بيان الحزب الشيوعي السوداني بيان حول الوضع الاقتصادي وموازنة 2026 الطارئة

بيان الحزب الشيوعي السوداني بيان حول الوضع الاقتصادي وموازنة 2026 الطارئة




الحزب الشيوعي السوداني
المكتب السياسي

بيان حول الوضع الاقتصادي وموازنة 2026 الطارئة

• الاقتصاد في عمق الهاوية

منذ نشوب الحرب في 15 أبريل 2023 تعمدت سلطة النظام الانقلابي إخفاء وحجب أي معلومات حول الصرف المالي والموازنة السنوية. وفي ظل حالة اللا دولة والانهيار الاقتصادي اتخذت الكثير من القرارات التي فاقمت الانهيار الاقتصادي ومعاناة الشعب. نذكر منها على سبيل المثال تغيير العملة، زيادة أسعار السلع والخدمات، رفع الدولار الجمركي. وتحت ستار الحرب وقعت اتفاقيات – سرية – مع جهات أجنبية إيذانا بتصفية وخصخصة مشروعات ومؤسسات حكومية مثل مشروع الجزيرة ومصانع السكر.

يجدر بالذكر أن آخر بيانات صدرت حول أداء الموازنة كانت بنهاية عام 2022،عند تقديم مشروع موازنة 2023. وبعدها ظلت كل تفاصيل الصرف والأداء المالي سرا غير معلن، فيما عدا ما يصدر كل فترة من إشارات حول موجهات ميزانية العام الجديد دون إعلان لحجم الميزانية ومصادر تمويلها.

الشاهد أن ما تسمى بالموازنة الطارئة لعام 2026، والتي أجيزت في 21 يناير 2026، بدون نشر أي أرقام .. ولكن بتقديرات بزيادة في نمو الناتج المحلى الاجمالي بحوالي 9% وخفض متوسط معدل التضخم خلال العام 2026م الى 65%، ليست سوى أكذوبة ودعاية سياسية تحاول الايهام بأن الوضع الاقتصادي في تحسن برغم الحرب . البيانات الرسمية نفسها أكدت أن الموازنة فقدت 80% من مصادر إيراداتها بسبب الحرب،وأن 70% من المنشآت الصناعية جرى تدميرها، وتراجع الانتاج الزراعي بفعل الحرب بنسب كبيرة. الحرب أدت إلى انكماش اقتصادي حاد وغير مسبوق، انهيار في النشاط الإنتاجي الحضري (الصناعة، الخدمات، التجارة). تعطّل سلاسل الإمداد والنقل. توقف شبه كامل للمؤسسات المالية والمصرفية. نزوح داخلي وخارجي واسع النطاق للقوى العاملة. وتشير التقديرات إلى بقاء الاقتصاد في حالة انكماش أو ركود عميق، مع غياب أي تعافٍ حقيقي في ظل استمرار الصراع.
هذا الواقع فقط يدحض أي امكانية لزيادة الناتج المحلي الاجمالي، أو تحسن المؤشرات الاقتصادية بما فيها التضخم . فالقاصي والداني يعلم القفزات اليومية في الاسعار وانهيار القوة الشرائية للجنيه وتداول الطبقات الطفيلية الدولار في تعاملاتها بديلاعن العملة الوطنية، وهي مستمرة بسبب اعتماد سلطة بورتسودان على طباعة العملة وضخ المزيد من أوراق النقد كمصدر لتمويل الانفاق العسكري.

مصطلح (الموازنة الطارئة) أيضا مضلل، فالموازنة الطارئة (Emergency Budget) أو موازنة الأزمات (crisis budget) هي خطة مالية استثنائية تُعدها الحكومات أو المؤسسات بسرعة لمواجهة أزمات غير متوقعة . تركز على تغطية النفقات الضرورية، تجميد غير الضروري، وإعادة تخصيص الموارد لضمان السيولة النقدية والتدفقات التشغيلية الحيوية، وهي تطرح أمام هيئة تشريعية وللرأي العام للموافقة أو الرفض، وتكون لفترة محدودة.

والموازنة السنوية لأي دولة بالمعنى الاقتصادي هي وثيقة مالية- قانونية شاملة تُعدّها الحكومة وتُقرّها السلطة التشريعية، تُحدِّد فيها بشكل مُسبق ومُنظَّم تقديرات الإيرادات العامة وأوجه الانفاق العام خلال سنة مالية محددة، بما يعكس السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة وأولوياتها التنموية، ويُبيّن مصادر التمويل، وحدود الصرف، وأطر الرقابة والمساءلة. أي خطةمالية سنوية تُعبِّر عن كيفية تعبئة الموارد العامة (كالضرائب،الرسوم، عائدات الموارد الطبيعية، والمنح والقروض) وكيفية تخصيصها واستخدامها لتمويل وظائف الدولة الأساسية مثل التعليم، الصحة، البنية التحتية، والخدمات الاجتماعية، في اطار قانوني مُلزِم يضمن الانضباط المالي، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد، والرقابة على المال العام.

ومما سبق نتبين أن ما تطلق عليه سلطة بورتسودان إسم موازنة ليس سوى محاولة للايهام بوجود دولة ومؤسسات وخطة اقتصادية.

وزير مالية سلطة بورتسودان وفي إطار تسويق الدعاية السياسية وصف الموازنة بغير التقليدية ، حيث تركز على حشد الموارد الذاتية وتوجيهها بشكل أساسي لمتطلبات معركة الكرامة – على حد قوله – وأولويات الإنفاق على توفير الخدمات الاساسية بالولايات المتأثرة بالحرب من مياه و كهرباء وصحة وتعليم، و الاستمرار في تهيئة البيئة لعودة المواطنين لمقارهم. وطوال أعوام الحرب ظلت هذه الادعاءات تتكرر لكن الثابت أن معظم الانفاق الحكومي يخصص للحرب والتجييش وصناعة المزيد من المليشيات، وأن الناس وحدهم يتصدون لتوفير الخدمات وتحسين ظروف حياتهم .

