السودان: الحرب وحساب الربح والخسارة (الجزء 2)

السودان: الحرب وحساب الربح والخسارة (الجزء 2)




كلمة الميدان:
الحرب وحساب الربح والخسارة (2-2)

في الجزء الأول حاولنا تتبع تحولات الحرب من منطق الحسم إلى منطق الإستنزاف، بينما يفرض نفسه اليوم السؤال: كيف تنعكس تلك التطورات على الصراعات في المنطقة وفي مقدمتها ما يجري في السودان؟ وهل تفتح حالة الإرهاق الدولي أفقاً لسلام أم تعيد إنتاج دوامة الحرب بأشكال جديدة؟ !.

في ضوء هذا الواقع المرير المعقد، تكتسب الحرب في السودان بُعداً يتجاوز حدودها الوطنية، إذ تتقاطع مع مناخ دولي يتسم بإرهاق متزايد يرفض الحروب ويميل متنامي—وإن كان متردداً—نحو البحث عن تسويات سياسية.

فمن جهة، تقود الضغوط الدولية المرهقة من تكاليف الصراعات نحو فرض وقف إطلاق النار، ولو مؤقتاً. ومن جهة أخرى، فإن إستمرار منطق اللا حزم قد يعيد إنتاج الحرب بأشكال أخرى ما لم يُهزم من الداخل عبر فعل سياسي وجماهيري واعٍ، يغير من ميزان القوة على الأرض.

هنا يبرز جوهر المسألة: السلام في السودان لن يكون منحة خارجية، بل ثمرة صراع داخلي تقوده قوى الشعب الحية.

والتجارب السابقة تؤكد أن السلام المستدام منتزع ولا يُمنح، وأن ميزان القوى لا يتغير إلا بضغط جماهيري قاعدي منظم يفرض إرادة السلام والديمقراطية ويهزم البنية الإجتماعية والسياسية التي تغذي الحرب.

غير أن هذا الفعل لا يمكن أن يتبلور دون تعبئة تقود إلى نهوض في الوعي بطبيعة اللحظة التاريخية وتعقيداتها. والأزمة السودانية ليست معزولة، بل هي جزء من تشابك أوسع بين أزمات وطنية وإقليمية ودولية- الرباعية والخماسية – تتغذى جميعها من واقع الهيمنة الإمبريالية المتزايدة. وبنية إقتصاد عالمي مأزوم يعيد إنتاج التبعية وعدم التكافؤ. إن تفكيك هذا التشابك وفهم علاقاته المادية والسياسية يعد شرطاً ضرورياً لبناء رؤية قادرة على تجاوز حدود المعالجات الجزئية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير فهم نقدي يربط بين الحرب كأداة للسيطرة وإعادة توزيع النفوذ، وبين الأزمات الإقتصادية التي تدفع نحوها وتستفيد منها.

والحروب لم تعد مجرد صراعات على السلطة، بل غدت جزءاً من آليات إدارة الأزمات داخل النظام الراسمالي العالمي، حيث يُعاد إنتاجها بوصفها وسيلة لفرض الواقع ونهب الموارد وإعادة تشكيل الأسواق. ومن دون هذا الفهم، تظل الدعوات إلى السلام مهددة بالإنزلاق إلى شعارات مجردة لا تمس جوهر وجذور الأزمة.

وفي هذا الإطار، يمكن لإتساع الحركة العالمية المناهضة للحرب أن تشكل سنداً مهماً في فضح إقتصاد الحرب، وعزل قواه الإجتماعية، وبناء جبهة واسعة تعيد تعريف الممكن السياسي لصالح السلام العادل، وتربط بين النضال المحلي والأفق الأممي الواسع.

إن مآلات الصراع في السودان لن تُحسم عسكرياً إلا على حساب ما تبقى من الدولة والمجتمع. فكل إنتصار عسكري محتمل لن يكون سوى هزيمة أعمق للوطن.

وحده المسار السياسي القائم على إنهاء الحرب وهزيمة الإستبداد وإعادة بناء الدولة على أسس مدنية ديمقراطية أن يفتح طريق سلام عادل وتنمية متوازنة.

هكذا، وفي عالم يتعلم ببطء وكلفة باهظة، حدود الحرب تبرز مهمة القوى الحية أكثر إلحاحاً: تحويل لحظة الإنهاك إلى لحظة فعل ثوري، وتحويل رفض الحرب إلى قوة قاعدية منظمة تفرض السلام كخيار تاريخي وتفتح أفقاً جديداً للحرية والعدالة في السودان.

الميدان 4450،، الأحد 12 ابريل 2026م.





السودان: الحرب وحساب الربح والخسارة (الجزء 1)