في «مجلس السلام» المقترح، خشية أن يكون هذا المجلس مجرد خطوة أولى للإلتفاف على دور الأمم المتحدة. وفي المقابل، لا تزال روسيا والصين تدرسان موقفيهما بحذر. غير أن الثابت أن السياسات الإمبريالية العدوانية التي إنتهجتها إدارة ترامب تعبّر عن إنكشاف متزايد للسلطة الأمريكية، التي باتت تتحدث بلغة السوق العارية: منطق القوة، حيث يأخذ الأقوى كل شيء.
إن ما نشهده اليوم هو محاولة فجة لإعادة إنتاج الإستعمار بأدوات جديدة، عبر الضغوط الدبلوماسية والإقتصادية والأمنية، وتحويل العلاقات بين الدول إلى صفقات تخدم المصالح الأمريكية أولاً، في مسعى واضح لتقويض منظومة القانون الدولي، ونسف الإتفاقيات والمؤسسات التي نشأت مع تأسيس الأمم المتحدة ووكالاتها.
وفي جوهر الأمر، يؤكد هذا المسار عمق أزمة النظام الرأسمالي العالمي وعجزه البنيوي عن حل تناقضاته الداخلية، وهو ما يفتح، في المقابل، آفاقاً جديدة أمام صعود الحركة الجماهيرية المنظمة، وفي مقدمتها حركة الطبقة العاملة وحلفاؤها في البلدان الرأسمالية، لتحدي هذه السياسات ومواجهتها.
ومتى ما تقدمت الطبقة العاملة إلى الصفوف الأمامية في مراكز النظام الرأسمالي، ونجحت في الإلتحام مع حركات التحرر الوطني في بلدان الجنوب، فإن ذلك من شأنه أن يشكّل قوة تاريخية قادرة على كبح العدوان الإمبريالي، وهزيمة مخططاته، بدءاً من أضعف حلقاته، إيذاناً بإقتراب نهاية هذه المرحلة من الهيمنة والعربدة الإمبريالية.
الميدان 4419،، الأحد 25 يناير 2026م.

