الإقتصاد السوداني في عمق الهاوية

الإقتصاد السوداني في عمق الهاوية




كلمة الميدان:
الإقتصاد السوداني في عمق الهاوية

بينما تتواصل الحرب في السودان للشهر التاسع والثلاثين على التوالي، يواصل الإقتصاد الوطني انحداره نحو أزمة وجودية لم يعد معها الحديث عن مجرد «أزمة إقتصادية» كافياً لوصف حجم الكارثة. فما تشهده البلاد اليوم هو تفكك واسع للأسس التي يقوم عليها النشاط الإقتصادي، وتآكل متسارع لمستويات المعيشة، وإنهيار متواصل لقدرة الدولة على أداء وظائفها الإقتصادية والإجتماعية، في ظل غياب رؤية وطنية وسياسات فعّالة قادرة على وقف هذا التدهور.

لقد أفضت الحرب إلى خسائر فادحة في الناتج المحلي الإجمالي، إذ تشير تقديرات دولية إلى إنكماش الإقتصاد السوداني بنسبة تتراوح بين 40% و60% منذ إندلاع القتال في أبريل 2023. وبالتوازي مع ذلك، إرتفعت معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبح ملايين السودانيين عاجزين عن تأمين إحتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء والمأوى، في وقت تتسع فيه رقعة النزوح والبطالة وانعدام الأمن المعيشي.

وفي الأسواق تتحدث المؤشرات بلغة أكثر قسوة من أي خطاب سياسي. فقد شهدت أسعار السلع الأساسية إرتفاعات حادة ومتواصلة، حيث تضاعفت أسعار الذرة والدقيق والزيوت والسكر عدة مرات في العديد من المناطق، كما قفزت تكاليف النقل والطاقة والإيجارات إلى مستويات تفوق قدرة غالبية الأسر. ونتيجة لذلك، تراجعت الأجور الحقيقية بصورة حادة، وأصبح دخل العامل أو الموظف عاجزاً عن تغطية سوى جزء محدود من إحتياجاته الشهرية، مع استمرار تدهور القوة الشرائية للجنيه السوداني.

ولا تقتصر أسباب هذه الأزمة على الحرب وحدها، رغم كونها العامل الرئيسي فيها، بل تتفاقم بفعل الإرتباك في إدارة السياسات الإقتصادية، وغياب التخطيط الإستراتيجي، وتآكل مؤسسات الدولة، وتعطل أجهزة الرقابة والإدارة المالية. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في تحويل الأزمة من حالة ركود حاد إلى مسار مفتوح من الإنهيار الإقتصادي.

فقد تراجعت الإيرادات العامة بصورة حادة نتيجة توقف قطاعات واسعة من النشاط الإقتصادي، وتعطل جزء كبير من الصادرات، وانكماش القاعدة الضريبية، بينما واجهت السلطات عجزاً متزايداً في تمويل الإنفاق العام. وفي ظل محدودية الموارد، اتجهت إلى التوسع في التمويل بالعجز والإعتماد على الإصدار النقدي، إلى جانب زيادة الرسوم والجبايات. وقد أدى ذلك إلى تعميق الإختلالات النقدية والمالية، وتسارع معدلات التضخم، ومواصلة الضغوط على سعر صرف العملة الوطنية. وكانت النتيجة دخول الإقتصاد في حلقة مفرغة يتغذى فيها التضخم وتدهور سعر الصرف كل منهما على الآخر، بما يؤدي إلى تآكل الدخول الحقيقية واتساع دائرة الفقر.

وتزداد خطورة المشهد مع ما تعرضت له القطاعات الإنتاجية الرئيسية من دمار واسع النطاق. فالزراعة، التي تمثل أحد الأعمدة الأساسية للإقتصاد السوداني ومصدراً رئيسياً للتشغيل، والصادرات تواجه تحديات غير مسبوقة بسبب النزوح وانعدام الأمن وإرتفاع تكاليف الإنتاج ونقص التمويل وتعطل سلاسل الإمداد. كما تعرضت المنشآت الصناعية والتجارية في الخرطوم وعدد من الولايات للتدمير أو التوقف الكامل، الأمر الذي أدى إلى فقدان مئات الآلاف من فرص العمل وتراجع الإنتاج الوطني بصورة حادة.

وفي الوقت الذي تتسع فيه رقعة الجوع والفقر، ما تزال سلطتا بورتسودان ونيالا تديران مناطق نفوذهما في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب يفتقر إلى الحد الأدنى من الإستقرار اللازم لإعادة بناء الإقتصاد. فلا استثمارات يمكن أن تتدفق إلى بلد تحكمه أصوات المدافع، ولا إنتاج يمكن أن ينمو في بيئة يسودها النزوح الجماعي وإنهيار الخدمات العامة وتفكك مؤسسات الدولة.

إن أخطر ما في الأزمة الراهنة لا يتمثل في حجم الخسائر فحسب، بل في استمرارها واتساعها يوماً بعد يوم دون أي مؤشرات جدية على معالجتها. فاستمرار الحرب يعني استمرار تآكل القاعدة الإنتاجية، وتفاقم التضخم، وتدهور قيمة العملة الوطنية، واتساع رقعة الفقر والحرمان، واستنزاف ما تبقى من مقدرات الإقتصاد السوداني. وكل يوم يمر دون وقف القتال يضيف أعباء جديدة على المواطنين ويؤخر فرص التعافي وإعادة الإعمار لسنوات طويلة قادمة.

لقد أصبح واضحاً أن إنقاذ الإقتصاد السوداني يبدأ من بوابة السلام. فلا يمكن تحقيق أي إصلاح اقتصادي ذي معنى في ظل الحرب، ولا يمكن استعادة الإستقرار النقدي والمالي دون استقرار سياسي وأمني. إن وقف الحرب، واستعادة وحدة مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الجهاز الإنتاجي، وتبني برنامج وطني للتعافي والتنمية، لم تعد مجرد خيارات سياسية، بل أصبحت شروطاً موضوعية لبقاء الدولة وصون وحدة الوطن وتأمين مستقبل الشعب السوداني.

كما أن هذه المهام تظل رهينة بإنهاء سلطة أطراف الحرب وانتزاع القرار السياسي من حكومتي الأمر الواقع اللتين أفرزهما الصراع، والتمهيد لبناء بديل مدني ديمقراطي يعبر عن مصالح الجماهير، ويملك الإرادة والقدرة على معالجة جذور الأزمة الوطنية من منظور شامل، يربط بين مهام السلام والديمقراطية والعدالة الإجتماعية والتنمية المستقلة والسيادة الوطنية.

الميدان 4480،، الخميس 25 يونيو 2026م.