السودان: اقتصاد الحرب.. من يدفع الثمن؟

السودان: اقتصاد الحرب.. من يدفع الثمن؟




كلمة الميدان:
اقتصاد الحرب.. من يدفع الثمن؟

تتكشف، يوماً بعد يوم، الطبيعة المركبة للحرب في السودان، باعتبارها صراعاً تتداخل فيه المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويتجاوز ميادين القتال إلى إعادة تشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية نفسها. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة مسلحة تستنزف الدولة والمجتمع، وإنما أصبحت بيئة لإعادة توزيع الثروة والموارد ومصادر الدخل لمصلحة شبكات مرتبطة باستمرار الصراع، بينما يتحمل ملايين السودانيين كلفة ذلك من قوتهم وأجورهم ومدخراتهم وخدماتهم ومستقبل أبنائهم.

وفي هذا السياق يتبلور اقتصاد الحرب بوصفه اقتصاداً طفيلـياً يعيش على استمرار الأزمة، ويتغذى من انهيار الإنتاج، واتساع الاقتصاد الموازي، وتعدد مراكز الجباية، والتهريب، والمضاربة، وتجارة الذهب والعملات والسلع، فضلاً عن النشاط المرتبط بالسلاح والإمداد والخدمات التي تفرضها ظروف الحرب. وهو اقتصاد لا يراكم الثروة عبر توسيع قاعدة الإنتاج الاجتماعي، وإنما عبر اقتناص الريع والاستيلاء على الموارد وتحويل الفوضى وانهيار المؤسسات إلى فرص للربح والنفوذ.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كلما اتسعت دائرة الدمار والانهيار، اتسعت في المقابل المساحات التي يتحرك فيها النشاط الطفيلي. فالحرب تدمر قوى الإنتاج، وتقطع سلاسل الإمداد، وتعطل الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات، ثم تخلق في الوقت ذاته سوقاً جديدة للتهريب والمضاربة والاحتكار والجباية. وبذلك يصبح الخراب الاقتصادي نفسه مصدراً لتراكم ثروات جديدة لدى فئات محدودة، بينما تنتقل كلفة هذا التراكم إلى المجتمع بأسره.

وقد أطلقت الحرب موجة متشابكة من التضخم والانكماش الاقتصادي. فالإنتاج يتراجع، والنقل والإمداد والطاقة تزداد كلفتها، والعملة تفقد قدرتها الشرائية، فيما تتآكل الأجور والدخول بصورة أسرع من قدرتها على الارتفاع. العامل والموظف والمزارع وصاحب النشاط الصغير لا يواجهون مجرد ارتفاع في الأسعار؛ وإنما يواجهون انتقالاً مستمراً للثروة من أصحاب الدخول الثابتة والمنتجين إلى أصحاب المواقع الريعية والمضاربية والمتحكمين في السلع والموارد ومسارات التجارة.

وهكذا يتحول التضخم، في ظل اقتصاد الحرب، إلى آلية لإعادة توزيع الدخل والثروة. الراتب الذي كان يكفي أسرة في بداية الشهر يفقد جزءاً كبيراً من قيمته قبل نهايته، والمدخرات تتآكل، وسلة الغذاء تنكمش، وتتحول الاحتياجات الأساسية إلى سلع بعيدة المنال. ومع اتساع الفقر والبطالة والنزوح، تتراجع القدرة على الاستهلاك والإنتاج معاً، فتدخل البلاد في دائرة انكماشية عميقة: انخفاض الإنتاج يرفع الأسعار، وارتفاع الأسعار يخفض الطلب، وانخفاض الطلب يضغط على الإنتاج، بينما يؤدي انهيار الخدمات والبنية التحتية إلى رفع تكاليف النشاط الاقتصادي بصورة إضافية.

والأخطر أن هذا الانهيار لا يمكن تفسيره بالحرب باعتبارها قوة تدميرية فحسب؛ إذ إن اقتصاد الحرب نفسه يصبح عاملاً من عوامل إطالة أمدها. فحين تتحول الموارد العامة والخاصة إلى مصادر لتمويل الصراع، وحين تتعدد الرسوم والجبايات، وتخرج قطاعات واسعة من الذهب والتجارة والعملات الأجنبية والسلع الأساسية عن الدورة الاقتصادية المنتجة والرقابة العامة، تتكون مصالح مادية مرتبطة باستمرار الحرب. عندها لا يعود استمرار القتال عبئاً على الجميع بالدرجة نفسها؛ إذ يتحول، بالنسبة إلى شبكات محددة، إلى مصدر للثروة والنفوذ.

ومن هنا ينبغي النظر إلى الطبيعة الطفيلية لاقتصاد الحرب بوصفها جزءاً من بنية الأزمة السياسية نفسها. فالسلطتان القائمتان على واقع الحرب لا تطرحان مشروعاً وطنياً ديمقراطياً لإعادة بناء الاقتصاد على قاعدة الإنتاج والتنمية والعدالة الاجتماعية، ولا تملكان أفقاً سياسياً قادراً على توحيد موارد البلاد وتوجيهها نحو إعادة بناء الدولة والمجتمع. وبينما تتصارع مراكز النفوذ على السيطرة على الموارد ومصادر الإيرادات، يتحول الاقتصاد إلى ساحة أخرى للصراع، وتصبح الجباية بديلاً عن بناء القاعدة الإنتاجية، والاستحواذ على الموارد بديلاً عن تنميتها، والاقتصاد الموازي بديلاً عن مؤسسات الدولة.

