الحزب الشيوعي السوداني: 80 عاماً من النضال (الجزء 2)
كلمة الميدان:
الحزب الشيوعي السوداني: 80 عاماً من النضال (2)
إذا كان الجزء الأول من هذه الكلمة قد توقف عند لحظة التأسيس والمسار الذي قاد إلى ترسيخ الحزب الشيوعي السوداني تنظيماً وفكراً وقوةً سياسية في الحياة الوطنية، فإن العقود التالية تكشف بصورة أوضح طبيعة الصلة التي نشأت بين الحزب والحركة الإجتماعية السودانية. فقد إنتقل النضال من طور بناء التنظيم والهوية السياسية إلى ميادين العمل والإنتاج والتعليم والنقابات والحركة النسائية والمزارعين، حيث أخذت الأفكار تتحول إلى ممارسة جماهيرية يومية.
كان عمال السكك الحديد في طليعة هذا التحول. ومن نضالات عمال عطبرة تبلورت هيئة شؤون العمال، ثم تطورت الحركة النقابية حتى تأسس الإتحاد العام لنقابات عمال السودان في مطلع الخمسينيات. وفي هذه العملية برزت قيادات نقابية تاريخية، في مقدمتها الشفيع أحمد الشيخ وقاسم أمين وإبراهيم زكريا وغيرهم. وأصبحت النقابة مدرسة للتنظيم والديمقراطية والوعي بحقوق العاملين، وميداناً لربط المطالب المعيشية بقضايا التحرر الوطني والتحول الإجتماعي.
وفي صفوف الطلاب، أسهم الشيوعيون في تطوير الحركة الطلابية الحديثة، وربط قضية التعليم بقضية التحرر الوطني والديمقراطية. وأصبحت المدارس والجامعات فضاءات للنقاش الفكري والسياسي، ومواقع متقدمة لمقاومة الإستعمار والإستبداد، وتخرج منها أجيال من المثقفين والمناضلين الذين تركوا أثراً عميقاً في الحياة العامة.
وفي الريف ومشروعات الزراعة الحديثة، خصوصاً مشروع الجزيرة، انخرط الشيوعيون في تنظيم المزارعين والدفاع عن مصالحهم، وطرح قضايا الأرض والإنتاج وعلاقات العمل وتوزيع عائد الزراعة ضمن قضايا الصراع الإجتماعي والسياسي. وهكذا اتسع مفهوم التحرر الوطني ليشمل علاقات الإنتاج وشروط حياة المنتجين، وأصبح الإستقلال السياسي مرتبطاً في الوعي النضالي بقضية التنمية والعدالة الإجتماعية.
وكانت قضية المرأة ميداناً آخر لهذا التحول. فقد انخرطت الشيوعيات مع رائدات الحركة النسائية في النضال من أجل تعليم المرأة وحقها في العمل والمشاركة السياسية والمساواة القانونية والإجتماعية. وأسهمت هذه الحركة في تأسيس الإتحاد النسائي السوداني في يناير 1952، الذي أصبح أحد أهم منابر النضال النسائي في السودان. وكانت خالدة زاهر وفاطمة أحمد إبراهيم وسعاد إبراهيم أحمد وحاجة كاشف بدري وغيرهن من جيل جعل قضية تحرر المرأة جزءاً أصيلاً من معركة الديمقراطية والتحرر الوطني.
ومع استقلال السودان، انتقلت المواجهة إلى سؤال بناء الدولة الوطنية ومضمون الإستقلال. فقد واجهت البلاد بنية إقتصادية وإجتماعية وإدارية تشكلت في ظل الإستعمار، وظلت قضايا التنمية غير المتوازنة والتفاوت الإجتماعي والقومي والمناطقي مطروحة بإلحاح. وفي هذا السياق طرح الحزب رؤيته للتصنيع والتنمية المتوازنة والإصلاح الزراعي وتوسيع حقوق العمال والمزارعين، وبناء دولة المواطنة والمؤسسات الديمقراطية.
وجاء إنقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958 ليضع البلاد أمام أول تجربة حكم عسكري بعد الإستقلال. ودخل الشيوعيون مرحلة جديدة من المقاومة، تعرضوا خلالها للإعتقال والمطاردة والفصل من العمل، بينما واصلت التنظيمات العمالية والطلابية والمهنية نشاطها رغم القمع. وتراكمت في تلك السنوات خبرة سياسية وتنظيمية واسعة في مقاومة الحكم العسكري، وأسهمت في تهيئة الظروف التي فجرت ثورة أكتوبر 1964.
كانت أكتوبر محطة مفصلية في تاريخ السودان الحديث. فقد شاركت فيها قوى إجتماعية وسياسية واسعة، وكان للطلاب والعمال والمهنيين والنساء والمزارعين دور أساسي في مسارها. وفي قلبها برزت «جبهة الهيئات» والحركة النقابية، وتبلورت تجربة الإضراب السياسي والعصيان المدني بوصفهما أداتين جماهيريتين قادرتين على شل جهاز السلطة وإنتزاع المبادرة السياسية من الحكم العسكري.
وأثبتت أكتوبر أن التنظيم الجماهيري يستطيع، حين تتوافر شروطه السياسية والإجتماعية؛ يستطيع تحويل الإحتجاج إلى قوة تغيير. وأصبح الإضراب السياسي والعصيان المدني جزءاً من الذاكرة النضالية السودانية، وامتد أثر هذه الخبرة إلى انتفاضة مارس – أبريل 1985، ثم إلى ثورة ديسمبر 2018 – 2019.
الميدان 4503،، الثلاثاء 18 أغسطس 2026م.

