السودان: تصاعد حركة الجماهير واسترداد مسار التغيير

السودان: تصاعد حركة الجماهير واسترداد مسار التغيير




كلمة الميدان:
تصاعد حركة الجماهير واسترداد مسار التغيير

تتقدم الحركة الجماهيرية، وسط أتون الحرب وتحت وطأة التدهور الإقتصادي والإجتماعي، لتفتح جبهة جديدة في الصراع من أجل الحياة والحقوق والحرية. فالإضرابات والإعتصامات والإحتجاجات التي شهدتها قطاعات المعلمين وأساتذة الجامعات والكوادر الطبية، وتحركات الأهالي ضد شركات التعدين والفساد، وسائر أشكال المقاومة المطلبية، تعكس اتساع دائرة السخط الشعبي وتنامي القدرة الجماهيرية على الفعل. وكلما اشتدت قبضة الحرب على حياة المواطنين، اتسعت معها مساحات المقاومة في مواقع العمل والإنتاج والخدمات والأحياء.

وتحمل هذه التحركات دلالة سياسية تتجاوز حدود المطالب المباشرة؛ إذ تتشكل داخلها إرهاصات حركة جماهيرية قادرة على مواجهة منظومة الحرب ومصالحها الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. فالجوع، وإنهيار الأجور، وتدهور الخدمات، والبطالة، والفساد، ومصادرة الحريات، وإعتقال المناضلين، كلها حلقات في واقع واحد تفرض مواجهته بناء قوة شعبية منظمة تمتلك رؤية التغيير وأدواته.

وهنا تتقدم مسؤولية الطلائع السياسية وقوى التغيير الجذري ولجان المقاومة والقوى النقابية والمطلبية في وصل هذه الحلقات بعضها ببعض، وتحويلها من تحركات متفرقة إلى حركة جماهيرية واسعة، ومن المطالب الجزئية إلى برنامج سياسي وإجتماعي يعبّر عن المصالح المشتركة للجماهير. ويكتسب العمل القاعدي المشترك أهميته باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الثقة والتنظيم والوعي، ومنه تتصاعد الحركة إلى مستوى الفعل السياسي العام.

إن المهمة المطروحة أمام قوى الثورة هي بناء جبهة جماهيرية عريضة، قوامها القوى الإجتماعية صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، وتستند إلى مواقع العمل والإنتاج والأحياء والجامعات والقرى والمعسكرات ومواقع الخدمات، وتجمع العاملين والمزارعين والمهنيين والطلاب والنساء والشباب ولجان المقاومة وسائر الفئات المتضررة من الحرب وإقتصادها. جبهة تنطلق من الواقع الملموس للجماهير، وتستمد قوتها من تنظيمها المستقل، وتطرح برنامجاً واضحاً لوقف الحرب واسترداد الثورة وبناء الدولة المدنية الديمقراطية.

فالنضال من أجل الأجر العادل هو صراع من أجل توزيع أكثر عدالة للثروة والدخل؛ والدفاع عن التعليم والصحة هو دفاع عن حق المجتمع في دولة توفر الخدمات الأساسية؛ والنضال من أجل الإنتاج هو مواجهة مباشرة لإقتصاد الحرب وشبكات النهب والإحتكار؛ ومقاومة الغلاء والتجويع هي معركة حول من يتحمل كلفة الحرب ومن يستفيد منها؛ أما النضال من أجل وقف الحرب فهو في جوهره صراع من أجل إنتزاع القرار الوطني من أيدي القوى المسلحة ومصالحها وشبكاتها الإقتصادية والسياسية، وإعادته إلى الشعب وقواه المدنية المنظمة.

ومن هنا تترابط المهام السياسية والإقتصادية والإجتماعية في مشروع واحد للتغيير. فوقف الحرب يتطلب إنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، واستعادة الدولة لإحتكار السلاح، وإعادة بناء القطاع الأمني والعسكري على أسس وطنية ومهنية وقومية، تحت قيادة السلطة المدنية الديمقراطية، وتصفية الميليشيات والجيوش الموازية، ومحاسبة مرتكبي الجرائم والإنتهاكات، وإرساء منظومة للعدالة الإنتقالية تفتح الطريق أمام معالجة جذور الصراع وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة.

وفي المجال الإقتصادي، تفرض المعركة تفكيك إقتصاد الحرب وشبكات المصالح المرتبطة به، واستعادة الموارد العامة والشركات والمؤسسات الإقتصادية للدولة، ووضع الثروات الوطنية في خدمة المجتمع، وتوجيه الإنفاق العام نحو الإنتاج والخدمات والتنمية، وإعادة بناء الزراعة والصناعة والخدمات، وحماية حقوق العاملين، وصياغة سياسة إقتصادية تستند إلى أولويات الأغلبية الشعبية ومصالح المنتجين.

أما الدولة التي تنشدها الجماهير فهي دولة مدنية ديمقراطية تستند إلى المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والحريات العامة، واستقلال القضاء، والديمقراطية النقابية والسياسية، والخدمة المدنية المهنية، والمؤسسات القومية التي تعمل لمصلحة الشعب. دولة تستعيد فيها الجماهير موقعها بوصفها مصدر الشرعية والقوة السياسية، وتصبح فيها الثروة العامة والموارد الوطنية أدوات لبناء المجتمع وتحقيق التنمية والعدالة الإجتماعية.