وتتجسد هذه المفارقة بوضوح في قطاع الكهرباء. فالمواطن يدفع بصورة مباشرة وغير مباشرة ثمن ارتفاع الوقود والنقل والسلع، ثم يواجه في الوقت ذاته خدمة كهرباء متدهورة وانقطاعات طويلة تعطل المنازل والمستشفيات ومحطات المياه والمصانع والأسواق. وكل ساعة انقطاع تضيف تكلفة جديدة إلى الإنتاج والخدمات والحياة اليومية، وتدفع الأسر والمنتجين إلى بدائل أكثر كلفة. وهكذا تتشابك حلقات الأزمة: الحرب تعطل الإنتاج، وانهيار الإنتاج يرفع الأسعار، وارتفاع الأسعار يوسع الفقر، والفقر يضعف القدرة على الإنتاج، وتدهور الخدمات يرفع كلفة النشاط الاقتصادي، بينما تتسع المساحة أمام النشاط الطفيلي الذي يستفيد من الندرة والفوضى.

والسودان، بما يملكه من أراضٍ زراعية وذهب وثروة حيوانية وموارد مائية وموقع جغرافي وإمكانات بشرية هائلة، لا يعاني من ندرة الموارد بقدر ما يعاني من نمط السيطرة عليها وتوجيهها. فالثروة التي يفترض أن تتحول إلى إنتاج وفرص عمل وإيرادات عامة وخدمات اجتماعية يجري استنزاف جانب معتبر منها عبر شبكات المصالح والتهريب والفساد والجباية، بعيداً عن دورة اقتصادية وطنية منتجة. وفي الوقت ذاته تتحمل قطاعات واسعة من المجتمع عبء الضرائب والرسوم وارتفاع الأسعار، بينما تتقلص قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.

هذه هي جوهر المفارقة الطبقية لاقتصاد الحرب: أقلية تستفيد من الريع والفوضى والاحتكار والجباية، فيما تتحمل الأغلبية كلفة الحرب في شكل تضخم وفقر وبطالة ونزوح وانهيار للخدمات وتآكل للأجور والمدخرات. فالثروة لا تختفي؛ وإنما يعاد توزيعها من أسفل إلى أعلى، ومن المنتجين إلى المستحوذين على الريع، ومن المجتمع إلى شبكات الحرب ومراكز النفوذ.

ولهذا فإن إنهاء الحرب لا يمثل شرطاً سياسياً وأمنياً فحسب، وإنما يمثل ضرورة اقتصادية واجتماعية. غير أن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي إذا ظلت البنية الاقتصادية التي أنتجتها الحرب قائمة. فالمطلوب تفكيك اقتصاد الحرب وشبكات مصالحه، واستعادة الموارد العامة، ووقف التهريب والجباية المتعددة، وإخضاع النشاط الاقتصادي للرقابة والمؤسسات العامة، وإعادة توجيه الموارد نحو الإنتاج وإعادة الإعمار والخدمات، بما يفتح الطريق أمام اقتصاد وطني ديمقراطي يقوم على العمل والإنتاج والعدالة الاجتماعية، لا على الريع والمضاربة والنهب.

إن المعركة من أجل الوطن، في أحد أبعادها الأساسية، هي معركة استرداد الاقتصاد من قبضة الحرب. استرداد الموارد من شبكات المصالح، وتوجيهها من تمويل الصراع إلى تمويل الحياة؛ ومن السلاح إلى الغذاء والدواء والتعليم والصحة؛ ومن التهريب إلى الخزانة العامة؛ ومن الجباية إلى الإنتاج؛ ومن تراكم الثروة الطفيلية إلى إعادة بناء القاعدة الاقتصادية المنتجة.

وهذه المهمة لا يمكن أن تنهض بها سلطات الحرب ومراكز النفوذ المرتبطة بها، لأنها تتطلب تغييراً في بنية السلطة والاقتصاد معاً. إنها مهمة القوى الوطنية والديمقراطية والاجتماعية التي تناضل من أجل وقف الحرب، واستعادة الدولة المدنية الديمقراطية، وبناء اقتصاد يخدم المنتجين والكادحين وغالبية الشعب، ويضع الموارد الوطنية في خدمة التنمية والعدالة الاجتماعية.

ومن هنا تبرز ضرورة بناء الجبهة الجماهيرية القاعدية باعتبارها أداة النضال الشعبي القادرة على توحيد المتضررين من الحرب واقتصادها الطفيلي، وربط معركة وقف الحرب بمعركة تفكيك بنيتها الاقتصادية والاجتماعية، وفتح الطريق أمام التغيير الجذري وبناء السودان المدني الديمقراطي على قاعدة السلام والعدالة والإنتاج والسيادة الشعبية.

الميدان 4450،، الثلاثاء 11 أغسطس 2026م.