وزير مالية سلطة بورتسودان أوضح أن أداء موازنة العام 2025 جاءفوق التوقعات رغم استمرار تحديات الحرب، حيث حققت الايرادات العامة نسبة اداء 147 في المائة، واستمر الصرف على الاحتياجات الحتمية ، مشيراً إلى أن الموازنة التزمت بتهيئة البيئة المناسبة للعودة للخرطوم وتأهيل مطار الخرطوم، لكنه لم يذكر حجم هذه الايرادات بالأرقام ولا مصادرها.

ومما يجدر ذكره أن كل أوجه الصرف الحكومي خلال سنوات الحرب، ظل خارج إطار المراجعة القانونية. وهي حتمية لتوضيح مآلات ونوافذ صرف المال العام، ومحاصرة الفساد والتصرفات اللاقانونية، وبالتالي فما تقوله السلطة على لسان وزير ماليتها لا يعتد به في غياب جهة الرقابة المسؤولة . أيضا التعتيم على أوجه الصرف ومصادر الايرادات هو نفسه يندرج تحت عنوان الفساد والتلاعب بالمال العام.

الحديث المتكرر عن زيادة الاجور والمعاشات والتوظيف ذر للرماد في العيون ففاقد الشي لايعطيه إذ لم يتم حتى الآن تسديد متأخرات الأجور والمعاشات، ولا معالجة أوضاع من فقدوا وظائفهم ودخلهم، ولا زال الملايين في حالة نزوح ولجوء والمجاعة والأوبئة والأمراض تتفشى بشكل مريع . نضيف أيضا توقف دولاب الصناعة والفشل المتواتر للمواسم الزراعية والتهريب الواسع للذهب والمحاصيل الزراعية والغابية وفي مقدمتها الصمغ العربي ، الى جانب تقلص المساحات الزراعية ومعظم مصادر الثروة الحيوانية في المناطق تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع. وأما الادعاء بأنها ميزانية خالية من الضرائب فهو غير حقيقي في ظل الزيادات المضطردة في الأسعار والرسوم .

من يوليو 2025 إلى ديسمبر 2025 ارتفعت الرسوم الجمركية بواقع 30.4%، وإجمالي الزيادة فيها منذ بدء الحرب بلغ 600%.

تعرض الإنتاج الزراعي في السودان لانهيار كارثي بسبب الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، حيث تقلصت المساحات المزروعة إلى أقل من العشر في بعض المناطق، مع توقف المواسم الزراعية في مناطق النزاع (دارفور، كردفان). تمثلت الأضرار في نهب المعدات، تدمير البنية التحتية لمشروع الجزيرة، ارتفاع تكاليف المدخلات بأكثرمن 170%، وتهديد حقيقي بمجاعة نتيجة انخفاض إنتاج الحبوب.

ومن أبرز تداعيات الحرب على القطاع الزراعي:

انهيار المساحات الإنتاجية: تراجعت المساحات المزروعة بشدة، خاصة في مشروع الجزيرة الذي فقد معظم قدرته الإنتاجية.
تدمير البنية التحتية والآلات: نهب وسرقة الجرارات والمعدات الزراعية ، وتخريب محالج القطن ومصانع الزيوت ومخازن المدخلات.

ارتفاع تكاليف الإنتاج: قفزت أسعار الوقود، البذور، والأسمدة بنسبة تزيد عن 60-70%، مما جعل الزراعة غير ذات جدوى اقتصادي .
تعطل سلاسل الإمداد والنزوح وترك الأراضي .
قدرت خسائر القطاع الزراعي بنحو 100 مليار دولار كتقديرات أولية . وانخفض إنتاج الذرة (الغذاء الرئيسي) من حوالي 5-6 ملايين طن إلى أقل من 3 ملايين طن.

ومن المفارقات إعلان الشركة السودانية للموارد المعدنية عن انتاجية للذهب بلغت 70.15 طنًا في عام 2025، دون أي تفاصيل عن عائداته أو كيفية تصديره والمعروف أن تجارة الذهب، التي تُقدّر بمليارات الدولارات، تساهم في استمرار الصراع في السودان وتشكيله . وتُعدّ هذه السلعة المصدر الأهم للدخل بالنسبة للأطراف المتحاربة – القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع – مما يُغذي شبكة عابرة للحدود تضمّ جهات فاعلة أخرى، بما في ذلك جماعات مسلحة أخرى، ومنتجين، وتجار، ومهربين، وحكومات خارجية.

وعليه نقول:
إن استقرار الاقتصاد وبداية التعافي، بما في ذلك وضع الموازنات والتقديرات رهين بوقف الحرب واستعادة الأوضاع الطبيعية، وإنهاء حالة النزوح والتشتت، فالناس المنتجون هم أساس العمليات الاقتصادية، والاقتصاد نفسه لا يعمل إلا في ظل الظروف الطبيعية. وبسبب الحرب فالاقتصاد السوداني الآن في عمق الهاوية، وغالبية الشعب الفقير- ممن لم تقتله الحرب – يدفع ثمن الحرب جوعا ومرضا وتشريدا وعوزا .. هذه هي النتيجة الوحيدة التي لا تخفيها الأرقام المزيفة عن التحسن الاقتصادي.

* لا مخرج من المأزق الاقتصادي سوى وقف الحرب واسترداد الثورة والدولة المدنية

المكتب السياسي
الحزب الشيوعي السوداني
24 فبراير 2026م.