النزوح الجماعي للشباب: مأساة إنسانية تكشف عمق الأزمة وتستوجب الحقيقة والمساءلة

النزوح الجماعي للشباب: مأساة إنسانية تكشف عمق الأزمة وتستوجب الحقيقة والمساءلة




بيان المكتب الجهوي للنهج الديمقراطي العمالي لجهة الشمال / الريف.

النزوح الجماعي للشباب: مأساة إنسانية تكشف عمق الأزمة وتستوجب الحقيقة والمساءلة.

يتابع المكتب الجهوي للنهج الديمقراطي العمالي لجهة الشمال / الريف بقلق بالغ واستنكار شديد التطورات الخطيرة المرتبطة بالنزوح الجماعي للشباب، وما رافقها من مآس إنسانية وسقوط ضحايا، وما خلفته القضية من تداعيات سياسية وإعلامية تجاوزت الحدود الوطنية وخلقت رجة نفسية وطنية.

إننا نرفض بشدة كل محاولة لاختزال هذه القضية في بعدها الأمني أو تقديمها باعتبارها مجرد واقعة عابرة ومنفصلة عن سياقها الاجتماعي والسياسي. فالنزوح الجماعي لشباب مغاربة، والمخاطرة بالحياة في عرض البحر بحثا عن أفق آخر، يمثل في جوهره تعبيرا صارخا عن أزمة ثقة عميقة، وعن انسداد اجتماعي واقتصادي وسياسي، وعن جيل بدأ يفقد الأمل في إمكانية بناء مستقبله داخل وطنه.

إن المكتب الجهوي يعتبر أن مسؤولية الدولة لا تبدأ عند اعتراض قوارب الهجرة، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير: عند توفير شروط العيش الكريم، والشغل، والعدالة الاجتماعية، والحرية، والمساواة، والأمل في المستقبل. وحين يصبح الموت في البحر بالنسبة إلى بعض الشباب أقل رعبا من البقاء في وطن لا يرون فيه أفقا، فإن السؤال الحقيقي ينبغي أن يتوجه إلى السياسات التي أنتجت هذا اليأس، لا إلى الضحايا الذين أصبحوا عنوانا لمأساة اجتماعية عميقة.

ويثير الصمت الرسمي إزاء هذه الأحداث استغرابا وقلقا بالغين. ففي الوقت الذي تتفاعل فيه وسائل الإعلام الدولية والرأي العام مع القضية، تختار الدولة سياسة الصمت والتعتيم، وكأن الأمر لا يتعلق بمواطنين مغاربة وبأرواح بشرية وبأسر تعيش الفاجعة. إننا نؤكد أن الصمت في مثل هذه القضايا لا يحمي الدولة، بل يعمق الشكوك ويزيد من أزمة الثقة بينها وبين المجتمع.

كما أن الملابسات المرتبطة بمصير جثامين الضحايا تطرح أسئلة خطيرة لا يمكن تجاهلها. وإذا ثبت وجود رفض أو تعطيل في استلام الجثامين أو تسليمها إلى ذويها، فإن ذلك يشكل إهانة لكرامة الضحايا ومسّا بحقوق أسرهم في معرفة الحقيقة ودفن أبنائها بكرامة. ولذلك نطالب بالكشف الفوري عن حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية والسياسية اللازمة.

وفي ظل تضارب الروايات، تطرح كذلك فرضيات حول احتمال توظيف هذه الأحداث في صراعات وحسابات دولية وإقليمية، بما فيها الصراع المغربي الإسباني والتوترات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، بل ووجود حديث عن أدوار محتملة لجهات مرتبطة بالكيان الصهيوني أو دوائر دولية أخرى.

وإذ نؤكد أن هذه الفرضيات لا يمكن التعامل معها كحقائق دون أدلة، فإننا نعتبر أن خطورتها تستوجب تحقيقا مستقلا وشفافاً يكشف الحقيقة كاملة. فالحقيقة لا تخشى التحقيق، ومن يملك ما يبرئه من المسؤولية لا ينبغي أن يخشى المساءلة.

كما أن ما يروج حول احتمال وجود توظيف أمني أو مخابراتي للأحداث، أو محاولة إعداد رواية سياسية لإبعاد شبهة المسؤولية عن أجهزة الدولة، يفرض بدوره فتح تحقيق جدي ونزيه. إن المؤسسات والأجهزة، مهما كانت طبيعة اختصاصاتها، ليست فوق المساءلة، ولا يجوز أن تتحول الاعتبارات الأمنية إلى ذريعة لحجب الحقيقة عن المجتمع.

إن هذه القضية كشفت، مرة أخرى، فشل المقاربة الرسمية في تدبير الأزمات السياسية والاجتماعية، وأظهرت عمق الهوة بين الخطاب الرسمي حول حماية الشباب وبين واقع يضطر فيه بعضهم إلى المخاطرة بحياته بحثا عن مستقبل أفضل.

ومن موقعه، يدعو المكتب الجهوي للنهج الديمقراطي العمالي كافة القوى اليسارية والديمقراطية والتقدمية، والمنظمات الحقوقية والنقابية والجمعيات الشبابية، إلى بلورة مبادرة سياسية وحقوقية مشتركة من أجل كشف الحقيقة، ومساءلة المسؤولين، والتصدي لكل محاولات التعتيم أو طمس القضية أو توظيفها في صراعات لا علاقة للضحايا بها.

وعليه، فإن المكتب الجهوي للنهج الديمقراطي العمالي لجهة الشمال/الريف:

– يعلن تضامنه الكامل مع الضحايا وأسرهم، ويعبر عن تعازيه ومواساته للعائلات التي فقدت أبناءها.
– يطالب بفتح تحقيق مستقل وشفاف وشامل في ملابسات الأحداث، وأسبابها، وكيفية تدبير السلطات لها، ومسؤولية مختلف الجهات المعنية.
– يطالب بالكشف عن حقيقة مصير جثامين الضحايا وضمان حق الأسر في استلامها ودفنها بكرامة.
– يرفض سياسة الصمت والتعتيم والخذلان التي تتعامل بها الدولة مع قضية إنسانية ووجودية بهذا الحجم.
– يطالب بفتح نقاش عمومي حقيقي حول الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تدفع الشباب إلى النزوح والمخاطرة بحياتهم.

– يدعو القوى اليسارية والديمقراطية والتقدمية إلى توحيد الجهود وبلورة مبادرة سياسية وحقوقية لفضح السياسات التي تنتج اليأس والإقصاء والتهميش.
– يحمل الدولة مسؤوليتها السياسية عن السياسات العمومية التي عمقت الإحباط وانسداد الأفق أمام قطاعات واسعة من الشباب. مع الكف عن لعب دور الدركي الحامي لحدود الامبريالية الأوروبية على حساب حقوق وكرامة المهاجرين والشباب.

إننا في المكتب الجهوي للنهج الديمقراطي العمالي لجهة الشمال/الريف نؤكد أن الشباب ليس مشكلة أمنية، وأن النزوح الجماعي ليس جريمة، وأن الضحايا ليسوا أرقاما قابلة للنسيان.

إنهم أبناء هذا الوطن، ومن حقهم أن يعيشوا فيه بكرامة، ومن حق أسرهم أن تعرف الحقيقة، ومن حق المجتمع أن يعرف من المسؤول وكيف ولماذا وقعت هذه المأساة.

لن نقبل أن تُدفن الحقيقة مع الضحايا.

المكتب الجهوي
للنهج الديمقراطي العمالي لجهة الشمال/الريف.