وفي هذا الطريق تحتل الحركة النقابية موقعاً مركزياً. فالنقابة الديمقراطية المستقلة مدرسة للنضال والتنظيم، وموقع تتبلور فيه المصالح الطبقية والإجتماعية للعاملين، وقوة قادرة على تحويل المطالب الإقتصادية إلى فعل جماهيري مؤثر. واستعادة استقلال الحركة النقابية، وبناء أجسامها الديمقراطية، وتنسيق النضالات المهنية والمطلبية، تمثل ركناً أساسياً في إعادة بناء الحركة الجماهيرية وفي استرداد أدواتها التاريخية في المقاومة.

إن المطلوب اليوم هو الإرتقاء بالحراك من رد الفعل إلى المبادرة، ومن الإحتجاج المتقطع إلى التنظيم المستمر، ومن المطالب المتفرقة إلى البرنامج المشترك، ومن الحركة المحلية إلى القوة الجماهيرية ذات الأفق الوطني. فكل إضراب يمكن أن يصبح حلقة في سلسلة نضالات أوسع، وكل مطلب يمكن أن يتحول إلى قضية عامة، وكل موقع للمقاومة يمكن أن يصبح مركزاً لبناء التنظيم الجماهيري.

وهنا تكمن المسألة الأساسية: موازين القوى لا تتغير بالأماني ولا بالرهان على تسويات تجري فوق رؤوس الجماهير. تتغير حين تمتلك الجماهير أدواتها السياسية والتنظيمية، وحين تتوحد حول مصالحها، وتدخل ساحة الصراع باعتبارها قوة مستقلة قادرة على فرض أجندتها. ومن هذه الزاوية تصبح المقاومة السلمية المنظمة والتصعيد الجماهيري المتدرج أدوات سياسية لبناء القوة الشعبية وفرض إرادة التغيير.

إن إنهاء الحرب واسترداد الثورة يقتضيان بناء قوة جماهيرية قادرة على إنتزاع زمام المبادرة من قوى الحرب ومراكز النفوذ المرتبطة بها. وهذه القوة تتشكل في مواقع الحياة اليومية، حيث يلتقي العامل والمزارع والطالب والطبيب والمعلم والمهني والمرأة والشاب، وحيث تتحول المعاناة المشتركة إلى وعي مشترك، والوعي المشترك إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة سياسية.

ومن هنا يصبح استرداد الثورة فعلاً جماهيرياً متصلاً يبدأ من الحي وموقع العمل والجامعة والمستشفى والمزرعة، ويتسع عبر النقابات والأجسام المهنية ولجان المقاومة والتنظيمات الإجتماعية، وصولاً إلى حركة شعبية واسعة تملك برنامجها وقرارها وأدواتها.

إن أمام قوى التغيير مهمة بناء هذا الطريق بصورة واعية ومنظمة: توحيد النضالات، وتنسيق المبادرات، ومد الجسور بين المواقع والقوى الإجتماعية، وتطوير العمل المشترك، وصياغة برنامج جماهيري يربط بين وقف الحرب والسلام والعدالة والخبز والحرية والإنتاج والديمقراطية. برنامج يجعل من استرداد الثورة عملية إجتماعية وسياسية متواصلة، ويعيد للشعب موقعه المركزي في صناعة مستقبل البلاد.

وعلى هذا الأساس تتقدم مهمة إنهاء سلطات الحرب ومراكزها المسلحة في بورتسودان ونيالا، وفتح الطريق أمام سلطة مدنية ديمقراطية تستند إلى الإرادة الشعبية، واستكمال مهام الثورة في بناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات.

إن المعركة التي تخوضها الجماهير اليوم هي معركة على مستقبل السودان نفسه: من يملك الدولة؟ من يملك الموارد؟ من يحدد أولويات الإقتصاد؟ من يقرر مصير البلاد؟ ومن يدفع ثمن الحرب؟ والإجابة عن هذه الأسئلة تُحسم في ميدان الصراع الإجتماعي والسياسي، حيث تتقابل مصالح قوى الحرب والنهب مع مصالح المنتجين والكادحين وسائر القوى الإجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير.

لقد أثبت تاريخ السودان أن الجماهير حين تنتظم وتوحد قواها تستطيع تغيير موازين القوى وفتح الطريق أمام التحولات الكبرى. واليوم، وسط الخراب الذي خلفته الحرب، تتشكل إمكانات جديدة لإستعادة هذه المبادرة. ومن واجب القوى الثورية والديمقراطية أن تلتقط هذه اللحظة، وأن تحول التململ الشعبي إلى تنظيم، والتنظيم إلى مقاومة، والمقاومة إلى قوة سياسية جماهيرية تفرض طريق الخلاص الوطني.

إن طريق استرداد الثورة يبدأ من الجماهير وينتهي عند الدولة التي تصنعها إرادتها. وبين البداية والنهاية تمتد معركة طويلة من التنظيم والوعي والمقاومة وبناء البديل.

فلنوسّع ميادين المقاومة، ولنصل النضالات ببعضها، ولنحوّل المطالب اليومية إلى قوة سياسية، ولنَبْنِ الجبهة الجماهيرية التي تستطيع أن تسترد زمام المبادرة، وتوقف الحرب، وتفكك بنيتها الإقتصادية والسياسية، وتسترد الثورة، وتفتح الطريق أمام سودان جديد تسوده الحرية والسلام والعدالة، وتكون فيه السلطة والثروة والقرار في خدمة جماهير الشعب.

الميدان 4508،، الأحد 30 أغسطس 2026م.